الرئيسية / أخبار الرواية / فصل من رواية : كابيلا / خولة حواسنية .
21905477_1859685947680120_1739147092_n

فصل من رواية : كابيلا / خولة حواسنية .

 
21192754_1850418108606904_3551581083387443435_nفردت خصالا ذهبية طويلة على كتفيها، ولم يكن أمامها سوى الاستنجاد بمستحضرات ملونة تخفي بها دخان الغيوم الرمادية التي تراكمت تحت عيونها، أما قلم الحمرة العنابي، فقد تشبث بأناملها وعانق شفاهها تاركا اثر حياة عليها، كان عليها أن ترسم لوحة حياة كاذبة على وجهها، و تكسو جسدها بأناقة باذخة و توشحه بدانتيل أسود، من حسن حظنا توفر مواد التجميل التي نخفي بها عاهات الذاكرة، وندوبها على وجوهنا، أرادت أن ترصع عنقها بلآلئ بيضاء ناصعة كأنها حبات الأمل الوحيدة التي تخرجها في أهم أيامها و تتزين بها، لكن الحبل الرقيق الذي يربط بين الأمل و الأمل، و الحبة و الحبة، و اللؤلؤة و اللؤلؤة، كان هشا جدا، فتمزق، و تمزق معه حبل أفكارها و تناثر اللؤلؤ في كل زاوية، فهمت كالكفيفة تتحسس آمالها و تبحث عنها إلى أن شعرت بالملل بدل اليأس و تركت لآلئها تتبعثر، وحيدة تنزوي في غرفتها، و توجهت هي إلى المسرح …و اكتفيت أنا بمراقبتها و النظر إلى اللؤلؤ المتناثر المشتت على الأرض…شيء قوي منعني من أن أنحني لمساعدتها في جمعه …وهي لم تكترث لذلك كأن كل واحدة منا كانت وحيدة في عالمها …شعرت بها شاردة، ضائعة، وعصية، عصية على أشياء كثيرة بقدر ما هي هشة ولينة. أتى سيف و يوسف لاصطحابي إلى الصالة أين يجتمع حشد غفير …جلسنا على كراسي اكتست بلون عنابي كما تكتسي العرائس في القديم …ظللنا نراقبها من بعيد، أسندت ظهرها إلى الكرسي و عانقت بفخذيها المتشحان بالسواد،التشيلو الكبير،كعناق بين حزن و أسى بحذو كعب عال اسود مثلهما انطفأت الأنوار… ضوء أصفر ضئيل، سلطت بقعته و توسعت شيئا فشيئا على الفرقة… أشار الأوركسترا … صاح التشيلو، فرت دموع الجازية ونزل كحل عينيها على وجهها اجتمع صراخ العالم وصراخها في سمفونية تعلو كلما ذبحت أوتار الكمان والقيثار و التشيلو، و أصابع تدب على أصابع بيانو وتدوس عليها فيبكي أنينا … تركت للآلئها وراءها فهي الآن ليست على يقين كبير أن جنون الأصوات هذا قريبا سينتهي، لكن بالفعل توقف كل صوت، و خيّم على القاعة صمت ينخر الآذان بعد صخب… ينخرها… فالصمت هو درجة قصوى لصراخ حاد تحت صوتي لمخلوقات لا نراها ولا نشمها ولا نلمسها كما هو درجة هدوء، أبعد عن الراحة ليزرع الريبة وأبعد عن الريبة ليزرع الراحة، فيتوقف مؤشره بين البينين … لكن صوت تصفيق يوسف، كان كالنور أبعد عن الجمال، وكأمل كبير بعيد عن كل اللآلئ ابتسمت له ثم انحنت وأسدل الستار … – موهوبة…لازالت على عهدها لم تتغير … ردد يوسف هذه الجملة بصوت يملؤه الحنين -قصة واضحة دون أن تحكى …فلم أشأ أن أسترسل وأسأل سيف عنهما …اكتفيت بمراقبة المارة رفقة يوسف، منتظرة عودة سيف من الكواليس…يمر بي وجهان مألوفان…بل وجهين لا يمكن نسيانهما…الطلياني وصفوة!