الرئيسية / أخبار الرواية / فصل من رواية : للذاكرة جرح ينزف / كامل بلال
20992972_863849983773709_3130538212238917681_n

فصل من رواية : للذاكرة جرح ينزف / كامل بلال

20992972_863849983773709_3130538212238917681_n

الفصل الأول:
افترقنا إذن…
افترقنا، وكان لفراقنا مذاق المرارة التي تلي كلّ فنجان قهوة مُرّة أرتشفه، وعبق السّجائر التي يحتقن دخانها في رئتي، فيسدّ كلّ منفذ للهواء النقي.
افترقنا إذن…
وللسّنة العشرين، وصار فراقنا كالموت الذي يزورني كلّ مرّة، ويأبى إلاّ أن يتركني حطامًا على شاطئ الوحدة، غريبًا، يتيمًا، نصف ميّت، وكأنّه يتلذّذ بتذكيري بيتمي وقتلي من الداخل، قتلاً على أقساط.
يتيمًا مرّة أخرى، يتيمًا للمرّة العشرين، وغريبًا في وطن وحده دون الأوطان يرضى أن يموت أبناؤه قهرًا، بعدما عاشوا غرباء في حضرته.
لا أدري من قال أنّ الغربة في المنفى. لم أكن في المنفى، ورغم ذلك كنت غريبًا، وكنت أعي حجم غربتي.
لا أدري متى بدأ هذا الشّعور يتغذّى بداخلي وينمو شيئًا فشيئا، كان الجوع إلى العاطفة والحنان يستبدّ بي ويمزقني من الداخل، وإذا بي جوعًا بعد آخر، أدرك أنّ غربتي لا علاقة لها بالمكان، هي هنا في أعماقي، في تلك الفجوة الغائرة التي خلّفتها العشرون سنة الماضية.
كقطار تاه عن سكّته، مضت تلك السّنوات كما يمضي العمر على عجل، وها أنا لازلت هنا أقلّب أيّامها كلّ ليلة، أتصفّح كلّ صباح بائس فيها وكلّ مساء، أنقّب فيها عن حدث واحد غير عادي، ينبئني أنّ تلك السّنوات مجرّد كابوس آخر سأفيق منه في الصّباح طفلاً سعيدًا…
سأفيق منه في الصّباح طفلاً كبقية الأطفال، له أهل، له وطن، يركض في الشوارع صارخًا، ضاحكًا، لا يعنيه أمر الجنود الفرنسيّين المسلّحين، يمارس شرعيّته في اللعب، في الحماقة، في الجنون..
سأفيق منه على وقع ضحكات أختي أمينة، وهي تدغدغني وتعبث بشعري، فيما توقظني لألتحق بصفّي، هي التي كانت تأخذ على عاتقها مسؤولية إيقاظي وتجهيزي في كلّ صباح.
نعم، سأفيق منه في الصّباح…
ولكن…
كلّما قلبت الأيّام وتصفّحتها، لم أصادف غير وجه حزين لطفل يتيم تشبهني ملامحه، طفل قُتِل أبواه ذات ليلة، واغتُصِبت أخته ببرودة دم ونُكِّل بجسدها البريء.
طفل غادرته الطفولة قبل أوانها، يتربّص بي في كل صفحة، تربكني نظراته، عيناه اللتان تتمتمان بكلام لا أفهمه، خجل أنا في حضرته.
أصورة في ذهني هو أم وهم؟
لا أدري… لكنّه لا ينفك يقول أنّه طفولتي…
فهل ثمّة من يخجل من طفولته؟
ولمَ الخجل؟
في النّهاية لسنا نحن من نكتب أقدارنا، ووحدهم الذين كانوا السّبب في تعاستنا عليهم أن يخجلوا، بعدما أساؤوا إلينا وأحرقوا أرواحنا!
قبل عشرين سنة، وبتوقيت هذه اللّيلة بالضّبط أحرقوا روحي، وها أنا اليوم مجرّد رماد يعيش على الذكرى، انطفأت شعلتي منذ زمن، وحده القلم صار رفيقًا لوحدتي، ليتمي وغربتي، ووحدها الحروف التي تُخَط سرًّا في عتمة اللّيالي غدت منارة لي، تنير طريقي في هذا الزّمن المظلم.
مرتبك أنا، وخائف من مستقبل مجهول تحيطه علامات الاستفهام من كل جانب.
وهذا الوطن من حولي بركان ينفجر…
وهذه المدينة المغتصبة أنثى تحتضر…
وهذا القلب الموجوع في داخلي ينصهر…
وتلك الأوراق الحامل بوجع السّنين تربكني إذ أقلب أيّامها، وكلّ حدث في صفحاتها، يجعلني أدرك أن تلك السّنوات لم تكن مجرّد كابوس آخر، وأنّنا فعلاً تلك اللّيلة افترقنا.
فهل كان يكفيني أن أزور اليوم تلك القبور وأتواطأ صمتها؟
أنا لا أدري حتّى لِم نزور القبور ونقاسمها أحزاننا، هي التي لا تزيدنا شواهدها إلا وجعًا واشتياقًا لأحبتنا!
مربكة هي قبور الموتى حتّى في هدوئها، إنّها لأكثر إرباكًا من الموتى أنفسهم.
كانت تلك القبور على هدوئها ووحشتها كأنّها تتكلم، لكل قبر حكاية يرويها، فكيف لا أرتبك وأنا أستمع إلى حكاية كنت طرفا فيها؟
تجاهلني الموت إذن، وإذ بالحياة التي تجيد إذلالنا تتفنّن في قتلي على طريقتها الخاصة.
لِتقتلني قدر ما تشاء فلم أعد أهاب الموت، رغم هشاشتي أراني صامدًا كشجرة سنديان نجت من أفظع حريق، لن تخيفني النّيران الصغيرة بعد الآن.
تستيقظ أحزاني اللّيلة داخلي، تتحرّر مواجعي، تستنزف الذكريات ما بقي من طاقتي، ترتجف يدي التي تحمل القلم، تتخدر أصابعي، أُقِرّ لنفسي بضعفي أمام الذّاكرة، ويشهد عليّ هذا القلم الذي يرتعش الآن مع يدي المرتجفة، ولكنّي رغم ذلك أحتفظ بصمودي، أعلن العصيان على مشاعري وأواصل الكتابة إليكم.
