الرئيسية / أخبار الرواية / فصل من رواية : المغارة الثانية / وسيلة سناني
رواية المغارة الثانية , وسيلة سناني

فصل من رواية : المغارة الثانية / وسيلة سناني

الفصل الخامس:

هـــــــــــــــــــــــــؤلاء

بعد أن عدت في تلك الرحلة من الخليج أصابتني صفعة وأنا أدخل مطار الجزائر العاصمة هواري بومدين، فلم أعد أفقه إن كنت هناك في حقيقة أم في حلم. لطالما رضيت بحياة الجزائر العاصمة، واعتبرتها هدية لم تفقد بريقها في عيني بعد.
فإذا بي أجد نفسي في عالم آخر من الضوء الساطع والذهب والمخمل الذي كنت أسمع عنه في حكايات البعض في جلسات المغارة الليلية عند كانون الشتاء، على أنه ضوء ساطع من كل شيء.
أعتقد أنه كان مناما بما فيه من حلم ومن كل شيء، يشبه أقاصيص ألف ليلة وليلة، أنا أيضا اكتملت قصتي فيها، وتأكدت أني قصة أخرى من ألف ليلة وليلة، وأن الذين دوّنو حكايات ألف ليلة وليلة علموا بمستقبل سأكون أنا فيه فحرمت قصتي من أن تضاف إليها. أغلقوا الحكايات في كتاب وتركوا حكايتي لمهب الريح.
حاولت مرة أن أبدأ في كتابتها فوجدت نفسي أكتب عن حبي له، وعن البحر الأزرق، وبأني عصفورته كما يقول لي دائما. ففهمت أني لازلت بعيدة عن أن أتصالح مع نفسي ومع كل الذي حدث ويحدث معي.
ما زلت بعيدة جدا؛ فأنا لم أشبع ولم أشف. لم أشبع من حياتي الثانية بعد حياة الجبل، خاصة وأني أعرف كيف أستفيد منها في حين يفشل غيري. ولم أشف من عقدي اتجاه أصلي، أعرف أن كتابة الأمر جزء من الشفاء لكني ما زلت عند نقطة الخجل منه.
ما حدث لي حلم وحقيقة أيضا، لأني فعلا ركبت طائرة من هواري بومدين وعدت في طائرة إلى هواري بومدين، عدا ذلك ربما حلم ربما حقيقة.
المشكلة بين الحلم والحقيقة أنه كان هناك..
نعم التقيت بالأمير عمار أبو إبراهيم، والدي المزعوم. قال لي ناصر أنه نزل من الجبل منذ مدة وعاد إلى حياة المواطنة، لكني لم أتوقع أن ألقاه هناك. جلسنا إلى الطاولة نفسها، في مأدبة عشاء على شرف الباحثين والأدباء المشاركين في الملتقى من أحد المدعوين.
قال في حديثه أنه كان مارا في زيارة على هذا البلد، ثم تشرّف بهذه الدعوة الكريمة. كما هو لم يتغير فيه شيء رغم تغير هندامه، وجه عابس نظرات مائعة، وبرودة تحاول أن تشتعل بعبارات جميلة ومنقحة.
قبل الذهاب إلى طاولة الأكل. كنا في بهو القصر مع الضيوف وصاحب الدعوة، أنا كنت ملتصقة بالأستاذ، أينما حل، خاصة وأن الجميلات من كل حدب وصوب، تدخلن بفساتينهن الجميلة وأجسادهن الممشوقة عدا بعض الكاتبات الكبيرات، فبعضهن جمعت بين الأناقة والشيخوخة..
فجأة وجدت الأستاذ ينصرف مستأذنا ويتجه نحوه وهو يقف مع جماعة ومعهم صاحب الدعوة، سلم على ذلك الشخص الذي لم أنتبه إليه جيدا في المرة الأولى بحرارة شديدة، بقي هناك دقائق ثم عاد مع أحدهم وهما يكملان حديثا جانبيا.
ونحن في طريقنا نحو الطاولة التي عيّن فيها مكان جلوسنا، تمتم الأستاذ معلقا عكس ما رأيته يقوم به، قال:
-هل رأيت ذلك الجرذ؟
قلت: من؟
-مولانا الكبير، مفتي إحدى الجماعات الإرهابية في الجزائر في فترة الإرهاب.
ثم واصل دون أهمية كبيرة في باله:
-كان عليهم أن يخلّصوا عليهم، لكنهم كما ترين، معنا أينما ذهبنا، كم من كاتب ومثقف مات بفتوى منه، ناهيك عن الآخرين من أبناء بلدته، لكن الرئيس اختار لنا هذا المصير معهم. لوكنت مكان المواطنين الذين أخذ منهم أرواح أهاليهم لخلصت عليه برصاصة وانتهيت، أو بفخ مفاجئ عند أحد المنعرجات وكفى.
كدت أن أقول له: ولماذا ذهبت إليه بالأحضان إذن؟ لكني صمت كعادتي..
لم أكن أعلم أنه هو؛ لأني لم ألتقه وجها لوجه بعد، وعندما جلسنا إلى الطاولة التحق بنا هو وصاحب الدعوة إلى الطاولة نفسها، كنت أجلس إلى جانب الأستاذ، أما هو فقد جلس قبالتي مباشرة، ما إن رفعت عينيّ لأنظر إليه حتى صعقت: يا للهول إنه الأمير، صورته التي أخذتها طفولتي لم يمحها لا الوقت ولا الأضواء القوية لهذا القاعة الكبيرة، أما هو فلم يتعرف إليّ فلم نكن متقاربين، في الجبل رآني مرتين على أقل تقدير وسط جماعات من الأطفال ولم يهتم لأمري، ومستبعد أيضا أن يتعرف علي بإحساس الأبوة أو الدم كما يقولون، هذا يحدث في المسلسلات التي التحقت بخالتي زوينة وهي تتابعها مع عمي الحسين وتشرح له أين وصل الإحساس في الحلقة الماضية..
رأيته مرتين، مرة تقاطعت معه صدفة وهو يخرج من مضجع النسوة في استقباله لضيفة جديدة، ومرة عندما أتى بأدوية الجرب الذي أصابنا ذات شتاء عندما دخل مع ممرض ودواء، أتى بهما من المدينة بعد عناء طويل.
هذه الحسنة فعلها، لخوفه من تراكم الجثث عليه وعدم إيجاد مكان لدفنها، ومن سوء حظنا أن هجوم المرض أتى مع تضييق الحصار علينا واكتشاف الأمن للشبكة التي كانت تمولنا في البلدتين المجاورتين، فجاعت البطن ثم تفشى المرض بسرعة.
قبل أن يذهب الممرض ويشيعه أحدهم حتى الطريق الكبيرة، كان الأمير حينها قد أجرى معه صفقة، فهمتها بعد ذلك من توفر الأدوية المستمر.

