الرئيسية / الرئيسية / ما علق بالخاطر بعد قراءة رواية الأستاذة / هند الأوراس.
21761787_10212603199048297_570853680561478812_n

ما علق بالخاطر بعد قراءة رواية الأستاذة / هند الأوراس.

21761787_10212603199048297_570853680561478812_n

بقلم/ السعيد مرابطي

. استقراء مكنون النفس البشرية يبتدئ عند تلك الحروف المتوهجة ولا ينتهي بانتائها .
فالأداة لغة والكتابةجوهر.تراها الكتابة كأنما هي بوصلة بيد غواصة أغوار الذات المنطوية على أشهى الأسرار وأعقد الألغاز،والذي يكاشفها ويميط عنها ستائر الحجب حـُـق لمثله بأن يوصف بالفارس.وأي فارس هذا الذي قدر له أن يقطع حمم براكين النفس ولا يرتد مهما ناله منه الإعياء ؟

أسوق هذه التوطئة بعد أن جئت على قراءة رواية ” أشياء ليست سرية جدا..”لمؤلفتها الأستاذة/ الشاعرة: هند أوراس. المنشورة من طرف الجمعية الثقافية الجاحضية قسم النشر .للسداسي الثاني لسنة 2017م وعدد صفحاتها 242.
ما وقع في الخاطربعد إتمام تصفح ، بعث فـَي فضولا على تعليق ، لما جلب هذا النص من تحريض لمن يمعن في مناخات هذه الرواية التي استدرجتنا صاحبتها منذ وضعها عتبة هذا العنوان الشبكي ،الملغم ،العالق ، في جعل القارئ يرفع من حس الفضول لهتك ما توارى خلفه وظل مودعا في المدفون والمتخفي والمنسي.”أشـياء ليست سرية جدا”..وقد جات كلمة “أشياء” نـكرة على سبيل التعميم والتعويم.والنكرة هو اسم يدل على شيء غير معين. فأما السر ما أسررت به من عمل خير أو شر. والسر أيضا جاء تعريفه: يعني خطوط باطن الكـف .
لعل عتبتها الثانية الموقعة ضمن ذاك الاستهلال الشعري ،لمحت بذكاء لما سيواشج أشياءها المكتنزة في شقها الأسود ، حيث تجمعت محصلة من الأزمنة وبادت ولما تفتأ الأشياء قائمة على حالها المأزوم.فمنذ هذا الاستهلال ستظل تنسل لحمة السرد وتتصاعد نبرتها:
أيها المساء
كأسلافي الرعاة
وآبائي المنجمين
ضمني بحنان بالغ
{واعطف على ناحيتي اليسرى.{ النص.

راهنت الكاتبة على بطلتها المتعلمة والمثقفة كمفردة بين الآماكن، التي خبرتها من الداخل. وقد شكلتها من عجينة تمت في معراج .. تـُعد خلطة من مفاهيم و تصورات وآمال انصهرت فيها، فجاء تشكيلها مفرداوحضورا مثاقفا ، مباغتا مشكلا لإزعاج في بعض الأحيان حيثما حطت رحال. كيف لها بأن لا تستأثر بحسها الشاعري ، أو تقظ ليلها، أو تعصف بها هواجسها،وقد ركنتها للفاقة وارتداد واقع مهزوم مأزوم..فضلا على أنها تخيرت لها مواقع بدوية التمظهرات الغارقة في سلوكيات لاتزال في الحجز ،رهينة ، ماضوية. عند القفر القاحل… تختبر الكاتبة عبره، جسدا حميما محموما ولعبة رأس مسافرة ..مولعة بتنشئة عواصف أفكار وتطلعات ليست آمنة تماما،جعلته لها محكا بيئيا ضروسا تفاقم في الهشاشة والصلابة وجدا ووجودا وتواجدا ومعضلات عصية على الفك.