رغم فراقنا المؤلم، مازلت في كلّ ذكرى لتلك اللّيلة الفاجعة أكتب إليكم، صارت حصيلة المسافة بيننا ثقيلة جدًّا، ثلاثة قبور موحشة، عشرون سنة من الوحدة، كمٌّ هائل من الأقلام التي نزفت حبرها، وأوراق حبلى تحمل من الوجع ما تأبى الجبال أن تحمله.
تستحوذ تلك اللّيلة بشدّة على تفكيري، صورها ما تزال عالقة في ذهني أراها أمامي كلما أغمضت عيني، حتّى ذكرى ميلادي أسقطتها، ما عادت تعنيني بقدر ما تعنيني تفاصيل تلك اللّيلة، وكيف لا تعنيني وأنا دخلت على أعتابها عمرًا جديدًا من اليتم والمآسي والأحزان المالحة؟
ليس سهلاً أن أتذكّر وأنا قابع هنا على طاولة الكتابة، غارق في مدارات ذاكرة محمومة، أنّي استطعت الصّمود دونكم طيلة هذه السّنوات، كان الوقت كئيبًا كفاية لأستيقظ كل يوم متشائمًا، أنظر للحياة نظرة ضيّقة الأفق، ورغم ذلك أرسم على محيّاي ابتسامة مصطنعة تخفي مواجعي، أظلّ أكذب على نفسي، أغرقها في العمل والكتابة، كنت بحاجة إلى جرعات متزايدة من الفرح الكاذب لأبقى على قيد الحياة.
يُقال أنّ الزّمن يشفي كلّ الجراح، ثمّة جراح لا يشفيها الزّمن، تلك التي تظلّ معلقة على جدران الذاكرة، ستبقى تنزف دائمًا حتّى تفقدك رونق الحياة والرّغبة فيها، سيتحتّم عليك لاحقًا استفزاز الحياة ببعض الأمل حتّى تشعر بها، فنحن في حاجة دائمة لبعض الأمل وسط هذه القذارة التي تسمى حياة.
وأيّة حياة هذه؟
عن أيّة حياة أُحَدِثني الآن؟
عن هذا البؤس الذي نعيشه؟ عن هذا الخوف الذي لا يبارحنا و الذي صار يلازمنا كظلنا؟
Kamel Bilal
الموت أرحم من هذا الجحيم… يمكنك أن تُسَمِّي هذا ما شئت يا رجل ولكن ليس حياة، الحياة أعظم من أن يُذَلّ صاحبها ويُهان…
بهذه الكلمات التي ظلّت تهطل على الذّاكرة، وتتزاحم داخل عقله، انتهى عمر من تسويد صفحات أخرى من مذكراته، وها هو كعادته، يقف خلف نافذة للحيرة، على شفى نوبة جنون، غارقًا في تفكيره حدّ الثمالة، يحتسي في عطش عشقيٍّ قهوته المُرّة رشفة بعد أخرى، يفصل بين الرّشفتين نفس طويل من سيجارة نصف مشتعلة، مع كل نفس كان يزيدها اشتعالاً، ليطفئ حرائق صدره المتّقدة من سنين.
أحاسيس باردة مبهمة تجتاح قلبه، شعور بالضّياع والخيبة يجثم فوق صدره، صراع داخليّ يكاد يمزّقه، صراع بين أُنثيَيْن، واحدة يسكنها والأخرى تسكنه هي.
ممزّق هو بين طريقين منفصلين لا يدري أيّهما يختار.
هناك دائمًا لحظة عندما تفترق طرق حياتك، وعليك أن تختار أيّها تسلك، في كل طريق تختاره هناك قدر ينتظرك، هناك أحلام ستتخلّى عنها وأخرى ككلب ستجري وراءها، هناك أشخاص ستتركهم، وآخرون لم تكن تعرفهم ستتقاطع حياتك معهم، وأنت عند ذلك المفترق، ستنتظر أن يمدّ شخص ما يده ويأخذ بيدك، ولكنّك مهما انتظرت لن يمد أحد يده إليك، لأنّك وحدك ستختار طريقك، ووحدك ستواجه قدرك.
عند مفترق طرق حياته، يقف عمر اليوم مرتبكًا، لا لافتات توجّهه، ولا إشارات مرور تضيء طريقه، عليه وحده أن يشعل ضوءه الأخضر وينطلق نحو قدره، وقلبه فقط من سيقوده وسط زحمة الحياة.
محتار هو في أمرين لا يدري أيّهما الصواب، أيتزوّج زينب ويواصل حياته البائسة كأن شيئًا لم يكن؟ أم يحمل السّلاح ليلتحق بإخوانه المجاهدين؟
وذلك الوغد الذي قتل أباه وأمّه، واغتصب ببرودة دم أخته أمينة، أيتركه هكذا دون عقاب على جريمته الشّنعاء؟
لا يمكنه أن ينسى أنّه كان يومًا سببًا في كلّ التقلّبات الجويّة التي عصفت بحياته، وصنعت منه بين ليلة وضحاها مشروع يتيم.
اليوم دخل يتمه عامه العشرين، الأبوّة والأمومة في حياته مفهومان أجوفان وفجوة عميقة، كلّما حاول عمّه أحمد وزوجته سعيدة أن يسدّاها زادت اتّساعًا، والتهمت شظايا شبابه، كما التهمت حطام طفولته قطعةً قطعة.
تتزاحم في رأسه أفكار كثيرة وتتداخل خواطر شتّى، تمرّ حياته البائسة أمام عينيه شريطًا أسود للذّاكرة، فتلفّ جسده رعشة مكهربة، عقله في حالة فوضى، وعليه أن يضع بعض الترتيب فيه.
كانت عقارب السّاعة تزحف ببطء نحو الرّابعة فجرًا، عندما أخرج سيجارة ثانية، أشعلها، تنهّد وهو يأخذ نفسًا طويلاً منها، ثم نفسًا آخر أقل طولاً، بين أوّل نفس وثاني نفس، بدا وكأنّه اتّخذ قرارًا حاسمًا.
