الرئيسية / الرئيسية / هند في جيب الأرض
téléchargement

هند في جيب الأرض

téléchargement

قراءة : إلهام بورابة
في جيب الأرض. قراءة انطباعية في رواية ” أشياء ليست سريّة جدّا”. لـ هند جودر
..
كنزي مخبّأ في شقّ أسود

أيتها الليلة الباردة ، من اللغة أعتذر.
هكذا تودّ هند توجيهنا ،أيّها القارئون دعكم من لغتي ـ ابحثوا في جيوب الأرض.
فهل بعد هذا أهتم باللغة؟ فلاداع ، اللغة معيارية وقد ألفتها . والعتب على العتبة ” أشياء ليست سريّة جدّا” . كيف يمكنها التمويه بهذا الحذق؟
هل حقّا صدّقت بأنّ أشياء صغيرة لا سريّة ، تستدعي رواية محمومة؟ بل صدّقت كنزها المخبّأ في شق أسود ، ورحت أترصدّه غوصا وظهرة. الأشياء التي ليست سريّة جدّا ، فلسفة اليوميات على سبيل اكتشاف العادي ، صارت نهج روايات حديثة ، لها استدعاءاتها أيضا ، فهل يمكنني إهمال لحظة في بنية رؤيتي ؟ فيلحّ السؤال : لماذا تهرب امرأة مثقفة إلى النافذة لأجل حركات عابرة وحالات تافهة؟
ليس ضروريا تسجيل إعجابي بتمظهر الحياة في افتتاح الرواية فرجة عامّة على مشهد الشياد وصياحه ” مواعين مواعين مواعين” وضجّة البيت في فوضاه ، لأنّ هدفي ليس الوصول إلى براعة الروائية في تمثيل المشاهد وحسن توزيع حصص الحياة على كائناتها ، بل سعيي حثيث إلى الكنز.
ليس هذا أوّل لقاء لي بالرواية ، فعلى صفحة هند الزرقاء تابعت أثرا ، وتحدّثت مع صديقة بشأنها وكانت قد واكبت كتابتها ملفّا ملفّا منذ عام 2012. بثّت فيّ الاهتمام وسرّني أن حصلت على نسخة ليس لأختبر على محكّ ما ،تجربة، وإنّما تواصلا روحيا مع كتابات صديقة. وربّما ربطت حديث الصديقة عن الرواية مع كرونولوجية اختارتها الروائية في بداية الأمر ، لكنّي لاحقا أهتديت إلى الأرض. إنّها تكتونية وستكشف عن غوص وظهرات . وحين ظهر ” الأحدب” مسارا موازيا لمسار امرأة في النافذة ، اقتنعت بأن الرواية بنية أرضية.
لا أعرف إلا القليل من الجيوبوجيا ، ممّا أخذته عن قناة جيوغرافي المتلفزة.لكني آمنت منذ البداية أن الأحدب أرض لا تدور فحسب بل أيضا تنشط داخليا .
قبل أن أواصل ، مازال السؤال يلحّ : ما الذي يجعل امرأة مثقفة تهتم على غير عادة المثقفين بأشياء بسيطة من وراء نافذة؟ أنا قطعا أهتم وأنا مثقفة أيضا ، لكني بدافع اكتشاف ما هو محظور عنّي تتسلّق نظراتي ثقوب نافذة لأحيّي العالم . امرأة سجينة تفعل . امرأة مريضة أيضا تفعل.فهل أحسدها على الفرصة النادرة؟ تلك الأشياء التافهة التي تفعلها عزيزة جدا عليّ . هاهي فرصتي لأعرف أشياء الناس. وغصت فيها .
كرونولوجيّا تقدّم هند أحداث مصيرية ، لامرأة من الشمال حدا بها الزواج إلى الجنوب ، نجاتها من حيّ الصفصاف مرتع الإرهاب ، مهم جدا فما بقي غير التأقلم مع عادات جديدة وحياة أقلّ رفاهية تناضل من أجل تحسينها وكم هذا هيّن. إلى حين حطّت هجرة الزوج للعمل في العاصمة حدثا مربكا ثمّ المرض. هذه الكرونولوجيا تشير دوما للحظات الأرض . فالأرض لحظة بلحظة تسجّل تاريخها دون أن تقحمنا حتّى تفاجعنا بهزات زازالية. ومن هنا تدخلنا هند تاريخها مستنجدة بالذاكرة . ثمّ تفسد عليّ متعة اكتشاف العامل المؤثّر الذي يجبرني على الاعتداد بالأرض في هذه الرواية.إذ تعود إلى زلزال شلف 1980 وتعلن أن كل هزّة بحياتها تذكّرها بالزلزال.
المرض ، وهجرة الزوج ، يلتقيان ، يتجاذبان البطلة ، الأمومة تنتصر لواجباتها ، فما الذي يبقى عدا ألم تهمة نزع زوج عن زوجته بدعوى امرأة جريئة تلاحق الرجال إشباعا لعاطفة مهجورة؟ هذا الغور المكبوت !