إن الشخوص المنتخبة لهذه المغامرة الإبداعية تحت الفضاءات الماردة المنزلقة تارة إلي الرهبة وفتك السلالة البشرية التي ألمّت وكانت مأساة وطنية ..وتارة إلى شبه حياة..يسميها الناس “حياة”: وهي مثقلة بالشجو الشقي والشجن الملهوف على تباين حضورها المنكسر ومصائرها المفجوعة، تجعلها المؤلفة تقيم ما بيننا وراهن المتناقضات ، حيث القيم التي لا تصمد أمام واقع جديد يعج بتسارع التغيير ويسحب الإنسان إليه بلا هوادة.
إن الرواية لنفسية بامتياز ولعل التوتر العاتي هنا لشدما وهب ميزتها المرصودة كثيمة فنية، ضمن بحثها المؤرق. إدراك فلسفي يعري زيف الموجودات ببعضها البعض ،ينظر إلى الوجود وعلاقة السلوكي ووعيه الظاهر.ويفـقـس ادعاءات الشخوص الموغلة في التورط المكتض بضوضاء الكلام وعسر التخطي بما لا يـُصدق.
كثيرا ما خاطرني تساؤل : ما مدى فعل الكتابة في رج الواقع وزرع الوعي والتأثير فيه وما جدواه؟? ولقد جاء هذا التوتر ذو ريتم عال من خلال اللغة الشعرية .ويمكن أن يكون هذا التوتر بسبب المكان السردي عبر تلك التقاطعات النصية بوصفها مسرحا سرديا يتموسق مع أصداء الكائنات ومغامراتها التي تكتمل بلحمته جزئيات السرد.هذا وإن الجملة السردية لدى الأستاذة /هـنذ أوراس/ جـد متنامية ،مكثفة ،إلى حد المفردة المكتفية بحالها ، حادة ، متضادة مستطردة ، ملغمة ، متوترة ومبؤورة. وكم حـسـبتُ الـمؤلفة بين الحين والآخر، تنشأت في ورشة القصة القصيرة لما تتملك من حذق اكتفاء بالجملة القصيرة التي تسهم في خصوبة القص.
هكذا أرادت الكاتبة أن تقحمنا في تجربتها الأولى في مجال الكتابة السردية .علما بأن جوهر العمل الروائي يقوم على خلق شخصيات متخيلة ، ذلك لأنها شخصية تمتزج في وصفها بالخيال الفني للروائي، وبمخزونه الثقافي الذي يسمح لـه أن يضيف ويحذف في تكوينها وتصويرها.
من ذلك أن نماذجها المقترحة جاءت متفاعلة في فضاء رملي عاصف..صلد، جاف ،انقيادي يشوبه نكوص ..خانغ في أغلب أطواره. لكل من :-احمد : زوج البطلة -الــد لالة-. زوجة الزرمي- الأحدب عامل النظافة.- الدراجي شاب في مقتبل العمر ؛صاحب صهريج الماء.جالب الماء من جبال الخالدية. – السامعي : بائع المحاجب .- الإمام- رابح : البقال أب الأبناء الثلاثة المعوقين. – الفتاة خديجة : المراقبة للأحدب. نعيمة.

هي ذي الكاتبة تتخير لبطلتها المنهكة ،كزوجة مثقفة واعيى ..واقـفة على صراط تحول على إثر انكماش علاقة زوجية بعد إنجاب أطفال ، موكلة للانهيار والوساوس والمرض العضال. تقول البطلة : الأكثر مرارة من الصدمة الاكتشاف المتأخر لحقيقتنا يورطنا في التشابك عبر المبرر لمعطيات وجودناّ، فنفقد بذلك طرف الخيط ؛ أنا فقدت الخيط .ارتبكت حياتي وتشتت وضيعت قدرتي الفائقة على معرفة الاتجاه .ضعت في الطريق الذي أضاعني .لم أعد أفهم..وربما كنت دائما كذلك.- ص-.43.