رمى سيجارته المشتعلة دون أن يأخذ ولو نفسًا آخر منها، كما لو كان يترك امرأة في قمّة اشتعالها، بعد أن اجتاحها بأطول قبلة عاشت تفاصيلها…
للحظات ظلّ لهب السيجارة البرتقاليّ يلمع تحت ذلك الفضاء المعتم، فيما آذان الفجر يتسلّل إلى أسماعه من مآذن قريبة، وحدهم بعض الشّيوخ يلبّون نداءه بخطوات مثقلة، وأجساد منهكة، وعيون شبه مفتوحة مازال النّعاس يلهو على جفونها المتعبة.
لم يكن يخيفهم الخروج في ذلك الوقت المبكّر والظلام مازال يبتلع أزقّة القصبة النائمة. كانوا يدركون أن خروجهم في ذلك الوقت هو أشبه بالانتحار، فمصادفة واحدة خاطئة مع جنديّ فرنسيّ في مكان وزمان غير مناسبين قد تعني الموت الأكيد، لكن الموت هو آخر شيء قد يثني عزيمتهم ويمنعهم من أداء فريضة الصّلاة، فهم أصلاً شبه أموات، والصّلاة هي الشيء الوحيد الذي يربطهم بهذا العالم، ويذكّرهم أنّهم مازالوا على قيد الحياة.
تابع في صمت خطواتهم المسنّة وهي تتدحرج في تلقائيّة على درجات السّلالم، لم يبقى لهؤلاء المسنّين ملاذ آخر غير المساجد، يلجئون إليها للصلاة، والتضرّع والدّعاء، أملاً في أن تكون حياتهم الأخرى أرحم من هذا الجحيم، فلم يبقى لهم في هذه الحياة نصيب.
ابتلع في مرارة دموعًا كانت تستدرجه لسراديب الحزن السّحيقة، واستدار بعد أن أغلق النّافذة وأسدل ستارتها.
تأمّل للحظات أوراقه الملقاة في تكاسل وعشوائيّة على الطّاولة، إلى جانب قلم، وبضعة كتب، وجريدة، ومزهريّة، ومنفضة بها أعقاب سجائر، ثم ارتمى إلى فراشه في حركة سريعة، وبخفّة انزلق تحت غطائه، أشبك أصابع يديه خلف رأسه، وراح يجول ببصره بين زوايا الغرفة وأثاثها.
لاشيء في هذه الغرفة يوحي بالحياة، جدرانها الرّماديّة، تلك الخزانة كستنائيّة اللّون المتّكئة إلى الزاوية، ذلك الكرسيّ وتلك الطّاولة الموضوعان بعناية على مقربة من النّافذة، لطالما كانا ملاذه الذي يلجأ إليه كلّ ليلة ليمارس جنون الكتابة…
كم من ورقة بيضاء، فقدت عذريّتها هنا ذات ليلة تحت سطوة الكلمات الموجعة… وكم من قلم سفّاح تناوب على اغتصابها… كم من حبر امتلأت به… وكم من وجع حملت به…
يتأمل اللّوحة المعلّقة على الجدار المقابل لسريره، يأسره إطارها الخشبيّ العتيق داخل تفاصيلها المبهمة، يحملق في ذلك الوجه الطفوليّ مرارًا وتكرارًا، تستهويه ملامحه الرّماديّة البريئة، وتستفزّه نظراته المدهوشة ودمعته المتدحرجة، التي انكسر على تبلورها ضوء خافت برز وسط العتمة المحيطة به.
إلام تُراه كان ينظر بتلك الدّهشة المفرطة؟
وتلك الدّمعة، كم من وجع تُراه كان يمتزج بملحها؟
أيكون هو أيضا طفلاً يتيمًا أراد هذا الرّسّام الذي خلّد حزنه في لوحة أن يجني من وراء بؤسه بعض النقود؟
أثار في نفسه البحث المعمّق داخل تفاصيل تلك اللّوحة هذه التّساؤلات الحمقاء، وانجرّ وراء فكرة مجنونة ظلّت تراوده للحظات من الزّمن.
يكاد يجزم أنّ هناك شيئًا من الشّبه بينه وبين ذلك الوجه، كأنّه نسخة فنّية عن طفولته.
أعادته اللّوحة من جديد لجرحه القديم، وأيقظت فيه ذلك الخوف الغامض من اللّيل والعتمة، وعبثًا حاول أن يتملّص من ذاكرته التي ما فتئت تستدرجه إلى تلك اللّيلة الفاجعة.
Kamel Bilal
كان فكره لا يزال مشتتًا، فمنذ عدّة أيام وهو يفتّش عن طريقة ليفاتح زينب بموضوع القرار الذي اتّخذه مرغمًا، كان لا يزال حائرًا، فهو لا يدري من أين يبدأ فتح موضوع كهذا معها، ولا إلى أين ستصل قصّتهما معًا.
هو يحبّها كثيرًا، ويدري أنّه ما كان ليختار غيرها مذ تقاطع قدراهما معًا ذلك اليوم في محله، لكنّه مضطر لأن يُحمِّلها على الانتظار، فهو كغيره من أبناء وطنه يعي أن قضية الوطن أكبر من أن تقاس بحبّ شخص واحد.
ظلّ يجول ويجول بنظره بين أرجاء الغرفة متأمّلاً، مشدوهًا، حائرًا، فيما ظلّت الأسئلة الشّائكة تطارده كأشباح، وتُقذَف داخل رأسه دفعة واحدة، كسهام تنهمر على أرض معركة.
كيف يخبرها أنّه منذ شهرين تقريبًا قام باتّصالات مع الجبهة عن طريق أحد المجاهدين، والذي لم يكن في الواقع سوى صديقه الطاهر، وأنه قد تمّت الموافقة على التحاقه بصفوف الثّورة، بعد نجاحه في القيام بعمليّة فدائيّة أُوكِلت إليه أثبت من خلالها جدارته؟
لا فكرة لديه مطلقًا، لكنّه يدرك أنّ ما هو مقبل عليه رهان قد يخسر فيه حبّه إلى الأبد.
ورغم ذلك، لا مجال للعودة إلى الوراء، فلم يعد يهمّه بعد الآن ما سيخسره، لقد تجاوز ذلك الخط منذ زمن بعيد.