أقسى من المرض فجيعة العلاقة الزوجية ، فعلاقة البطلة بعامر الكاتب لم تؤثرعليها بانقطاعها ، قد كانت عابرة عبور غيمة أثمرت أم لم تثمر فهي أخت الرياح والسبيل.وتقول هند على لسان البطلة: ليس المرض وليس البلدة ولا جارتي السمينة …. ليس هذا ما يجعلني متذمرة ، إنّها بداية المعادلة . كان هناك خطأ ، عثرة ، سقوط…جعلني أن أكون ما أنا عليه من خلخلة….كان على الأشياء أن تكون مرنة.”
ماكل ّ هذا ياهند؟ كلّ هذه الدوخات ، والذكريات ، وأشياء الناس ،فقط لإبعاد النظر عن بيت الداء؟
كان على الأشياء أن تكون مرنة ، مرنة كأرض؟
إذا كان المرض هو قشرة الأرض ، فليقشّر.
…….
” التقشير المفرط للأفكار ، أفكار بسيطة وأخرى معقدة..أما الجهنميّة فوحدها القادرة على النتف والتهذيب وإعادة التشكيل” .
فهل تكون الحدبة مثلا هي التشكيل اللازم؟
تقول البطلة : الأحدب وحده من خلخل تفاصيل النهار المملّة. عاهته بالذات ما يرمّم بداخلي الكثير من السطوح التي كانت تلعب دور الأعماق” فأعجب منها ، تشخّص الدّاء وتفترض له علاجا.ولا تترك لقارئ فرصة المشاركة في التدبير . فهل الرواية تقرير سيكولوجي لحالة؟ هاهي تأخذ من الأحدب نموذجها العلاجي معيارا للشفاء. لكن كيف تتشكّل الحدبة؟
مثل الأرض تماما ، دائمة التشكّل ، تغوص صفحات اليابسة ، ثمّ تتصادم ، فتعود تبرز أعلى من الأخرى الصفيحة أكثر تشبّعا بالطاقة الكامنة ، وقد تتشكّل جبالا منتهية اللّذة من نيران الأعماق فتشمخ مطمئنّة لخبرة الحياة وهذه تمثّلها في البدن الحدبة. وقد تمضي في غليانها براكين مضطرمة لا تطمئنّ ، وتتفوّه حائلة بين تشكّل حدبة صلبة تائقة إلى خوض المخاطر جنونا مرّة ومرّة لإمداد الأرض بأنماطها المنقوصة بفعل وجود ها الطويل جدّا في الكون. إنّ مثال الأرض المكتفي بذاته مبهر، ولهذا تتخّده البطلة من الأحدب مرجعا ” أخلاقيّا ” خاصّة. فهل بعد هذا نصدّق بأنّها المرأة المتحرّرة المندفعة إلى الأسواق حيث لا لافتة تنص ” للنساء فقط”؟ كلّا ، إنّها الدعوة لنشيد حافظ ابراهيم : أنا لا أقول دعوا النساء سوافرا *** بين الرجال يجلن في الأسواق.
وكأنّي بها تضيف: فــ ، خير النساء الناظرات بعولة *** تحصي، أهدابهنّ تناثر الأشواق.
هنا ، مكمن الزلزال . هذا البعل ، والبعل اصطلاحا الزوج المتخلّي عن المعاشرة الزوجية رغم قوامته ماديّا .
أليس بداية كلّ هذا الهول للاهتمام بالأشياء الصغيرة بدأ منذ رحيل سعيدة ؟ سعيدة الجارة السمينة المتمتعة تسرد حميمية مع زوج عقيم لكنه يمنح الطاقة الإيجابية للحياة؟ ّإنّها آمال البطلة تخفيها لكتّها تشير إليها كلّما تألّمت في أشياء الخالدية. كانت تستعيض بسردها عن الحرمان . حتّى كنية ” السمينة” ليست قذفا بقدر ماهي تمنّي ، فهي تعلم أن التشحيم فيزيائيا ضروريّ لتمليس سطوح الاحتكاك.
خلاصة ، هل الرواية حقا هي أشياء ليست سريّة جدا؟ بل هي رواية السرّ الجارح . الذي لا يحسن وصفه إلا المثل الشعبي : نخليه في القلب يجرح . نحكيه يفضح.
هل هي حقّا تكريم للأحدب؟ هي كذلك ، لأنّه المرجع الذي اهتدت به لتسوية سطوحها . تهيئة لتمليسها .
وتنفرج أخيرا الرواية ، يموت الأحدب لأن البطلة لم تعد بحاجة إليه. فإذا كان الأحدب من خيال الكاتبة ، فإنّي أهنّئها على هذا الذكاء المنقطع النظير . أمّا إن كان قد وجد فعلا ، فإنّها هبة السّماء . وقد أحسنت استقبالها.

عن eponine

x

‎قد يُعجبك أيضاً

2n6vyo6

تحميل رواية : سوناتا أشباح القدس / واسيني الأعرج

للتحميل اضغط : سوناتا الأشباح القدس / واسيني الأعرج