******

في العشاء كانوا يتبادلون نظرات الرضى ودوام النعمة مع بعض. وعندما أنهينا توجهنا لشرب الشاي، فكان أن أتى عندنا صاحب الدعوة ومعه أبو إبراهيم، جلسنا في صالون، وقبل ذلك أشار لي الأستاذ بأن أرافقهم، وكأنه كان يعرف الموضوع.
قال صاحب الدعوة:
-إنه لمن سروري والله أن أجتمع في هذه الدعوة المتواضعة بأبناء الجزائر الطيبين. أي والله ما أسعدني بكما، الكاتب الكبير أحمد بن العربي وحضرة الشيخ الفاضل عمار أبو إبراهيم..
نطق أبو إبراهيم:
-لنا الشرف، أدامكم الله لخدمة الأمة ودينها، وصالح أعمالها..
رد صاحب الدعوة:
-لنا من الثقافة حب الثقافة الكثير أيضا يا أبا إبراهيم..
رد أبو إبراهيم:
-فعلا، فأنتم لا تتأخرون عن ذلك أبدا، للكتابة مهام نبيلة نقوم بها اتجاه أمتنا اليوم، أنا أيضا شاعر كما تعلمون، لولا سنوات الضياع التي أبعدتني عنه، لكن لي عودة إليه بإذنه تعالى..
رد صاحب الدعوة:
-الله يطولنا في عمرك وبركاتك يا شيخ..
ثم واصل:
-أستاذنا أحمد بن العربي من الأقلام الكبيرة في أمتنا الإسلامية العربية، ويجب أن تعثر على طريقها الذي يناسبها، فوالله دائما أقول هذا الأمر لزوجتي التي تقرأ كل أعمالك أيضا ومعجبة أيما إعجاب بما تكتب..
قال الأستاذ:
-شكرا لكم، الله يحفظكم، والله ممتن لك وللزوجة الكريمة. نحن نشتغل بما نقدر عليه فالكتابة موقف من الحياة جئنا لنؤديه.. ونتمنى أن نوفق..
رد صاحب الدعوة:
-ماذا أقول لك يا أستاذنا الكبير.. إن الشيخ عمار أبو إبراهيم من المخدوعين اللذين ورطوا في الانتماء إلى القتلة بالجزائر، لكنه والله من خيرة أبنائها وصفوة أئمتها، وكم يحزنني هذا الماضي الذي يلتصق به إكراها رغم محاولات رئيسكم أطال الله في عمره في الصلح بين أبناء شعبكم ..
رد الأستاذ:
-نعم، لقد وفرّ الرئيس كل الإمكانيات من أجل ذلك، لكن قلة الوعي لدى الناس بأهمية الأفراد الذين ورطوا إكراها كما قلت هي السبب، إسلامنا نظيف من القتل والله، وحضرة الشيخ كان محبا للحياة والدليل أنه شاعر أيضا.
نطق أبو إبراهيم:
-بوركت أستاذنا الفاضل.
أضاف صاحب الدعوة:
-أي والله يا أستاذ.. لذلك فيهمني كثيرا أن نسعى لإعادة وميضه إلى جمهوره الذي خسر البعض منه، أريد تبييض صفحته وأدبكم الرفيع في القيم الإنسانية الراقية خير وسيط لذلك. وأنت تعلم أن عملا كهذا تلزمه رواية مثلا عن حضرة الإمام، والشعر لن يكفيه.. وستجازى على ذلك بإذن الله تعالى. فالعمل ليس سهلا، كما أنه يأخذ من جهدكم ومن الآن سنوفر لكم ما يجب توفيره ..
قال الأستاذ:
-لا تقلقوا سأبدأ الكتابة من اليوم واعتبروها جاهزة بعد ستة أشهر.
ثم أضاف:
-أقدم لكم طالبتي المهتمة عائشة، هي من أذكى الطالبات وأكثرهن قراءة ومتابعة لكتاباتي. في البداية لم أكن أعرفها، تصوروا كانت تقرأ لي وهي لا تعلم أني أستاذ في الكلية نفسها التي تدرس بها لأنها مشغولة بمخالطة الكتب فقط، إلى أن جاءت صدفة حضورها لمحاضرة في الجامعة مع الأساتذة والطلبة فلما قرأت الإعلان تفاجأت وأتت للتعرف عليّ.
ابتسمت وهما ينظران إلي بعد أن كانا في البداية يختلسان النظر من صدري فقط، ثم علّق صاحب الدعوة قائلا:
-وليكن هذا الشباب المثقف والمتحمس واحد من المناضلين من أجل العمل على مصالحة الناس على بعضها البعض. أنا أثق في كفاءة ابنتنا هذه في الترويج للرواية في أوساط الشباب. ولها مكافأتها وزيادة.
******
بعد انتهاء السهرة عدنا إلى الفندق، لم أكن مرتاحة أبدا ليس من رؤية الأمير عمار فهو لم يحدث عندي، فقط تفاجأت برؤيته في المكان والزمان. ما أزعجني هو هذا العالم الذي شعرت بنفسي قزمة معه، لم أجد نفسي على كل المستويات وأهمها أنوثتي، ما كان ليترك تلك النسوة الجميلات الأنيقات دون عملية لحس للكلمات التي تتلفظنها بالأذن والعين.. لم يكن يعيرني أي اهتمام.
عندما صعدنا غرفنا لم أصبر دقيقة واحدة بغرفتي، غلياني جعلني أهجم عليه
قال:
-هه. مابها أميرتي الحلوة؟
-لالا.. لاحلوة لا والو.. أنت حقّار كي لقيت لالاتك نسيتني، واش ثاني بالاك ماتعرفنيش مرة وحدة.
-كيفاش مانعرفكش يا عيشوشتي الجميلة؟ هل جننت يا قلبي؟ اخترتك دونا عن الجميع لتكوني المشرفة إعلاميا على روايتي الجديدة وأمام السيّد الذي سيقوم بدعم المشروع من ماله، قدمتك له ولن نتراجع أبدا، ولو أن الأمر غير متعلق بالمادة أبدا. لكن كما رأيت، هو سيوفر لك كل ما يلزم من مصاريف لتقوم بعملك وأنت مرتاحة.. فلا داعي يا عمري لهذا الكلام الحزين الذي لا ينفعك ولا ينفعني في شيء.
نظر إلى صمتي المشوب ببعض الرضى، ثم انطلق يدندن لي موال “قل للمليحة” من لحن صباح فخري الذي كان يغنيه لي دوما ونحن في السيارة:
-لكني لست بخمار أسود اليوم.. بل دائما بالأحمر الذي اعتقدت أنه يعجبك أكثر، هل نسيت ماضيك مع الأحمر؟
-لا يهم أسود .. أحمر، المهم أنك مليحة.
-وماذا عن هذا العمل الإعلامي الآن؟ لا أجيده ولم يسبق لي العمل في الأمر.
-يا عمري، الأمر سهل جدا المهم رغبتك وأنا لا أشك فيها، رغبتك في نجاح العمل. الاشتغال على الأمر صار سهلا اليوم، التكنولوجيا وفرت ذلك.. صفحات تواصل اجتماعي توفر متابعين بالآلاف، التواصل مع الإعلام المكتوب والمسموع والبصري لعرض العمل وغيرها وغيرها.. كل شيء سيأتي في وقته، الأمور سهلة، تحتاج إلى اهتمام منك فقط.
-طيب.. العمل على صفحات التواصل الاجتماعي سهل جدا، يمكنني ذلك من البيت ومن الهاتف ومن أي مكان.. أنا اعتقدت أنه إعلام من نوع آخر لما فهمت أنه سيوفر مبلغا كبيرا لذلك..