ثم ما ذاك مقارنة بما خسره حتى الآن؟
لا شيء، فقط خسارة أخرى تضاف إلى قائمة طويلة من الخسائر…
أدخل يده تحت وسادته، أخرج صورة عائلته، الصّورة الوحيدة المتبقّية لديه كذكرى التقطت يوم زفاف ابنة عمّه عائشة، وضعها فوق وسادته كما اعتاد أن يفعل كلّ ليلة طيلة عشرين سنة، تأمّل طويلاً تلك اللّحظة المحنّطة من الزّمن، ظلّ لونها الرّمادي الممزوج بالسّواد يقفز بالذّاكرة من محطّة لأخرى، محطّات هي زمنه الجريح لا غير.
الحبّ، والوطن، والطفولة يستفزّونه اللّيلة بأكثر من طريقة وبأكثر من لغة، يتذكّر أيام المدرسة الابتدائية فيحزن قليلاً على تلك الأيام الجميلة، ثم سرعان ما يفرح لأنها قد ولّت، فذلك أهون عنده من أن يردّد على غرار بقية التّلاميذ كل يوم في طابور الصّباح “فرنسا أمّنا…”
وذلك المعلّم المفرنس يملأ رؤوسهم بالأكاذيب والتّرهات، ويقول لهم مرّة بعد مرّة، ودرسًا بعد آخر “إنّ وطنكم وأمتكم هي فرنسا…” وكأنّ البرنامج الدراسيّ كلّه احتوى موضوعًا واحدًا، ودرسًا وحيدًا عنوانه: ”الجزائر قطعة فرنسيّة”.
أيّ جنون هذا الذي جعل كلّ تلك الذّكريات تطفو من جديد هكذا دفعة واحدة في هذه الليلة؟
وذلك المعلّم… أيكون قد نسيه؟
هو الذي كان دومًا تلميذًا مجتهدًا في دروسه ولا يتوان عن رفع إصبعه في كل حصة تَمُرّ، وغالبًا ما أظهر على عكس أقرانه ذكاءً حادًّا، ونبوغًا أكبر من عمره أحيانا.
ما يعيبه في ذلك المعلم حقًا، أنّه كان مفرنسًا لدرجة أنّه يمنع التّلاميذ من أن يتكلّموا باللّغة العربيّة أثناء الحصّة، والويل ثم الويل لمن أخطأ وتكلّم بالعربيّة، فتلك العصا المتأهّبة دومًا للجلد ستأخذ نصيبها منه لا محالة، تاركة على اليدين توقيعها الخاص.
ضربتان مؤلمتان على راحة اليدين، ما يلبث ألمهما ذاك أن يتحوّل إلى حرارة تنتشر تدريجيًا عبر اليدين، فتبعث فيهما شعورًا بالدّفء، كأنّها النّشوة التي تعقب الألم.
يبتسم في سرور كطفل…
لقد مرّ بذلك الموقف المضحك والمربك في آن واحد أكثر من مرّة، وكغيره من التّلاميذ كان لتلك العصا التي لا تعرف المزاح شرف ترك توقيعها الخاص على يديه.
فرغم اجتهاده، دومًا ما كانت تلك اللّغة الممنوعة في الصّفّ نقطة ضعفه، وغالبًا هي السبب وراء الجلدتين المؤلمتين.
لم يدرِ عمر وهو بعمر الخامسة يحفظ القرآن، ويتعلم مبادئ اللّغة العربيّة على يد أحد المشايخ في مسجد الحيّ، أنّ إيقاع قلبه كان يتوافق شيئًا فشيئًا مع إيقاع هذه اللّغة التي بذل المستعمر الفرنسي مذ وطِئت قدماه أرض الجزائر كل ما في وسعه لإجهاضها، كان يستسيغ عذوبتها، وفي كل مرّة يحاول أن يرتوي منها لم تزده إلا عطشا لها.
أدمن عليها كما يدمن اليوم سجائره وقهوته المرّة، وها هي تصبح مع العمر جنونه وعادته السّرّية…
ينتشل فكره من مستنقع الماضي لوهلة، يتحسس صورة عائلته بأنامله، يمرّر أصابعه بنعومة على الوجوه المبتسمة، يكاد لا يصدق العشرين سنة التي مضت كوهم.
يأخذ نفسًا طويلاً ومرهقًا، يتنهد أسفًا على الطفولة المغتصبة، يحاول أن يهرب من ذكرياته، لكن عبثا يحاول…
تقفز صورة المعلم من جديد إلى ذهنه، وتدندن في أذنيه تلك العبارة التي قالها له يوما وبقيت محفورة في ذاكرته، قال:
– مهما حدث معك، تذّكر أن تكتب دائمًا، لا تكبح مشاعرك، وألقِ حزنك على صفحات الأوراق البيضاء، فوحدها الأوراق ستحمل بوجعك في صمت دون أن تتطفّل على جرحك.
كسيمفونية نزلت تلك العبارة على مسامعه، كموسيقى عذبة تعزف من دون آلة، كيف لا… وهو يسمعها تخرج من بين شفتيه لأول مرة بالعربيّة؟
يومها كاد لا يصدق أذنيه، حتى لكأنّه ظنّ نفسه يهذي، فمنذ الصّفّ الأول أبدى لهم ذلك المعلم موقفًا واضحًا تجاه اللًغة العربيّة، حتى أصبح يقينا لدى الجميع أنّه لا يجيد التكلّم بها.
لكن هناك دائمًا مرّة أولى لكل شيء…
وكانت تلك المرّة الأولى عندما أجهش عمر بالبكاء فجأة، وكان موضوع الدّرس يومذاك عن العائلة، لم يستطع عمر أن يكتب في حصّة التعبير الكتابي حرفًا واحدًا، هو الذي لم يعقه يتمه يومًا من أن يقول كلّ ما يريد.
لكن هل ثمّة ما يمكن أن يقوله، وفي كل مرّة يذكر عائلته تهجم عليه صور تلك اللّيلة دفعة واحدة لتشل عقله وتعطّل تفكيره؟
لم يجد المعلّم يومها من طريقة لإسكات عمر وإخراجه من حالته تلك، سوى مفاجأته باللّغة التي يعشقها، وإذ بها تصبح بعد ذلك لغة جرحه، وعالمه الخفي الذي يعود إليه كلّ ليلة.
