الرئيسية / الرئيسية / جولة في المقبرة محمد بومعراف إنطباع قارىء بقلم محمد شهاب بن خدة
22195434_1992498034110500_1344614738895989466_n

جولة في المقبرة محمد بومعراف إنطباع قارىء بقلم محمد شهاب بن خدة

22195434_1992498034110500_1344614738895989466_n

جولة في المقبرة
محمد بومعراف

إنطباع قارىء
بقلم محمد شهاب بن خدة

عندما نضيع في دهاليز الذات يتأجل موتنا كي يعجّل الحساب ، و كأن به يؤثر اندثارنا دفعة واحدة ليقسّط العذابات بمقاس الصفعات تباعا ، واحدة خلف واحدة تجلد المعنى خلف أعقاب الوقت الذي يمضي متلاشيا في دوامة الذاكرة و الوطن .
ها تراني آخر الموتى الأحياء ، أم أن مثلي كثيرون ينزوون في أركان الضياع ، يلازمون حانات الحسرة من جهة و لا مبالاة العدم من جهة أخرى . لكن الجميع يقتسمون الخبز ذاته و يمضون في طريق يوحدهم ، يركبون قطار الزمن إلى مقبرة خيّرتهم بين حجز مكان لهم أو الاغتراب مجددا في تيه الأيام .
و انا أقرأ هذه الرواية تملكني هاجس التاريخ كأنني ” وحيد ” الوحيد الذي أضاع أجزاء منه في غرف الذاكرة ، كما أضاع ” نبيلة ” الحب الذي ختم على قلبه في لحظة تاريخية كان هو الهامش فيها ، فأضاعه الوطن في ترابه و لم يبق له من انتمائه إلا تمرده الداخلي و عدم يقينه المستمر خلف كل التغيرات التي طرأت أثناء غيابه ، كأنه محكوم باللاأمان في زنزانة الوجع بتواطئ من القدر .
هو يعود بعد غياب ليدرك آخر لعنات الذاكرة يهبها إياه الشوق لكل ما قد يتعرّف عليه بهذا الخراب الذي ألف أن يسميه الوطن ، في ازقته و شوارعه ، في ارصفته و لافتات محتضرة و جدران كئيبة و ” عين ” تمثل الأمل القاتم في قرية مستعصية التغيّر . يعود ليجد الآخرين تغيّروا ، الجميع دون استثناء ، يعود ليجد الوطن في ” وريدة ” المتمردة على اسمها و يجد في حديثها كل مرة ممرا سريا يوصله لنبيلة القلب و الوجدان ، يعود متخما بذاكرة الأبوة العصيبة و أم لم يعرفها إلا من قبرها و أخ ورث جبّة أبيه قد ارتداها باتقان و آخر ينهمك في لامبالاته كحالة الشعب جميعا . أما الأصدقاء تفرّقت فيهم الهمم و اختص كل منهم قدره بغيب ما و ها هو الخجول يصبح محام و النسونجي يدافع بشرف على الوطن و ما حمل من ضعفاء و اتقياء و حرامية مجرمين ، لكنه نسي أن يدافع عن صديقه الذي ترك الهندسة ليبيع ذمته و يتاجر بالوطن في صفقة كادت أن تكون .
الوطن تصالح مع التاريخ و هو الوحيد ” وحيد ” مدرس التاريخلم يتصالح حتى مع ذاته فكيف يقتسم فكرة ان يمد يد العون لأصحاب الأقدام السوداء و لا أن يقبل مساعدتهم ، كان يدرك لعنة التبعية في كل شيء إلا في الانتماء لفرنسا ، هو لا يحسن صنع التصنع و لا يقبل بمساومات اتجاه مبدا المواطنة و لو كان بميزان الوعي مثلما رفض فكرة أن تتصالح ثقافته مع ثقافة الإسرائيلين في المانيا ما جعله يخسر قدرا آخر و رحلة أخرى تمثلت في ” كلارا ” و العمل في المكتبة .
ما الذي يجعل رجل هزمه الوطن و الانتماء أن يخسر حروب التاريخ ليفر مجددا إلى منفاه ، ما الدافع الذي ولّد حنين العودة ليطأ ترابا ملعونا ببنيه ، ما العبرة من الخراب إن لم نحسن ترتيب ما تبقى به بما أبقي لنا عليه سوى أننا نكتب التاريخ بصفعة اخرى و أقدامنا تمضي دون رجعة نحو الهامش المنسي . ” الوطن المقبرة “
يعود من حيث أتى تاركا خلفه منفضة لأسئلة لن يجيب عنها .