امرأة من طراز رافض لوضع المرأة ” المملوكي” المتشـئ ..الساحب للخدر والمقنن للعادة والقبيلة . على لسان البطلة: القيمة هنا لا تنبع من نفسها بل تستمدها المرأة من الرجل الذي يرفعها إلى عنان السماء ،أو ينزلها أسفل السافلين..{النص} تجئ الكاتبة وتعطي لبطلتها في كل حين فرصة الوقوف خلف نافذتها المطلة على الشارع….لتراقب تلك النماذج البشرية عند حر كتها الدؤوبة المحجوزة في اليومي ..في تسلقها العادي المنعوت ظاهريا بالبهوت ؛ المسكون بالضجيج الداخلي العاكف على الطاعة وليس سواها. نماذج تختزل مجتمعا “محافظا ” هو على بعد مهول من سمات قيمة الإنسان واحترام رغبات الذكران والإناث…هو بدوي الطباع والتصورات..التي سادت عند إجداده “الرعاة”بالمعنى المشار إليه من طرف الكاتبة..في الاستهلال. يركن إلى وتيرة شبه مدينة ، تقع على مسافة من التطور المدني تقاس على بعد ما بين سلوك القرد وسلوك الإنسان . الإطلالة من النافذة ، هي بمثابة زوم كـاميرا يرتقي لتفاعلية الأدب . زومها المركز بعناية تصل إليه الأصوات والسير والخلفيات المتوارية بين نمط حياة هؤلاء البشرالذائبين في حاجاتهم البسيطة المعقدة…تقول على لسان البطلة : الـنافذة.. تطل على الشارع والناس ، أنيقة ومتلائمة. من خلالها يبدو العالم الخارجي خرافيا.،مدهشا ومزاجيا.أرى أحلام الناس في خطواتهم اللاهثة..{الـنص}؛
شـارع “الخالدية”..يعيش طقوسه المألوفة. يتحرك ببطء مشلول ..يرغم البطلة على الانتفاض. الخالدية تهز أركانها هواجسها تعلق بذهنها صورة مرفوضة . تقول البطلة : أريد للخالدية أن تنتفض أن تعدل درجة حرارة نموها العاطفي والعقلي . أن تنكسر .أن تهوي في الأعلى. أن تعد إلى أسفل. الخالدية حبي الذي أكره .وجودي الذي لا أتحمل.ص/44
فحضـور النافـذة هي الـزوم ” ، يُعـد في نظري كتقنية ركزتها الكاتبة بعناية فنية . يقول المخرج الأمريكي الكبير: – أورسون ويلس-: “لا يكون الفن فنا إلا إذا كانت الكاميرا عينا في رأس شـاعر “. وبطلتنا تقنص الأشياء المثيرة بعينها الشاعرة والفنانة ،وترسم لنا خلفية للذي تقتات عليه يومياتها بكثير من الإيغال في ما هو إنساني وشخصي ملفوف في العـيّ والصخب النفسي ، والعصاب الاجتماعي الداهس للكائنات. لعـل شخصيةّ “الأحدب” تحسب في حسنات كاتبتنا ،كابتكار مرادف لفعل إبداع يخرق النمذجة المألوفة عند الكتـّاب. حيث توظف هذه الشخصية الغامضة والمهمشة في نظرة الآخر لها .. ومرمزة تقيم- في نسيج الحكاية مشفرة مشخصنة- دور، رُصـد لتعرية زيف الناس وهو ماكث فيهم. يدفع بعربته المثقلة يحشو بطنها بأوساخ الذين يفترض فيهم عطف وتبجيل. يمشي الهوينا يلتقط سوء أيامه والهم فوق الصدر أكبر …ينحني أكثر يزيل من على الشارع فضلاتهم المنزلية والأخلاقية.. يتحرك بينهم كأنما هو وصفة علاج ..ضد نفاقهم ،وقهرهم وعقدهم . الأحدب بهذه الشـائنة اجتماعي حد النخاع، ينتصب كاتهام لمجتمع يعزل العاهة ويخفيها ويحتقـر الضعيف وينهش محرومين.حدبته تشبه قشرة الأرض وكم سميكة هي قشرة الأرض التي تحمل البطش والردس لبني البشر: جاء في قاموس المعاني: حـدِبت الأرض : ارتفع بعضها .
لقد راهنت الكاتبة هند أوراس بشكل من الأشكال على إنزال “كـاسيمودو ” الأحدب ، من علياه االجوهرية ..إلى أسفل، في حين صعدت” إزمـــيرالـدا”.. لتتقـفاه بطلتها وهو يعيش في غموض دوره العاشق الذي أوقعه في حب دفء الجمال الإنسانى المحروم منه، والموجود بأعماقه الداخلية.. الأحدب بهـذه الـشائنة المقـيتة بنتوء ظهره … يقول: حدبتي تفعل ذلك لأنها جبل من الخيبات ومن الآلام.{ النص؛} ولأن القشرة الأرضية هي جزء من الأرض تغلف كتلتها الصلبة، تعطي الكاتبة لبطلتها جميع الفرص لتقـشـير عاهة تسمى حدبة الأحدب وتواعده على مسافة نافذة طابق البناية ..رفقا به.. على الأحرى رفـقا بإنسانيتها هي حتى لا تني عن كشف زيف الذين يقيم بينهم . فعلى لسانه يصرح: أنا تعنيلي حدبتي هذه كل شيء . علمتني تفاصيل الأسفل وتفاهات الفوق. تفاهت الفوق؟ الناس يمشون ورؤوسهم إلى أعلى .ومن حين إلى حين يسقطون في الأسفل المتنكرين له من البداية فينكسرون.لا بل يتحطمون تماما لأن حدبتهم الداخلية تمنعهم من الرؤية ومن الدخول في تفاصيل الأسفل الذي يقودهم إلى حيث شاؤوا..لم تكتف الكاتبة بمتابعة أطور الأحدب وحده ولكنها خشت على سير شخوصها عبر محطات جمة. رصدت أحزانهم..
أطوار تقلباتهم في الغيظ واليتم والفاقة و القهر والإحباط والخنوع أيضا. لكل شخصية مسار أخبرتنا به وغاصت لتنبئنا بالملابسات المحيطة وتتبعت سيرهم واستطلعت أخباهم الدفينة .والمتأمل في هذه الرواية سيطلع على ما وقع في تماس مع كل تلك الشخصيات من تقاطع في علاقة مع العاطفة الإنسانية والرغبات الذاتية في مجال المحبة والسعادة ..حيث الكل منهم موكل لعزاء ذاته بمفرده .مسحوق في جوهره . بلا مرجع شخصي ذاتي كوني ،يطحن أيامه فراغ رهيب مما تحبذ الروح من سكن عاطفي في الحياة .
الكل له حدبة تواري سوءاته الأخلاقية ، والناس يعمدون إلى الدنس والخيانة والاكتفاء بالخنوع والتملص من موقف إنساني نبيل.

حدثت بالرواية هنات لغوية لم أشأ أن أن أذكرها تحسبا من نسخة
..التي تحصلت عليها قد لا تكون الأخيرة والمنقحة. Pdf
في النهاية ،إن الكاتبة /هند أوراس / قلم ثابت متحصنة بموهبة حقيقية ..أحييها وأدعو لها بالتوفيق.

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

18403366_1112893545521621_1682635448361386731_n

قراءة في رواية – كوكب العذاب- لشهرزاد زاغز

قراءة في رواية – كوكب العذاب- الخواطر الشاردة/ بقلمي ميلس بوحفص الكاتبة : شهر زاد ...