كشبح هائم يجول بين صفحات الأوراق البيضاء، هناك حيث بقلمه العطش للجنون يمارس طقوسه السّرّية في عتمة الليل، ليل القصبة الموحش.
Kamel Bilal
والواقع أن عمر لم يحقد يومًا على ذلك المعلّم، رغم كلّ ما كان يحاول أن يزرعه فيهم من مزاعم عن أنّ أمّتهم ووطنهم هي فرنسا، مستنكرًا الجزائر وقداستها، فلطالما كان يعرف في داخله أنّ هناك يدًا فوقه، تفوقه قوّة، تحرّكه كدمية بخيوط خَفِيَّة، واضعة على المحك مهنته التي هي قوت عيش أهله وأطفاله الجياع، هو الذي لا يكاد يكفيه أجره الزّهيد الذي يتقاضاه في التّعليم لمتابعة علاج ابنته المعاقة، حتى صار يتمنّى بينه وبين نفسه أحيانا لو أنّها لم تولد لتعيش هذا الشّقاء، وتُعَيِّشه ذلّ الرّضوخ للمستعمر الفرنسيّ.
ما قاله لعمر في ذلك اليوم، جعل عمر يدرك أن الجانب الطيّب في كل إنسان يظل حيًّا، ويظهر إذا ما دعت الحاجة إليه، ولو كان ذلك بالتّنازل عن مبدأ أو تغيير موقف.
استسلم عمر للنوم أخيرًا بعد ليلة طويلة من الذّكريات، وبدأت حربه الدّامية مع الكوابيس المؤلمة التي تعيده مكرها إلى تلك اللّيلة الفاجعة، وتتركه بعد أن يستيقظ متصلّبًا كجثّة ألبسها الصّقيع رداءًا من الجليد، مضرّجًا بآلامه، به رغبة في الصّراخ، لكن الألم يجتمع في حلقه غصّة تكبح حباله الصّوتية، وتطلق العنان لعينيه تجريان بما استطاعتا من دموع…
*
في الصّباح الباكر، وعلى غير العادة، فتحت زينب عيناها على وقع كابوس مرعب اغتال أحلامها الجميلة… لقد اعتادت أن تستيقظ كلّ يوم على دويّ رصاص أو قنابل الاستعمار وهو يُمَشِّط أو يقصف قرية، أو دشرة، أو مدينة، لكن ذلك لم يكن ليبثّ الرّعب في نفسها كما فعل بها هذا الكابوس، لقد اعتادت أن ترى الموت كلّ يوم يرقص على أنغام المدافع، وينتظر أن يرسل له القدير أمرًا ليزفّ إلى المقبرة عريسًا جديدًا أو عروسا، لكن أن ترى الموت يفتكّ بأنيابه الحادة جسد عمر وقد غرز أظافره الطويلة كلّها في أحشائه، فهذا ما كاد يدخلها في نوبة هلع وجنون، وأصابها لليال متتالية بالأرق، كيف لا… ولم يبقى على موعد زواجها منه إلاّ شهور معدودات؟
هي لم تكن تدري لحظتها أنّ زمنًا جديدًا على وشك أن يحل محل هذا الزّمن الجميل، زمن تفقد فيه الأشياء لذّتها، وتتبدّد معه إشراقة صباحاتها العشقيّة، فينطفئ في كلّ لحظة منه واحد من أحلامها…
زمن يصبح فيه الوطن المرأة الأشهى، والأنثى الوحيدة التي تستحق أن يهب رجل حياته في سبيلها…
لطالما كانت تعرف، أنّ حبًّا يعيش في وطن أوقد لتوّه فتيل الثّورة، لابد وأن يحترق يومًا بنيرانها، أو يضطرّ للمشي على الجمر في سبيل أن يستمر، لكنّها كانت تعتقد ولسبب ما أن القدر سيعفيها من هذا الامتحان الصعب.
كانت واثقة كل الثقة أن “لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها”، وهي تعي تمامًا أنه ليس في وسعها خوض هكذا امتحانا.
نسيت لحظتها، أنّ وسام الحبّ لا يُقلَّد إلا بعد امتحان كبير، يكون العشّاق فيه الممتحنين والحرّاس في آن واحد.
نسيت لحظتها، أنّ طريق الحبّ في الجزائر محفوفة بالمخاطر كما غابة الأمازون، فإن استطعت تجاوز مستنقعاتها فالحيوانات المفترسة تتربّص بك لا محالة.
الجزائر تعاني، والمستعمر يجرّب معها في كلّ لحظة طريقة أخرى من الاغتصاب الجماعيّ، أكثر وحشيّة من التي سبقتها.
شبرًا شبرا… كان يستبيح جسدها المقدّس، ويدنّس كل رحم عفيف من هذا الجسد، تاركًا خلفه وسخه ونجاسته، وغشاء بكارة مفضوضة يشهد على اغتيال عذريتها…
أراض تُحرق… أملاك تُنهَب… بيوت ودور تُفجَّر وتُدمَّر… شعب يُضطَهد، يُقتَل صمتًا وعلنًا…
كان الشّعب الجزائري يموت في اللّيلة الواحدة ألف ميتة، ثم يعود إلى الحياة صباحًا، ليتربّص به موت آخر أكثر وجعًا وإيلاما.
لم يعد الموت حدثًا أو مصيبة، ولا حتّى سببًا للحزن.
الموت صار رجلاً يمشي مع الجزائريّين، ضيفًا يحضر دون دعوة، يجلس إلى موائدهم، يأكل من كسرتهم، يضطجع إلى جانبهم، ويفرك بأصابعه شعر رؤوسهم، منتظرًا أدنى إشارة من القدر ليفترسهم.
المستعمر يقتل في كل لحظة، والمقابر ما عادت تتّسع، والأبيض ما عاد يصلح كفنًا فالأحمر اكتسح كلّ الألوان.
أجساد الجزائريّين الشريفة تُرمَى على الطرقات كجثث حيوانات نافقة، يتآكلها الدّود وقسوة الزّمن، وترثيها دموع أمّهات تحترق أكبادها حزنا.