ملاحظات عامة
أن تتجول ، أن تفحص بتسكّع كل عوارض الأماكن التي تراودك دون يقين مسبق بأنك ستزورها ، ناهيك أنك تتجول بمقبرة ، فكل الذي تجده إلا قبورا لن تهديها سوى وازع الدعوات و الأماني بخلود مريح .
” جولة في المقبرة ” عنوان تتفتّح فيه الكثير من التساؤلات و تينع الإجابات تباعا و أنت تتصفح أوراق الزيارة الغير رسمية للسي ” وحيد ” المغترب في ألمانيا ، الفار من حدود العذاب الإنساني في وطن حيثما تمثّل .
التاريخ أحد أهم اركان الرواية التي بنى عليها ” محمد بومعراف ” روايته مختزلا ذلك في صفة أستاذ التاريخ المغترب و هو ما افتتح به مضمونها ، لكنه بلغته الصحفية قد تمرد على السرد و كاد يضيع منه ليختلج القارىء بعض الملل و سرعانما يتدارك ذلك ليتحكم في سرد التفاصيل باتقان موغلا في بطاقة فنية و تاريخية تتيح لغير العارفين معرفة العاصمة و كثير من تفاصيلها و هذا بحد ذاته عمل ثانوي بالرواية أبدع الكاتب في ادراجه .
مهم جدا الربط بين الحاضر و الماضي بين المتشابهات التي تضمن وحدوية الفكرة و التفاصيل ، فالكاتب أجاد لغة المقاربة بين الوطن المثكل و بين تفاصيل ميلاده و تسميته من قبل عون الادارة و كذا بين ” وريدة ” و ” كلارا ” في حمله على تذكر ” نبيلة ”
ما سأعيبه على الروائي محمد بومعراف هو تسرعه في سرد تفاصيل الفراق الذي حصل بينه و بين نبيلة بسبب الخلاف الجوهري بين والديهما حول مكانة ” مصالي الحاج ” و الحركة الوطنية و هو ما يعد أهم محور ( حسب رأيي ) كان يمكن أن يأخذ منحى أكثر توغلا في الإشكال و الذاكرة ، لكن الروائي آثر اختصاره لغاية ربما لم يصرح بها لاعتبارات اخرى .
أيضا الصدف التي جمعته بالعجوز الفرنسية من أول نزوله للمطار إلى غاية مساعدتها لهم في قضية سرقة بعض التحف الوطنية و استعادتها ” وحيد ” كان ناقما عليها و هو ما قد أختلف معه بشأنها بعض الشيء فجوهر الجزائري و نخوته دائما ما كانت تحتم عليه مساعدة كبار السن ، و كذا التاريخ حافل منذ الثورة بالكثير من الفرنسيين الذين ساعدوا الثورة الجزائرية و هو ما يعكس نظرية الكاتب في صياغة شخصية بطله ، إلا إن عدّ ” وحيد ” صاحب عقد نفسية تزامنت مع كل التراكمات التي حصل بتاريخه. الشخصي و وعيه الوطني و هو الأقرب للصحة .
نهاية دراماتيكية متقنة جدا زيارة للمقبرة تبريرا للعنوان و تأكيدا لكل ضبابيات الرواية و تفاصيلها .

خلاصة
الوطن مقبرة أي نعم ، لكن بأيدينا أن نجعل من الموت حياة و من نزرع في الضياع شواهد التاريخ و نستغلها كما يجب و نبتي وطنا لن نحتاج لنهديه وابل الدعوات .

الرواية جد قيمة من حيث المضمون التارخي و الإنساني و السياسي أيضا حملت جملة من تفاصيل الشعب الجزائري أينما كان سواء بالعاصمة أو غيرها ، ما اجتمعوا فيه الحياة اليومية الغامضة .

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

21761787_10212603199048297_570853680561478812_n

ما علق بالخاطر بعد قراءة رواية الأستاذة / هند الأوراس.

بقلم/ السعيد مرابطي . استقراء مكنون النفس البشرية يبتدئ عند تلك الحروف المتوهجة ولا ينتهي ...