انتفضت من مكاني دون وعي … -توقفي …توقفي – -توقفي ! لا تتسرعي …أتينا لأجل هذا اليوم… – ماالذي تقصده… -اهدئي …ستجلسين مع صفوة والجازية في مقهى قريب …صدقيني سترتاحين، ثقي بي. كلام سيف مبهم وغريب …لكنني انسقت وراء فضولي ودهشتي و عبارة “ثقي بي ” ما الذي جمع سيف بصفوة …والطلياني …أمسك يدي ..شبك أصابعه بأصابعي …تسارعت دقات قلبي …. -اهدئي… سحبت يدي برفق “أخشى أنه حلم…حلم حقيقي جدا ” -حقيقة …مثلك تمنيت لو كانت حلما…(قال سيف في نفسه) اصطحبني سيف رفقة يوسف إلى المقهى المجاور …الجازية وصفوة مستغرقتين في الحديث وبمجرد أن انتبهت لي الجازية، انسحبت وانتقلت إلى طاولة أخرى، ثم لحق يوسف بها تقدمت شيئا فشيئا من صفوة… -أين الطلياني !؟ من الواضح أنك سرعان ما وجدت بديلا عن أخي …لم يدر الحول بعد !! زمت شفاهها … – مساء الخير …مر وقت طويل -ارتشفت من فنجانها-… أمين هو خطيبي الآن… -أنت …وقحة…هذه حياتك، أنت حرة بها، لكن ما الذي فعله أخي معك كي يستحق قلة الوفاء…تدركين جيدا أن أمين كان سببا في مقتله… -أجل لكنه لم يقتله…لن أعتب عليك ميسون، فقد اتضح لي أنك وعفاف لستما على علم بشيء مما حدث معي… بقيت أتطلع على شكل خاتم خطبتها من الطلياني …تذكرت يوم خطبتها من أخي، كان سعيدا جدا …سعيدا جدا…. – وما الذي حدث ؟! ما الذي لا أعرفه؟ -اجلسي…اجلسي … -موسى …كاترينة …حتى أمين كلهم أجرموا بحق حياتي …جميعهم أجرموا بحقي، أشعلت سيجارة قبلتها وطبعت عليها أحمر شفاهها، (ثم أطلقت سحابة مثقلة برائحة التبغ وعطرها الصارخ). كانا صديقين حميمين …لم أنتقل بعد حينها إلى مدرسة الموسيقى في الجزائر… أمضينا معا وقتا احتضنتنا فيه سماء سيدي بوسعيد و بحرها برغم كل الظروف السيئة …الظروف السيئة كانت قد نالت مني و أمين فقط ..موسى كان ميسور الحال طالبا مجتهدا كان نقيا جدا …ثم تغير … وتغير كثيرا …لما تغيرت نظراتي لأمين …لم يمنعني شيء من أن أعلن ما أصبحت أكنّه فجأة لأمين. في يوم كنا نجلس فيه على الشط …ندخن معا …ما أعلنته كان حقيقيا جدا، ولاشك في أن موسى تساءل كثيرا ما الذي وجدته في أمين ولم أجده فيه؟ لم يكن بإمكاني التحديد، ليكون بوسعي تقديم إجابة شافية، فلم تكن المشاعر يوما ملك أحد فهي سيدة نفسها، تتحكم بنفسها و لا أحد بإمكانه التحكم فيها تأتي متى تشاء و ترحل متى تشاء…لكن شخصا مثل موسى إذا أراد تحكم فيما شاء بما شاء وكيفما شاء …أتذكرين سعاد ؟! -أخت الطلياني –رحمها الله- -حتى سعاد المسكينة …راحت ضحية جنون أخيك و صمت أمك …كاترينة التي تخرس صوتها كلما ارتكب أخاك عملا فضيعا …رحمها الله …في الفترة التي كنت أتواعد فيها أنا وأمين…انسحب موسى وقل تواصله بنا …ثم اكتشفت أنه يواعد سعاد. -سعاد!! سعاد…أخت خطيبي أمين الوحيدة، و كل ما بقي له بعد وفاة والديه، (أخذت تتلاعب بخاتم خطبتها و تقوم بلفه على بنصرها)، تعلقت بموسى ونجح في إقناعها في أنه لن يتخلى عنها أبدا …جعلها تقتنع بطريقة ما، كان يمكن لرجل مثله أن يصنع لها جنة على وجه الأرض…كانت تظل تردد على مسامعي اختارني من بين كل النساء …كما أنه أومأ بالإيجاب لما سألته إن