رغم أن النّساء الجزائريات كنّ يزغردن مع سقوط أحد أبنائهن شهيدا، فإنّهن كنّ يبكينهم في عتمة اللّيل سرًّا، على منحدرات الوسائد يرثينهم كما تُرثَى الأطلال عن وجع، ولكنّهن سرعان ما يجدن في كلمة الشّهادة عزاء لهن، وطريقًا للوصول إلى درجات الصّبر العليا.
الشّهادة… اسم آخر للموت، اختاروه بعناية ليكون وقعه على أنفسهم أقل وطأة، وربما ليكون للجميع شرفًا، حتى للذين عاشوا ذات يوم من غير شرف!
القصبة تبكي في صمت، قصورها التي تُخبِّئ خلف جدرانها أكثر من قصّة وأكثر من أسطورة، غدت قبورًا تأوي أجسادًا تحتضر، أعياها المرض وأنهكها الحرمان.
القصبة، تلك المدينة العتيقة التي ظلّت واقفة على أنقاض العهد العثماني، تلك الأنثى التي تحتضن في صدرها الدّافئ سكّان العاصمة الأصليّين.
تلك الأزقّة العريقة، التي تأوي تحت جناحها العائلات الجزائريّة الأصيلة، التي عاشت وتوارثت بيوتها أبًا عن جد.
بيوت عطرة تتّكئ كتفًا إلى كتف، يغازل بعضها بعضا على مرأى من النّاس، لها أسطح متعانقة في حميميّة، ونوافذ متقابلة كشفاه غجريّة، تتهيأ لقبلة أبديّة، يفوح منها عبق تاريخ قديم…
تلك المدينة التي تفتح أبوابها الخمسة مع طلوع شمس كلّ صباح، كامرأة تفتح أزرار قميصها، فتتسلّل إلى صدرها نسائم الهواء، وتداعب أنفاسها رطوبة البحر، وتتراقص على أطراف جسدها المستلقي في دلال أشعّة الشمس الدّافئة.
تعبق في الأجواء رائحة القهوة الصّباحية، كعطر نسائيّ يفوح اشتهاءً، في دعوة سرّيّة لرجولة نامت ليلاً على أعصابها وعلى رغباتها. في كلّ بيت وفي كل مقهى، ترنّ أصوات الفناجين، ترتشف الشّفاه العطشى قهوتها المعتّقة، وأكثر من سيجارة مشتعلة بنيران الحرقة، تجترّها الأنفاس وتزفرها الصدور سحبًا من الدخان.
Kamel Bilal
أجساد النّساء تزاحم بنشاطها اليومي مساحات البيوت، وهنّ ينتقلن من شغل لآخر بخفّة نحلات عاملات، ترتفع أصواتهنّ من كلّ جانب، فتعبث بذلك الهدوء الذي يصنع للمدينة ملامحها اللّيليّة، مع كلّ فرصة سانحة، تتسلّل بعض النّسوة بخفّة إلى سطوح المنازل للثرثرة وتبادل الأخبار.
في القصبة كلّ شيء يسير على عجلة من الرّتابة، تدور وتدور بدون توقف وتدهس الجميع تحتها، تلك المدينة التي برغم جوارها للبحر فهي دائمة الحزن، منغلقة على نفسها، تعانق في صمت أفراحها السّرّية، التي لم تكن تدوم غالبًا لأكثر من بضع دقائق مسروقة من العمر، قبل أن تغلق من جديد أبوابها الخمسة مع غروب الشمس.
في القصبة خطّ رفيع يفصل بين الحياة والموت، على ذلك الخطّ الرّفيع وُلدَت زينب ذات ليلة صيف جميلة…
كانت ليلة هادئة وصافية، ظلّ ظلامها يعدو مسرعًا، يلتهم كل أثر لنور النّهار، وكانت أمّها ربيعة منهمكة في غزل الصّوف تحت النّور الخافت لمصباح الغاز، وإذ بآلام المخاض تفاجئها دون سابق إنذار.
حاولت استدراج ألمها علّها تصبر إلى أن يعود زوجها، ولكن إصرار زينب على الخروج إلى العالم في ذلك الوقت بالذات حال دون ذلك، فما كان منها إلا أن تصرخ مستنجدة بجاراتها، ولأنّ بيوت القصبة متّكئ أحدها إلى كتف الآخر، هبّت جميع جاراتها اللائي سمعن صراخها لتوليدها.
ظلّت النّسوة مجتمعات في صحن الدار، فيما كانت مريم وحياة اللتان اعتادتا توليد النّساء منذ مدّة طويلة، تكافحان في الغرفة مع ربيعة التي تعالت صرخاتها لإخراج هذا المولود. النّسوة ينتظرن بفارغ الصّبر خروج المولود الجديد للحياة، هنّ لا يدرين إن كان صبيًّا أو فتاة، وها هو الفضول الأنثويّ الفطريّ الذي لا يستطعن إخفاءه يرتسم على وجوههنّ علامات استفهام، تفضح رغبتهنّ الجامحة في معرفة جنس المولود، حتّى تثبت كلّ واحدة أنّ توقعاتها كانت في محلّها، إذ أنّها مبنيّة عن معرفة سابقة بحالات لنساء حوامل، وغالبًا مرتبطة بحجم البطن أو جهة الآلام خلال فترة الحمل.
وانطلق بكاء رضيع من داخل الغرفة، فصرخن فرحات، وتهافتن على الغرفة مبتسمات ومُباِركات.
كانت حياة ما تزال تحمل الصّغيرة بين يديها، نظّفتها، ووضعتها بين يدي ربيعة التي حامت حولها النّسوة يشبعن فضولهنّ الأنثويّ، متناسيات أحقاد بعضهنّ لبعض، فرغم جيرتهنّ، دائمًا ما تنشأ بينهنّ صراعات وخلافات يوميّة، أغلبها بسبب الأطفال أو خلافات الرّجال فيما بينهم، والتي تنتقل تلقائيًّا فيما بين نسائهنّ، وأحيانًا لا يكون السّبب أكثر من مجرّد سخافات نسائيّة أخذت أكبر من حجمها المعتاد.
ربيعة لم تكن على خلاف مع أيّة واحدة منهنّ، كانت منحازة لفكرة التعايش السّلمي مع كلّ جاراتها، إذ لا طاقة لها للدّخول في صراعات لا تنتهي، يكفيها أنّ زوجها علي ينغّص عيشها ويحرمها لذّة الحياة.
