الرئيسية / أخبار الرواية / جوائز و مسابقات / قراءة في رواية «قدس الله سري» لـ محمد الأمين بن ربيع /أ.سعيد بوشلالق
14441009_10210988422692783_2325143747883978606_n

قراءة في رواية «قدس الله سري» لـ محمد الأمين بن ربيع /أ.سعيد بوشلالق

14441009_10210988422692783_2325143747883978606_n

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قراءة في رواية «قدس الله سري» لـ محمد الأمين بن ربيع
الرواية الفائزة بجائزة الطاهر وطار للرواية لعام 2017 .
الرواية تستحق أن تحول إلى عمل سينمائي من أروع ما يكون .
القصة حدثت في مدينة بوسعادة جنوب الجزائر في شهر ماي من عام 1913 حينها كان نائل ابن الـ 25 عاماً ويبدو أن أدريان كانت مثله في العمر . قصة علاقة حب ٍّ وزواج لم يدم إلاّ أياما ثمانية ، تنتهي برحيل مفاجئ ..
رواية ممتازة بأسلوبها السردي وتقنيات بناء الشخصيات وأبعادها الدلالية والتأويلية .. والجمال هو القيمة الحقيقية لهذا السرد ، وهو الذي يمد القارئ بلذة ومتعة قرأته ..
الرواية من 196 صفحة في أربع فصول هي :
– أنا : نائل بن سالم ، قصة
– أدريان : قصة أدريان من بدايتها
– رِّدة : ردّة أدريان عن عقيدة الحُبّ
– برزخ : لم يبق منها غير الرماد