كنت سأكون أم أولاده مستقبلا …أم أولاده هه !! خشيت أن أخبر أمين عن تلك العلاقة بين موسى و أخته …علاقة لم أرتح لها أبدا كنت أدري بطريقة ما، أن موسى كان يخطط لشيء…أدركت أنه مقتنع تماما أن أمين قد خطف منه حبيبته فأراد أن ينتقم ربما، لم يسمح أمين لنفسه أن يشكك بنظرات صديق عمره …صديقه الذي لا يحب أن تسرق منه الأضواء،ليصبح هذا شيئا مرضيا خطيرا يقوم به دون أن يأبه لسيرورة حياة الغير …على حسابي و على حساب أمين و سعاد وحتى على حسابك أنت و عفاف و أمي كاترينة، أراد أن يكون الرقم واحد …بهي الطلة متأنقا بشهادة عليا و حبيبة كما يريد …يرسم مخططاته بدقة ثم يبني أحلامه و لابأس في تدمير أحلام الغير إذا اقتضت الضرورة ورغبته …فالغاية بالنسبة لموسى تبرر الوسيلة… لكن القدر فاجأه بما لم يكن في الحسبان… حملت سعاد منه …أرادت حقا أن تكون أم ابنه …لكنها فوجئت برده، صعقت برفضه لها، كأي إنسان حقير نعتها بالزانية وشكك في نسب الخطيئة التي حملتها بين أحشائها، خطيئة كبرى ….وكما أخبرتك لطالما كانت المشاعر سيدة نفسها، يصعب التحكم فيها …وقعت سعاد ضحية لغبائها كما كانت تقول، وضحية لأنانية موسى …أتدرين ؟!…لم يكن لها أحد تلجأ إليه سواي فلم أجد حلا سوى التكلم مع كاترينة. لأن موسى استنكر و رفض النقاش معي في هذا الأمر …توجهنا ذلك المساء إلى أمي كاترينة …توقعت قلبا حنونا سيقف في صف سعاد لتتخطى مصيبتها …هي تعرفها جيدا، وتوقعت أن تجبر موسى على تحمل ذنبه في حق المسكينة …أمك مالطية و تخيلت أنها ستكون أكثر انفتاحا و موضوعية، لكن ما حدث ذلك المساء خالف كل توقعاتي وقفت كاترينة من مكانها …أشارت إلى الباب …ثم طردتنا …طردتنا !! قائلة اذهبا انظرا من أين أتيتما بهذا الحرام، ولا تحاولا إلصاق التهم بابني موسى هو بريء من تهمتكما.  أذكر أن سعاد قاطعتها قبل أن تتم جملتها: أهو ملاك ؟!! بل شيطان في ثوب ملاك …لكن الله سينتقم لي… تذكري و ذكري الشيطان الذي خرج من رحمك بهذا، لم يبق لسعاد حل آخر و ما كانت لتجرؤ و تخبر أمين بما حل بها، فاختارت الانتحار…اختارت نهايتها وصنعت بحجم حب كبير قدمته للشخص الخطأ، حبلا طويلا لفته على شجرة الليمون وسط البيت …ولفت آخره على عنقها ثم تأرجحت كما تأرجح كل ما حلمت به بين الخيبة و الندم و الظلم …كل هذا الوزر حملته سعاد معها و رحلت …وهكذا لم يبق لأمين أحد، لم أستطع إخفاء القصة عنه أكثر من ذلك… و لما أخبرته حملني ذنب كل ما حدث و قطع علاقته بي …لم أدر أن كاترينة كانت قاسية القلب أو ربما لا يمكنني الحكم فحبها لابنها كان أكبر من كل شيء لتتبعه إلى الجحيم لو أراد ذلك …أنبت نفسي أياما طويلة ليتني لم أصحبها إلى كاترينة فلولا هذا ما حصل كل ما حصل…لكنني في الأخير أحاول إقناع نفسي أن ماحدث هو قدرها الذي لا مفر منه… -تكسرت السيجارة وسط المطفأة- أرجح أن كاترينة خشيت أن تخبركما بهذا، لأن الشعور بالذنب يلتف حول رقبتها كالحبل الذي التف حول رقبة سعاد…لابد أن صراخي وأنيني لازال يتردد في كوابيسها … – أرجوك يا صفوة توقفي …لا أريد الاستماع …-باكية- -بل ستسمعين …يكفيكم تظاهرا بالمثالية، يكفيكم محاولة إقناع أنفسكم والناس بأنكم أنصاف بشر وأنصاف ملائكة يكفي هذا.