وفيما النّسوة يحملقن في الصّغيرة التي كانت أمّها تمسح على وجهها بأصابعها، سألت حياة ربيعة مبتسمة:
ـ ماذا ستسمّينها؟
أجابت ربيعة دون تفكير فيما وجّهت أنظارها نحو حياة:
ـ سأسمّيها زينب، تيمّنًا بأمّي رحمها الله.
أردفت حياة قائلة فيما بدت وكأنّها ذهبت بتفكيرها بعيدًا:
ـ رحمها الله…
حياة تلك قصّة أخرى، تبدأ وتنتهي مع الأطفال، فلطالما كانوا الحلقة المفقودة في حياتها، والتي انجرّ عنها الكثير من المتاعب. فعقمها لم يسمح لها يومًا بأن تعيش كباقي النّساء، ولأعوام عديدة خلق هوّة واسعة بينها وبين حماتها، التي ظلّت طوال حياتها تندب حظّ ابنها الذي تزوّج من عاقر، وسيعيش ويموت من دون أن يخلّف أطفالاً يحملون اسمه، رغم أنّه هو في حدّ ذاته كان راضيًا بنصيبه، ولم يُظهِر ولو لمرّة واحدة رغبة في الحصول على أطفال.
حياة عاشت دائما أمًّا، ولم تَشُكَّ ليوم واحد في أمومتها، فمع كل امرأة أشرفت على ولادتها، كانت تحسّ أنّها هي التي أنجبت، لكأنّها هي التي حملت بأولئك المواليد كلّهم، ولذلك كان جميع الأطفال ممّن يعرفونها يدعونها “يمَّا”.
كان الصّباح الذي تلا ولادة زينب جميلاً كما وجهها البريء، وكل جارات ربيعة مجتمعات على “الطمينة” واضعات أحقادهنّ على جنب، يتبادلن الأحاديث والنّكت، يقتلن المرارة بالضّحك، فمنذ زمن فقدن الرّغبة في الضّحك، وربّما الرّغبة في الحياة أيضًا.
وُلدت زينب إذن…
في هذا الزّمن المحترق ولدت زينب وكبرت…
هي ذي اليوم امرأة، ككلّ نساء القصبة تحترف العشق في صمت، في عتمة اللّيل الخريفيّ، تقف مقابلة لنافذة الذّاكرة الأولى، هناك حيث رأته يومًا في محلّه ينحت الأواني النحاسيّة.
هو كان يومها ينحت قلبها على مقاسه، طرقة بعد أخرى كان يدقّ مسماره سهمًا ملوثًا بسمّ العشق القاتل، كسمّ أفعى المامبا السّوداء.
لم يستحق سمّه أكثر من ثوان ليرديها قتيلة، ضحيّة شلل عاطفيّ، وكأنّه اخترق حواسها كلّها، وخلق مكانها حاسّة واحدة، لا تنجذب إلا لذبذباته العشقيّة.
لدقائق وجدت في سطوته عليها لذّة لم تختبرها قبلاً، كان فيه شيء من الساديّة، صوت داخليّ يقودها إليه.
لم يَبدُ لها أبدًا رجلاً عاديا، بدا لها أميرًا كأمراء القصص الخرافيّة، يأتيها على صهوة حصانه الأبيض، يخطفها من بؤسها ويرحل بها بعيدًا، إلى عالم خُلِق لهما وحدهما، على قياس جنونهما…
هي ذي تقع صريعة حبّ من أوّل نظرة، هي التي لم تؤمن يوما بوجود حبّ من النّظرة الأولى، تعثّر قلبها على حافة نظرة، وإذ بوجهه يصبح خريطة، وملامحه تضاريس تستحقّ الاستكشاف.
وكيف لها ألاّ تكون لحظتها ذلك المكتشف، الذي يركب سفينته ويبحر دون خوف من المجهول بحثًا عن ملاذه؟
كان حبّه ملاذها وغايتها، وها هي ذي تركب جنونها، وتبحر إلى عالمه لتكتشف حياته، كما ذات يوم ركب البحّار الإيطالي “كريستوفر كولومبس” سفينته وأبحر ليكتشف الهند وإذا به خطئًا يكتشف أمريكا.
أيمكن أن تكون هي أيضًا قد أخطأت وستكتشف رجلاً آخر ليس كما توقّعته؟
Kamel Bilal
تتذكّر أن أخطاء البعض تصنع أعظم نجاحاتهم، فتزداد ثقة بنفسها.
صار يعنيها أن تكلّمه، أن تسمع صوته وتصغي لما سيقول، صار يعنيها أن تفكّ طلاسم رجولته، أن تبحر في أعماقه، أن تتصفّح بلذّة غموض حياته كما تتصفّح باللّذّة نفسها كتابًا مفتوحًا على أسراره، ولذا كان بإمكانها أن تخترع ألف قصّة لتدخل محلّه، وطبعًا لم يكن صعبًا عليها كامرأة أن تدخل محلّه بحجّة شراء شيء من الأواني النحاسيّة للبيت.
لم تقل شيئًا وهي تدخل المحلّ مرتبكة الخطى، لاحظت أنّه منشغل بنقش زخارف أنيقة على آنيّة، بدا كما لو كان منصهرًا معها، يعاملها باهتمام وكأنّها أنثى تستحقّ كلّ ما يهبها رجل من حبّ.
انتابها شعور داخليّ شبيه بالغيرة من تلك الآنيّة، تتمنّى بينها وبين نفسها لو أنّها الآن قطعة بين يديه، يزخرفها بأنامله كيفما شاء.
كان إيقاع قلبها يخرج عن طبيعته، وشيئًا فشيئا راح يتوافق مع إيقاع ضربات مطرقته، ما عاد قلبها ملكًا لها، لقد تمرّد عليها وعلى عقلها، بل إنّ عقلها وجسدها صارا معًا طوع قلبها.
كانت تتأمّل ما صنعت يداه في ذهول تارة، وفي إعجاب تارة أخرى، كلّ هذه الأواني النحاسيّة لامست أنامله، وداعبت مسماره ومطرقته، وكلّ هذه النّقوش والزخارف هوامش من ذاكرته ورجولته.
