الرئيسية / الرئيسية / قراءة في رواية “الميزونة” : تحولات جزائر ما بعد الانفتاح في نص أدبي ماتع!
23794954_1708348992517175_946719803013662567_n

قراءة في رواية “الميزونة” : تحولات جزائر ما بعد الانفتاح في نص أدبي ماتع!

23794954_1708348992517175_946719803013662567_n

أطلقت حكما عن رواية “الميزونة” لطاهر حليسي وقلت بأننا ظلمنا هذه الرواية مع أنني كنت قرأت 100 صفحة منها فقط، وبعد قراءة 300 صفحة أخرى اتضح أنني لم استعجل الحكم فهي بالفعل رواية متكاملة، ليس فقط لأن النصوص الجيدة تدافع عن نفسها من البداية، بل لأنه يمكن إعتبارها لأسباب سأفصّل فيها، إضافة كبرى للأدب الجزائري، فقلما قرأنا عملا جيدًا كهذا، لتميز الفكرة وعمقها وخروج النص عن الأفكار المستنسخة والسطحية، وكذلك للغة الجميلة التي كتبت بها الرواية، والثروة اللغوية التي استحضرها الروائي خلال 70 ألف كلمة وهي المساحة التعبيرية التي وظفها ليوصل أفكاره.
حيث من الواضح أنه جٌهِد كثيرا ليحافظ على مستوى معين في السّرد ولا ينزل عنه، قبل أن يستعمل لغة مختلفة في أحايين عدّة، ضمّخها بمصطلحات وألفاظ دينية، لضرورة متعلقة بتحولات عرفتها بعض الشخوص فأجاد مظهرًا إطلاعا كبيرًا وثقافة واسعة.

استعمل الروائي في الحوار بين شخوص العمل لغة ماتعة، فلسفية في عمقها، مستمدة من الشارع الجزائري لكن مع قدرة على تحويل أمثال شعبية بسيطة وكلمات نسمعها في تبسة وسطيف وعين الدفلى إلى خطاب قوي يجعل تقريبا من كثير من الأفكار زاخرة بالمعاني، وبمثابة مأثورات، صالحة للإقتباس خاصة بإمتلاكه القدرة على تطويع الكلم.
إن “الميزونة” هي رواية لا تشبه إلا نفسها، فلا هي تشبه ما اعتدنا أن نقرأه في الأدب الجزائري ولا تشبه الأدب العربي الذي نكون قد اطلعنا عليه ولا اللاتيني المترجم، إنه نص يشبه نفسه فقط، ولكن ببهارات جزائرية، باتنية، من خلال حضور عنصري المكان والزمان بشكل متواصل، ليذكرنا أننا نقرأ عملا جزائريًا محضًا.
في رواية “الميزونة” يحدثنا طاهر حليسي عن ظواهر متعددة، عن كل شيء، عن أمراض المجتمع وأعطابه وأمراضه، عن عالم البؤساء والصعاليك والمهمشين الذين لفظهم المجتمع، فيتابع التحولات التي تطرأ على حياة شلة من مرتادي “الميزونة” (وهي دار القطار المهملة التي تتحول إلى ملتقى فيما يشبه خمارة صغيرة يشرف عليها ديغول) طيلة عشرين سنة كاملة في سرد متزن وشائق، مع تركيز بعض الشيء على شخصية أزير عبدوس، لهذا من الصعب الحديث عن اشتغال الكاتب على موضوع واحد النص، والقول أنه يعالج قضية معينة بل يمكن القول إلى حد ما أنه يؤرخ لتغييرات عرفتها الجزائر في مراحل مهمة من تاريخها مرورًا بعشرية الدم والدموع.
وقد استطاع طاهر أن يعرّي الجزائر بعد أن صار بعد أحداث أكتوبر 1988 بإمكان أي سارق ومن خلال طرائق متعددة أن يتسلق ليصبح مسؤولا كبيرًا في الدولة، فـ (بنك المزايا) وفق ما يسميه “العقيد عباس” أحد شخوص الرواية، واحدة من الطرق المعتمدة في سلم الترقيات، فيرتقي اللص الصغير ليسكن “الأوراسي” وينتظر دوره للإقامة في “الصنوبر البحري قبل أن تطيح به فضيحة جنسية..
تتشابك الأحداث وتتقاطع المصائر ليلتقي الجميع في النهاية مشكلين قصة متلاحمة، ومتكاملة، إذ لا يكون هناك حضور لشخص ما إلا لنجد سببا وجيهًا لذلك فقط علينا أن ننتظر لنعرف، بمن في ذلك حضور شخصية تبدو بسيطة للاعب كرة قدم في الحي اسمه “ماجيرو”.
والمؤكد أنه من الصعب جدًا لمن سيقرأ هذا النص بتركيز أن يعرف أنه لا وجود لأزير وقزمة والرخمة والديس وغيرهم في الواقع، فقد برع الكاتب في تصوير هذه الشخصيات والتقلبات التي عاشتها مثلما حصل مع ديغول الذي انتهى به المطاف إلى الإرهابي أبي حمزة، فمهد لهذا التحويل الذي سيطرأ بشكل مستفيض وبعيدا عن الإسفاف لنتقل الشكل الجديد لديغول ساقي الخمّارة.
وأنا أغرق في هذه الرواية من البداية، كنت خائفًا ألا تكون النهاية في مستوى العمل الذي هو أقرب إلى فيلم سينمائي متسارع الأحداث، ولكن الكاتب عرف كيف ينهي النص بأناقة، من خلال اتضاح مصير كل واحد من أبطال الرواية الذين يلتقون صدفة أو عمدًا في النهاية، مع ترك هامش من حرية الخيال للقارئ.
المؤكد أن رواية “الميزونة” واحدة من الروايات الجزائرية التي تستحق أن تقرأ، بالنظر لعوامل عديدة، منها الفكرة العميقة واللغة القوية المكثفة، والمهارات المستعملة في نقل قصة متشابكة قد يختصرها أي كاتب في ستين صفحة، فضلا عن السرد المتسلسل والعقلاني بعيدًا عن التمطيط الممل أو الإختصار المقتضب، لهذا هي دعوة لقراءة هذه الرواية، وهي دعوة في الأصل لتثمين الأعمال الروائية الجيّدة لطرد كل ما هو رديء.

عن nedjem sidiatmane

x

‎قد يُعجبك أيضاً

21761787_10212603199048297_570853680561478812_n

ما علق بالخاطر بعد قراءة رواية الأستاذة / هند الأوراس.

بقلم/ السعيد مرابطي . استقراء مكنون النفس البشرية يبتدئ عند تلك الحروف المتوهجة ولا ينتهي ...