-لايهم هو يوفر ونحن نعمل بحسب الموجود والأسهل والأنجع.. وحلاوتك تستاهل كنوز الدنيا يا عمري..
رضيت، دخلت إلى حمام غرفته فتحت حنفية الماء قبل أن أتبول حتى لا يسمع شرشرة بولي الغزير التي نبهني إليها ناصر، عندما أدخل حمامه فيصيح من أمام شرفة الصالون:
-ياو افتحي العين باش ما نسمعش التشرشير هاذا، بعبصتيلي مزاجي على الصباح..
عندما عدت للأستاذ بعد أن أكملت توضيب نفسي، سمعت شخيره عند فتح باب الحمام، فانتكست.. سمع خطواتي المدوية التي افتعلتها من الغضب فنهض مبتسما..
-تعالي إليّ يا عمري..
رغم كل ما أوصف به من غابية، ورغم استهزاء الناس من ذوقي، إلا أنني لم أتحمل يوما أن أكمل نومي معه، أعمل أية حجة وأذهب إلى النوم في غرفة مجاورة أو في غرفتي إذا كنا في فندق.. وشعرت به يريد ذلك هو أيضا، مرة بحجة التحسب لأي طارئ عندما نكون في فنادق الجزائر، ومرة بحجة استيقاظه المبكر حتى لا يزعجني.. لكني فهمت أنه يعي الأشياء التي تحدث له أثناء نومه..
عدت إلى غرفتي، ألقيت ملابسي على كل مكان ثم شرعت في نومة عميقة حتى الصباح لكي أحضر حقيبة العودة إلى الجزائر..
في الصباح ونحن في بهو الفندق بعد قهوتنا أتاه موظف الاستقبال في الفندق ليخبره عن قدوم شخص له موعد معه، أعطاه اسم امرأة، نهض بلهفة كبيرة رأيت فيها حركة رياضي على جسد دخلته الشيخوخة مبكرا، بالكاد استدار إلي ليقول لي سأعود حالا.. انتظريني هنا..
فهمت مباشرة وعبرت عن ذلك بحركات ملامحي التي لا تؤجل بل أصرح بها في وقتها. لم يكن له وقت ليعبرها.. انصرف وبقيت آكل بعضي هناك.. غيابه دام أكثر من ساعة.
وأنا أنتظر أتاني اتصاله على المسنجر قال لي اصعدي لنحضر أنفسنا للسفر. كنت سأقول له كيف ذهبت للغرفة دون أن تمر علي؟ لكني أجلتها لأفهمها معه.
دخلت غرفته قبل أن أذهب لتحضير حقيبتي وجدت ساعة رجالية من ذهب أخرجت من علبة كانت مغلفة بورق الهدايا ذهبت لتلمسها، واضح أنها باهضة الثمن، قال لي هي هدية من الناس الطيبين، نظرت مع الفراش فإذا به منفوش رغم أن الغرفة تبدو مرتبة وقت نزولنا. قلت له:
-واش هذا؟
-كاين الخير فقط ماعداه هو شر سيدنا أبا إبراهيم ههه
-ومابه الأمير عمار؟ ألم تتفق مع السيد على كتابة رواية لتبييض صفحته السوداء؟
-نعمممممممممممم وهل في ذلك شك؟ يا عظيمة حبيبك.. توكلي يا حلوتي ودعينا نذهب لأبدأ في الكتابة. الستة أشهر ستمر بسرعة.
نظرت فيه ثم انصرفت نحو غرفتي لأحضر حقيبتي.
كانت السيارة تنتظرنا نحو المطار.

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

21761787_10212603199048297_570853680561478812_n

ما علق بالخاطر بعد قراءة رواية الأستاذة / هند الأوراس.

بقلم/ السعيد مرابطي . استقراء مكنون النفس البشرية يبتدئ عند تلك الحروف المتوهجة ولا ينتهي ...