أنا : نائل بن سالم
” كل بقاء يكون بعده فناءٌ لا يُعوّل عليه .
كل فناءٍ لا يُعطي بقاءً لا يُعوّل عليه . “
ابن عربي
بهذا الإفتتاح يلج القارئ إلى عالم تصوفي ارتباطاً بعنوان الرواية «قدّس الله سِّري»..
نائل بن سالم بن سليمان بن يحي ؛ شاب بسيط من واحة بوسعادة في جنوب الجزائر ، من مواليد عام 1888 ، يعمل في محل لصباغة الصوف ، يقضي أيامه بشكل روتيني إلى أن تعبره لحظة عشق تغير حياته ..
يقول نائل: ( أُدعى نائل بن سالم وكان اسمها أدريان مورياك لقاؤنا كان قدراً محتوماً ومسطراً لكلينا.. ) ص 10. ( هرّبتُ امرأةَ رجل فرنسي ، وهي موجودة الآن في بيتي .. ) ص 38 . ( اسمها أدريان مورياك تعيش على وقع موسيقى قلبها … جاءت تحمل أحلامها بعد أن قطفتها من بين دفتي كتيب قرأته وتخلصت منه .. ) ص 39 . ( كانت تُلحّ عليّ أن أردّد عليها بيتين ترى نفسها فيهما : ص 40 .
هويتُ نصرانية *** لي في الهوى مُجانبة
رغبتُ في وصالها *** وهي لعمري راهبة
J’adorais une chrétienne
Nous sommes ensembles dans l’amour
je voudrais être plus proche
Mais elle est sœur.)
( لن أنسى أبداً كيف جاءت ذلك اليوم وهي تحمل لي أكثر من مفاجأة ألقتها في وجهي دفعة واحدة .. وقالت : – ما عاد بإمكاني العيش دونك .. نائل لقد جننت بحبك .. ) ص 44 . ( العشق ليس خطيئة . أنا لم أفكر في العشق ولو لوهلة من سنِّي التي تركتها خلفي ، اعتقدت أنه قد يكون أمراً يبتعد عن الإنسان كلما أراده أكثر ، حتى سمعت أن العُشاق ينظرون بقلوبهم لا بعيونهم ، عندها أردت أن أرنو بعيون قلبي .. ) ص 46 .
( كان سيدي أبو مدين الغوث يقول :
أَغْمِضْ طَرفَكَ ترى *** وتلوح أسْرارُك
وافنَ عن الورى *** تبدُو لكَ أخبارُك .. ) ص 63 .
أدريان : أو ” شمس النهار ” كما رغبت أن تُدعى ، عاشت طفولتها في وسط عائلي هش بفرنسا ، في سن العاشرة دفعت للعيش في دير للرهبنة باسم ماري تيريز بعد انفصال والديها ، وبعد ست سنوات خرجت من دير الرهبنة إلى بيت الخطيئة باسم عائلة مورياك بالتبني بنتاً ومربية وعشيقة .. تقول أدريان عن نفسها بعد أن دنست بالخطئية : ( أنا لم أكره جسمي ، إنما احتقرت ذاتي ، لقد دُنست من الداخل ، أنا التي كنت أعتقد أنّني أشبه مريم العذراء ، تلك التي حبلت دون دنس ، لستُ أُشبهها في شيء ، أنا التي حبلت بكذبة .. ) ص 72 . انسحبت من عفن لودفيك مورياك لتسقط في عفن أخيه فيليب . عادت إلى الكنيسة لكن هذه المرة للزواج من فيليب في متاهة أخرى من وعوده الكاذبة ( لكنّني كنت راضية بما اقدمت عليه ، أنا التي لم تكن تملك خياراً فيما تفعل ، لم تعلمني الحياة سوى الرضوخ ، لذا يصعب عليّ أن أعلن تمردي ، على نفسي على الأقل ، التمرد يعني أن أكون قتاة حرة ، وليس لدي ما يكفل حريتي ، قررت بيعها لفيليب مقابل حفنة من الوعود .. ) ص 76 . لكن فيليب كان يخسر كثيراً في القمار ، وكانت أدريان هي الثمن ، كانت تخسر معه جسدها لمن كان يخسر معهم الرهان .. تحت وطأة الديون وخسائر القمار كان الهروب إلى الجنوب الأزرق ومنه إلى الجزائر ولا شيء بيدها سوى آلة التصوير التي أصبحت لا تفارقها وكأنها تعوضها عن الحياة التي حرمتها .. في الباخرة المتجهة إلى الجزائر تعرفت أدريان على ستيفاني ، هذه المرأة كانت مولعة بسحر الشرق ، تقرأ كتاب « الكنّس الجواري في الحسان الجواري » لشهاب الحجازي ، اكتشفت فيه أدريان صورة أخرى ، وكتاباً أخر ، وعوالم أخرى مسكونة بالجمال إنه عالم الشرق بجماله وسحرة وحرارته.. بعد الإقامة أياما في الجزائر العاصمة ، يواصلا الإتجاه نحو الجنوب، القدر والصدفة قادا أدريان وفيليب إلى بوسعادة بعد أن تعرفا