أمين الطلياني لم يفعل شيئا لموسى …لكن موسى فعل الكثير و استكثر علينا أن نعيش سعيدين معا، و بأبشع الطرق قام بتخريب حياتنا …حتى أنه استغل مرض أمي وحاجتي الماسة للمال، فساوم مساعدته لي في تغطية تكاليف عمليتها بقبول عرضه للزواج بي. -تشعل سيجارة أخر ى- وافقت فلم أكن أملك عملا أو مصدر رزق قد أستخدمه كضمان لأخذ قرض من البنك …لكنني استغليت الوضع واشترطت عليه أن أنتقل إلى الجزائر وأواصل تعليمي بالمعهد العالي للموسيقى.وطلبت أن يغطي كل مصاريفي هناك أين تعرفت على الجازية. وافق على الفور، وأجريت العملية لأمي …لم تكمل شهرا بعدها ثم توفيت …وكما قال ألباتشينو (حتى إذا تناولت طعاما صحيا، ومارست الرياضة بانتظام، وامتنعت عن التدخين، فستموت بصحة جيدة)الموت مقدر، أمي كانت ستموت سواء إن بعت نفسي لموسى أم لا…كجارية في سوق النخاسة وجدت نفسي أمة بين يديه … حزن أمين لأجلي و شعر أنه المذنب في كل ما حل بي …تماما كما حزنت و اعتقدت أنني السبب في كل ما حل به …أنا من جعله يتمخض و يلد الطلياني الذي في جوفه، فيحيد عن الطريق المعبدة، لينتهج طرق الشعاب الوعرة لعله أدرك أنني رحت ضحية حرب لا سبب واضح لها بينه و بين موسى و الظروف أقحمتني غصبا عني فيها …لا تعتقدي أن حياة المافيا سهلة عليه، ليست سهلة –تنفث غيمة دخان ضبابية مرة أخر ى- ليس من السهل أن تحولي كل من يحيطون بك إلى أعداء …وكل من يفعل لا شك في أنه فعل ذلك انتقاما.إن لم يكن من فرد معين بذاته فهو من المجتمع، أو ربما من نفسه التي خانته يوما ما وخذلته بضعفها وقلة حيلتها في أسوأ الظروف… أمام الفقر وقلة الحيلة… أذكر أنه اتصل بي بعد كل ذلك …طلب مقابلتي ودون وعي وافقت، احتجت حقا لمقابلته …كنت في حاجة إلى عطف حقيقي منه ولم أكن أكترث حقا وأهتم لمنبع ذلك العطف، إن كان أمين أو الطلياني …لا يهم!! تقابلنا و أقنعني أن أفك أسري و أنفصل عن موسى، مادامت التي قمت برهن حياتي لأجلها قد عادت إلى بارئها فما فائدة أن أواصل دور جارية في سوق النخاسة ..هكذا كان يرددها أمين …أخبرني أني لم أفارق قلبه يوما …ثم رفع راحة يده ووضعها على صدره قائلا:إن هذا هو المكان الذي يجدر أن أكون فيه…كان محقا ذلك هو المكان الذي يجدر أن أكون فيه، ذلك هو المكان الذي أشتهي أن أنزوي داخله كلما ظلمتني الظروف، ذلك هو المكان الذي اعتبرته مسكني منذ كنت طائشة مراهقة …وظننت أنه حان الوقت لأعود إلى بيتي ووطني …طلبت منه أن يتريث ويدعني أفاتح موسى في الموضوع أولا، وانصاع لإرادتي تاركا إياي على راحتي. -تطفئ سيجارتها وتضغط عليها مطولا داخل المطفأة…تنسل بضع عبرات من جفونها-لم أملك كثيرا من الصبر فتوجهت إلى بيتكم سريعا، فتحت كاترينة الباب …وجدت أخاك كعادته يجلس قرب النافورة، حاملا كتاب قانو ن بين يديه،لطالما ساعدته قراءة تلك الكتب على استغلال ثغرات القانون والسفسطة وتحويل الضحية إلى مجرم والمجرم إلى بريء…وبكل فخر يأتي ويروي لي بطولاته في التحايل وإنقاذ مجرم من قبضة القانون… رحب بي بلطف و طلب مني الجلوس قربه …خفت كثيرا من غضبه، و من ردة فعله و من إيقاظ شيء فظيع يتلبسه…بقيت أقلب وجهي بين أركان الدار أتأمل زهور الإيريس، التي تقدسها كاترينة و تعتني بها جيدا، اقترب مني و أمسك ذقني وثبت وجهي قبالة وجهه ثم نظر إلى عيني مباشرة و سألني:ما بك؟ كانت تلك النظرة كفيلة لتجعلني أرى وهج عيون ذلك الوحش، وربما قد تمكن من شم عطر رجالي آخر لا يشبه عطره، لكنه يعرفه جيدا …استجمعت قواي داخلي و تذكرت كلام أمين و اعتقدت أنه من اللازم أن أحسم الأمر الآن بالذات …استفرغت كل شيء مباشرة في وجهه، أفلت ذقني ثم لطمني بعنف …أتت كاترينة مسرعة على وقع صرختي و صوت الصفعة، انتفض من مكانه و جرني إلى غرفته، غاضبا ناقما …لم أتمكن من الانفلات من بين يديه أدركت حينها أنه ما كان يجب أن أخبره بالأمر، كما أدركت أن مكروها سيحل بي نلت نصيبي من الضرب و السب، ولم تفعل كاترينة شيئا حينها أمام صياحي و استجدائي للنجدة سوى ضربات متتالية على الباب و توسلات يائسة لابنها …هدأ فجأة …حاولت التملص منه …زحفا إلى الباب المغلّق علينا …وقف ومشى متثاقل الخطى منهكا من ضربي و لكمي و ركلي وشتمي… شدني إليه، وردد:ستكونين له يا فاجرة…ولكنك لي قبل كل ذلك.

 

 

لن أخوض أكثر يا ميسون ولعلك فهمت فعلة أخيك الشنيعة بي، أفهمت؟ أم أنك تخشين أن يكون الذي ببالك صحيحا؟ سأفهمك إذن! تمادى وقام بالاعتداء علي وضع راحة يده على فمي …متجاهلا وجود أمه على عتبة الباب وسمح لوحشه البشري بالتمادي أكثر _تسحب نفسا عميقا _لم أخرج من بيتكم إلا على حمالة إسعاف …ربما هذا ما كان بمقدور كاترينة القيام، الاتصال بالإسعاف…هل اقتنعت الآن وفهمت من الأجدر بلقب الطلياني؟ هل تكفيك كل هذه القصص لتتجاوزي خطيئة أنني لم أقدم لكم عزاء في موت أخيكم موسى –بنبرة غاضبة-أو خطيئة ارتباطي بالطلياني؟ هل حقا واجب عليّ أن أحتفظ بحقيقة موسى كي لا أشوه سيرته و قد قضى نحبه؟أهو حقا واجب كما تعتقد كاترينة، أم أنه جميل مني …كي أحفظ ماء وجهه، أمام أختيه و أنا أعلم بل متيقنة في قرارة نفسي أن موسى لا يستحق كل هذا المجد …نذل، حقير، متكبر، مغرور هذا الموسى …هكذا هو مجرد من أناقته و ماله وديبلومه و مثاليته وأصوله الهجينة …تبا لكل هذه الأشياء التي بإمكانها أن تداري روحه المدخنة المغبرة ودناءته، فلا يستطيع الإنسان منا جزم هوية هذا الكيان الحقيقية إن كانت خيرا أم شرا …تبا لكاترينة التي دافعت عن كل هذا… -ترتشف من كوب الكابوتشينو-أفهمت الآن؟ يحق لي أن أعيش مع الشخص الذي أريد وأختار دون أن يحاسبني أحد… تقاذفتني الأفكار والصدمة تلو الصدمة والتساؤلات وهي لازالت تسرد على مسامعي وقائع احترت كيف لم أستشعر حدوثها …أين كنت؟ أ هي تكلمني حقا عن عائلتي؟ أم أنه كابوس عابر من الواضح أنه ليس كابوسا فكل شيء هنا يبدو واقعيا …تكذب، إذن أهي تكذب ولم قد تفعل؟ -لم لم تقدمي شكوى في المحكمة؟ -سحبت نفسا عميقا من سيجارتها، حتى برزت عظمتي وجنتيها المرتفعتين كأنها تتأكد إن كانت قد امتصت جميع الأرواح التي سكنت تلك السيجارة لتنفثها أخيرا لتتبدد مع الهواء- لم يترك لي القدر وقتا لذلك-ضحكة مستهزئة- آآآه من سخرية القدر، أخذ الموت موسى، في اليوم التالي من الحادثة…لما علم أمين أنني بالمشفى جن جنونه، أتى للاطمئنان علّي …كان ثائرا من الغضب، ترجيته، واستحلفته ألا يفعل شيئا متهورا إلى أن يحين موعد خروجي…لم أخبره بالفصل الأكثر قذارة من حادثتي مع موسى!! لم أجرؤ كأنني أحمل عارا لم أكن المذنبة فيه …كانت القطرة التي أفاضت الكأس بالنسبة لأمين، لم يجد سبيلا لاستفزاز موسى والثأر منه والانتقام لعرضه الذي قام بتدنيسه أفضل من عائلته وأخواته البنات، لم ينس أمين يوما ما ألحقه موسى به من أذى، وما ألحقه بسعاد، فقام باختيار عفاف عشوائيا ورغم أنه طلب خطبتها فقط! محاولا بذلك كسر شوكة موسى، أظن أن ضميره ألح عليه أن عفاف لم يكن لها ذنب في كل هذه الدوامة…قام أمين بضرب عفاف انتقاما لي يومها و لابد أنه كان في قمة غضبه …أعترف أنني لطالما كنت السبب في كل شيء …دون رغبة مني في ذلك، لم يدافع عنها أهل الحومة فموسى كان بارونا في ثوب محام.ظالما في ثوب مدافع عن الحقوق، مسفسط لا يفهم الحق معه من الباطل …لكن أهل الحومة عرفوه جيدا مجردا من مثاليته، كان مريعا جدا كمسخ! كمغني طلب منه أن يغني أكابيلا دون مثاليات الموسيقى …كان بالنسبة لهم واضحا جدا لدرجة أنهم لم يحملوا أنفسهم عناء الدفاع عنه، أو عن أخته أو أي شيء يخصه حينها…!! والآن أ لازلت تظنين أنه لا يستحق الموت ؟! الطلياني لم يكتف بموته فظل يلاحقكم و يحاول الضغط على نفسية كاترينا و ضميرها …و موسى لم يكتف بموته و ظل يلاحقني في كوابيسي و أحلام اليقظة …شاحب اللون مغبر البنطال و القميص …دامي الصدر، رغم أنه كان يبدو ضبابيا إلا أن تقطيبة الغضب كانت واضحة على وجهه مخيفة ومهددة …حتى موته لم يمنعه من إقلاق راحتي بعد أن جمعني القدر بأمين مرة ثانية …هذا كل ما لدي!! …أمين ينتظرني بالخارج، على فكرة كان سيخبرك بكل شيء بنفسه، وكان يرغب في الاعتذار من عفاف بعد أن هدأت نفسه أخيرا، وبعد أن قررنا قلب الصفحة ومغادرة تونس-مطت شفاهها-لكنكم غادرتم بلا سابق أنذرا! …العالم صغير جدا، جمعنا مرة أخرى وقدر أن تسمعي اعتذار الطلياني مني أنا …كما أنني أعتذر نيابة عن كل هذه الظروف !! وضعت فنجان الكابوتشينو برفق …تنهدت بعمق، كأنها الآن فقط نفضت حقيقة أخي موسى من على عاتقها، وتخلصت من بوتقة الندم التي كانت تجثم على صدرها، بعد أن حملتها أنا على أكتافي، حملت حقيبته يدها، عدلت ياقة قميصها، زمت شفاهها و قطبت جبينها و غمرتني بنظرة شفقة و سخرية معا! رفعت راحة يدها فرقت أصابعها البيضاء النحيلة ثم حركتها كإشارة وداع …وقفت و بخطى ثابتة مرت على طاولة الجازية و يوسف ودعتهما ثم تلاشت وراء باب المقهى الزجاجي…فجأة… تملكني الخواء، كأن الحقائق الجميلة و السيئة معا اتفقت أن تفارق عقلي ليبقى مترنحا بين اللاشيء والشيء…سوى جملة واحدة عالقة بعد حديثها الطويل كمغني طلب منه أداء أكابيلا دون مثاليات الموسيقى، كأنها أعادت صياغة الجملة المكتوبة على ذلك الملصق الكبير -أكابيلا صوت عار حزين مخيف تملؤه حشرجة الزيف- لا شك في أنها الحقيقة الوحيدة التي تصف كل ما آلت إليه حياتي، أم و أخ لطالما كانا مثاليين… -أتسمحين؟ -وقف سيف أمام الطاولة- – تفضل! -لا تلومي كاترينا و لا تلومي موسى و لا نفسك ولا أي إنسان على وجه الأرض، لا أحد منا اختار حياته و محيطه، و كل من أخطأ بحق الناس فقد أخطأ بحق نفسه أولا، وسيأتي ذلك اليوم الذي سيتحمل فيه نتيجة أخطائه عاجلا أم آجلا، موسى نال نصيبه من العقاب، و كاترينة دفعت ثمن سكوتها و فقدت ابنها …ولابد أنها لازلت تتعذب يوما بعد يوم و لا يوجد عذابكعذاب الضمير… – وما الذي يفترض أن أفعله بعد سماع كل هذا؟ -أن تريحي نفسك من التفكير والتساؤلات …ولا بأس إن تركت مجالا لدموعك الحبيسة. – لا أجد وصفا دقيقا لأخبرك ما الذي أشعر به في داخلي. – مرآة نظيفة براقة صافية…وفجأة امتلأت بالرضوض و التشققات… – هو كذلك حقا… -نذهب؟ – أجل نذهب.

 

 

على الطاولة المقابلة وسط دخان السجائر، يدندنان معا أغنية من أغنيات المقهى العابرة: -(قولوا لشهلة العياني لي غرامها بكاني ….الولف كيف ساهل والفراق ماقدرت عنو…الولف كيف ساهل والفراق ماقدرت عنو….) يضحكان بجنون …يبدو أن أمر الزمان و المكان قد اختلط عليهما فضاعا بين دوائر دوامة عادت بهما ثماني سنوات إلى الخلف، هذا أول لقاء جمعهما على مسافة قريبة جدا لا يفصلهما إلا طاولة، و كوبين من عصير التوت الطبيعي ومطفأة سجائر و كوبا زجاجيا طويلا يحوي القليل من الماء تنام على حافته ياسمينة… -متى كانت آخر مرة كنا فيها بهذا القرب؟ توقفت الجازية عن الضحك لما أتى سؤال يوسف ليعود بها إلى تلك النقطة، أين فقدت كل أسباب محتملة لتتشبث بالحياة، لا يجب أن نكون موتى كي لا نكون أحياء قد نعيش زمنا طويلا بقلب خاو فنحتسب أمواتا …آخر مرة جمعتهم على بعد بضع أمتار لما نزلت تجر فستانا أبيضا من سيارة BMW، تساق إلى رجل يشبهها في عرقها وثقافتها لكنه لا يشبه يوسف …. – منذ ثماني سنوات …مضى وقت طويل أليس كذلك؟! -لا أرى أي خاتم على أصابعك …لم تتركينها عارية ؟! – تركت زوجي منذ شهر …لكننا لم نبدأ في إجراءات الطلاق بعد! -أه …ولم؟ – زير، سكير، مقامر، أ لا يكفي كل هذا ؟! -بلى يكفي وربما يزيد عن حده …هه يا للسخرية – هه…سخرية القدر أليس كذلك؟ دعنا من كل هذا واتركني أستمتع بهذه الدقائق، لعل الحياة لن تلين لأجلي مجددا!! عادا لإتمام حديث بقي معلقا منذ زمن، بقيت الكلمات كما هي ولم يغيرها الوقت، بقيت المشاعر كما هي و لم تكتسب تجاعيد الكهولة بعد، لعله أول لقاء لهما على صفحة بيضاء لحياة جديدة قد تجمعهما معا مجددا …كل شيء جائز من يدري ؟!

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

21905682_1427419454044828_1495659152_n

فصل من رواية : مجرد / يوسف ميمون

برمدته ! استيقظت توا من نومي , إذا حان وقت الخروج , شحت بنظري كالعادة ...