على نذير ، والذي دعاهما للإقامة في فندق الصحراء الذي يمتلكه في بوسعادة .. هذه ( المدينة التي تحتضنها الجبال مدينة متدللة ،تشبه عذراء تحاول أن تبقى كذلك ليبقى سحرها ، ةتدوم فتنتها … المدينة التي تحتضنها الجبال مدينة تحمل من الأسرار ما قد يهد الجبال، لأن المحاطين بالجبال يفعلون ما يشاؤون… ) ص 121. ( هذه المدينة مغلفة بالنور، مدينة تفوح جمالاً ، مغناجة أمام مريديها ، فالنور لن يكشف إلا بمقدار ما تريد الكشف ، وإن أرادت الإمعان في التستر فلن يقدر على هتك حجابها أحد …) ص 122 . ( فجأة راودتني فكرة عن الكيفية التي تمكنني من التخلص من فيليب ، فهذه الجنة لن تسع كلينا . ) ص 125 . في هذه المدينة الساحرة ، مدينة الشمس والضوء ، دخلت أدريان الحضرة وفيها ولدت من جديد ..
رِّدة : أدريان هذه الفتاة الفرنسية القادمة من جليد أوربا بحثاً عن حلم في دفئ حرارة الصحراء ، في المكان والإنسان معاً .. قطعت وادي بوسعادة ويدها في يد نائل وخبأت قلبها في هذا الدفء لتولد إمرأة جديدة ، وفي الطريق إلى مسجد أولاد أحميدة لتعلن إسلامها والإسلام يجب ما قبله ، وبه يمكن لنائل أن يعقد النكاح بها ، كان وادي بوسعادة ثانية على موعد مع قصة هذه المرأة الهاربة من جماد فيليب إلى حرارة نائل ، في الوادي روت لنائل قصتها من بداياتها بكل خطاياها وضعفها واستسلامها ونزواتها العابرة ..
هل يمكن للحب أن يتجاوز قضايا الشرف ، ثنائية الحب والشرف لطالما كانت قطب العلاقات في الشرق ؟
الشرف الذي رمز إليه الكاتب بالملحفة أو اللحاف ، يقول نائل: ( استقامت واقفةً ، وضعت يديعا على وسطها فسقطت الملحفة بعد أن أفلتتها ، ظهر شعرها ، ثم انسدلت من جانبها الأيمن لوجهها خصلات غزيرة ، استدارت ناحيتي ، لم أرفع نظري إليها ، … وقفتُ حتى أحسستُ بأنفاسها على رقبتي ، كانت تفصلنا خطوة عن مبتغانا ، ولكن حديثها وسّع المسافة أكثر ، حتى أسقط في يدي فما كنت أدري هل عليَّ أن أواصل ما كنت مُقدماً عليه ، أم أتراجع إلى اللاعودة ، قالت : – ألن تساعدني في تسوية هذا اللحاف ؟ رفعت طرفي الملحفة فوق رأسها ، وسترتها جيّداً . ) ص 136 و 137 . ( رغم كل ما كان يعتمل داخلي من هواجس نبتت فجأة ، بعد أن أصبحت أدريان زوجتي شرعاً وبشهادة رجلين من كبار المدينة ، بدأت أحس أنّني فعلت شيئاً خطأ ، لكن سي سليمان أشار لي قبل أن أغادرهما ألا أتوقع منها أن تكون شبيهة أمي … ) ص 140 . ( لو تكون أدريان مثل أمي فلربما نبت لها جناحان وأصبحت ملَكاً .) ص 141 . ( دخلت أدريان الإسلام من باب الحُبّ معلنة شهادتها وتسليمها ، وما أن سمع – الإمام – بلحيدوسي نطقها الشهادة حتى أعلن أنّها براء من زوجها ، لأن المسلمة لا يجوز أن تنكح غير المسلم .. ) ص 143 . وعُقِد قراننا .. ( ابتسمت ادريان ، ثم صرحت لي أنها غير مُصدقة أنها فعلت أمرين عظيمين لأوّل مرّة في حياتها ، فقد غيرت دينها وزوجها .. ) ص 143 .
( كان قد مضى على مجيئي بها إلى البيت ثمانية أيام وكنت قد نسيت تماماً أنّها هاربة من زوجها ، كما فعلتْ هي تماماً ، وحدَهُ سي سليمان ذكّرني بذلك حين زارني بمعية صديقه الصوّار – إيتيان ديني – … أخبرني أنّ زوجها قد بلّغ الإدارة عن غيابها وعن إمكانية اختطافها .. وطلب مني الورقة التي تثبت إسلامها .. كان مضمونها :
Moi Adrianne Mauryaque je concède sans conditionnels ou forcement , que je suis musulmane . Et j’accepte d’être l’épouse de Nail Ben Salem .
Les témoins ;
Nacer eddine denet
Slimane Ben Brahim
Bousaada le 12 mai 1913 .
La signature
ثم سلمها إلى أدريان التي راحت تتأملها وتدقق في كلِّ حرف منها ، ثم فجأة أعادتها إليه معترضة على توقيعها … ) ص 170 و 171 … في مشهد الدهشة ؛ تغادر أدريان بيت نائل ؛ ترحل ويرحل نائل إلى البرزخ …
برزخ : في برزخ ؛ تتجلى الصورة الصوفية العرفانية في السرد ، حالة بين الروحانية والجسمانية ؛ بين الحسية والخيالية .. نائل بن سالم تتفتح مداركه على حالة بين الحياة والموت ؛ يقول : ( رأيتني ممدداً على الأرض ، كأنّني لستُ أنا في غمرات الموت ونشوة اللقاء الأعظم ….. وعدتُ من حيث خرجت إلى ذلك الجسم الضامر الفاني . ) من ص 180 إلى ص 183 . في نص سردي مبهر وجميل يُضاهي في روعته الوجدانية ( قصيدة ليس الغريب – لسيدنا الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم. ) رحلة الدخول في عالم الأموات والعودة منه بكل تجلياتها ( البرزخ ) … وكرامات الأولياء الصالحين الثلاث ( سيدي إبراهيم الغول ، والي دادة، وبوفالة ) الذين قدموا مع الرياح الآتية من الشرق ، في أسطول خير الدين بربوس لفك الحصار الصليبي على الجزائر المحروسة .. الصورة الأخيرة التي تركتها أدريان كذكرى لنائل بن سالم إحترقت ؛ الرماد هو كل ما بقي منها . وعاد نائل بن سالم من برزخه كما عادت الجزائر من برزخها …
ما كنّا لنعرف أدريان لولا نائل بن سالم ، كان مجيئها لبوسعادة عابراً ، لكن نائل بن سالم خلد هذا العبور ؛ والذي خلده بدوره الروائي الأستاذ محمد الأمين بن ربيع بعد أكثر من قرن من حدوثه في هذا السرد الذي جمع فيه بتكمن بين التاريخ والتصوف بلغة جميلة توظف السردية التراثية «قدّس الله سِّري» ..
شمس النّهار تغيب وشمس القلوب لا تغيب .
معالم وشخوص من مدينة بوسعادة وردت في الرواية : فندق الصحراء ، حارة أولاد أحميدة ، نانَّا الضَّاوية بنت المولود ، ضريح سيدي إبراهيم الغول ، وادي بوسعادة ، مقهى الموريسكي ، ساحة الكولونيل بان ، عقبة الحمص ، بلقندوز صاحب محل صباغة الصوف وصديقيه بْلْعْلا الحملاوي وحْمَيْدُوشْ اليهودي ، المدرسة الفرنسية “شالّون” ، المعلمة السيدة “ماري بال” ، “جون ميرال ” مدرس التاريخ ، الحاج سليمان بن إبراهيم بَاْعْمُرْ المزابي وصديقه الرسام الفرنسي إيتيان دينيه ، حارة الشرفاء ، ضريح كوكو اليهودي ، جبل كَرْدَادَة ، الحاج الطاهر بلحِيدُوسي طالب مسجد أولاد احميدة ، عقبة عين بن سالم ، الأمير الهاشمي بن الأمير عبد القادر الجزائري ، بيت عز الدِّين العيفة الذي أقام فيه الأمير الهاشمي في 1894 ببوسعادة ، مسجد الشرفاء ، جامع النخلة ، أولياء الله الصالحين سيدي إبراهيم وسيدي ثامر وسيدي سليمان وسيدي عطية وسيدي ميمون ، ضريح سيدي عطية ، جامع الموامين ، حوش اليهودي ، المخفيات …
مقتبسات من الرواية :
– لا تنس أبداً مهما ابتعدت وتغربت وتشعبتْ بك السُّبُل وتماديت في تعداد مسالك الحياة التي ستقف وسطها يوماً لتختار أيها ستسلك ، وكلها ستؤدي بك إلى وجهة واحدة ، قد تسعدك حدّ الموت فرحاً وقد تُتْعِسُكَ حدّ تمنيك العودة وأكل تراب هذه الأرض .
– مرور الخطيئة بقلب العارفين كفعل الفاعلين لها ، ومرور العشق بقلب المجذوبين معركة ينبغي ألا يخسروها تحت أي خسائر أو تضحيات يقدمونها .. ص 46 .
– لا أصعب من أن يعيش الإنسان حلماً ، ويعتقد أنّه حياته التي وهبها الله له ، ولا أقسى من أن يستفيق على وقع تحطم ذلك الحلم على جدران الواقع . ص 73
– العطر لغة تفصح عن هوية المتعطر . ص 79 .

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

12106806_920635288031220_3147313378388245257_n

قراءة في رواية ” رحلة الشفاء “

قراءة في رواية ” رحلة الشفاء ” للروائي والشاعر محمد بن زخروفة بقلم الروائية عبلة ...