قبل الآن لم يكن يعنيها من هذه الحرفة سوى نتاجها، أوان تستعملها لغاياتها في البيت وحاجياتها. فكيف لغيرة حمقاء من آنيّة أن تفعل بها كلّ هذا؟
كان الإعجاب بما جادت به يداه من فنّ يغمرها حدّ الانبهار، تكاد تتوقّف عند كلّ قطعة، تمعن النّظر فيها، مأخوذة بكلّ تفاصيلها الصّغيرة، لكأنّها تقرأ في تلك النّقوش أسرار حياته المثيرة!
قبل اليوم، كانت تمرّ على هذه الأواني مرور الكرام، إنّها لتراها كلّ يوم في البيت أو في محلاّت النحّاسين، ولم يحدث أن شدّها شيء إليها.
فكيف لهذا الرّجل أن يغيّر في لحظة نظرتها للأمور؟
لم تتوجّه إليه بكلمة واحدة، إذ لاحظت وجود امرأتين تقفان بجانبها تنتقيان “طاس الحمام”.
كانت إحداهما تبدو يافعة، هي من دون شكّ عروس مقبلة على الزّواج، قصدت المحلّ كي تختار لنفسها ما تحتاجه من قطع.
غادرت المرأتان بعد أن اقتنتا “طاس الحمّام” و”المحبس”، فيما بقيت هي مشدوهة الأنظار، وكأنّ عقلها غاب عن جسدها وشرد مع أناقة الزّخارف والنّقوش، طال شرودها لدقائق، حتّى أنّها لم تنتبه إلى صوت الطرقات إذ توقف.
كان هو قد أشعل سيجارة وأخذ عدّة أنفاس منها، عندما التفت إليها كما لو أنّه انتبه فجأة لوجودها، وسألها بنبرة فيها فائض من الرّجولة، فيما لازالت شفتاه تجترّان السيجارة، دون أن يرفع بصره صوب وجهها الذي كانت قد كشفته من وراء “الحايك” كما يُكشَف الستار عن بطل المسرحية.
ـ ألم يعجبك شيء مما ترين؟
كان صوته ينساب من بين شفتيه نوتات موسيقية، لا تصلح سوى لسيمفونية واحدة تعزفها أوتار قلبها، خطفها صوته من شرودها، فاستدارت نحوه بنعومة أنثى، ثم قالت:
ـ على العكس تمامًا، إنّها تبدو رائعة من هذا المكان.
بدا له جوابها المفاجئ غريبًا جدًّا، وكأنّه لم يتوقع منها جوابًا كهذا. رفع بصره صوب وجهها مباشرة، فيما سافرت نظراته المشعّة عبر ملامحها الناعمة، لتلتقي بنظرات عينيها العسليّتين اللاّمعتين الغارقتين في سواد الرّموش، كانت عيناها جميلتين، عذبتين كقطرتيّ قهوة عربيّة.
شدّته ملامحها، كان في وجهها شيء من الغموض الأنيق والشّفافية المدهشة، كانت تعبّر عن التناقض بكلّ معانيه الساحرة.
تأمّل عينيها وملامحها، توقف نظره عند ثغرها الباسم، أغرته شفتاها الناعمتان بقبلة جميلة، قبلة قد يحلم بها كل رجل دون أن يتمتّع بمذاقها.
من أين لها بكلّ هذه الجاذبية؟
أيعقل أن يُخفي “الحايك” خلف بياضه وجهًا بكلّ هذا الجمال؟ تساءل في أعماقه، فيما انتابه شيء شبيه بالحنين للماضي.
سألها مستدرجًا:
ـ لم أفهم قصدك، ماذا تعنين بأنّها تبدو رائعة من هذا المكان؟
ردّت بشيء من الارتباك:
ـ ما أعنيه هو أنّني طوال حياتي وأنا أرى هذه الأواني النّحاسية أينما ذهبت، لكن لم يحدث أن شدّني قبل اليوم شيء إليها، لا أدري كيف… ولكنّها من هذا المكان تبدو وكأنّها شيء نادر.
سألها بزهوّ رجل:
ـ أيمكن أن تكون مهارتي هي السّر وراء هذه النظرة الحياديّة؟
ردّت بنبرة إعجاب:
ـ هذا وارد جدًّا، فخفة أصابعك التي تتلاعب بالآنيّة تنم عن مهارة واحتراف، لابدّ وأن هذا ما أردت أن تفعله دائما.
قال بلهجة فيها شيء من السّخرية:
ـ ليس المهم أن يكون ما نفعله هو ما أردناه كي نبدع فيه، يكفي أن نحبّ ما نفعله، وسيذهلنا ما سنكتشفه في أنفسنا، ثمّ إنّ الحياة لا تهبنا دومًا ما أردناه، يبقى علينا نحن أن نُغيِّر مرادنا حسب الظروف، إذ لا أحد يعرف ماذا يمكن للحياة أن تعطي وتأخذ.
أغرقتها كلماته تلك على تلقائيتها في دوّامة من الذّهول، إنّ هذا الرّجل أستاذ مخضرم في دروس الحياة، يختار كلماته بعناية، يتقن وضع النّقاط على الحروف كما يتقن وضع النّقوش على النّحاس.
لم يعد انجذابها المفاجئ إليه مقتصرًا على شكله فقط، كلّ شيء فيه يفتنها، تلاعب أنامله بالمطرقة والمسمار، نظراته المشعّة، صوته، صمته، حتّى طريقة تدخينه للسّجائر تشبهه وحده.
لم يكن كأيّ رجل آخر، كان منفردًا بكلّ ما فيه، وكأنّ الرّجولة بكلّ تفاصيلها خُطّت على مقاسه.
سألته متعجّبة:
ـ أنت لا تقصد أنّ هذا ليس ما أردته، أليس كذلك؟
ـ بلى… هذا ما أقصده، صحيح أنّ هذه الحرفة هي شغفي منذ الطّفولة، ولكنّها أبدًا لم تكن ما أريده، يمكنكِ القول أنّها كانت قدرًا لا مفرّ منه.
Kamel Bilal
يتذكّر لحظتها كيف بدأت رحلته مع هذه الحرفة منذ الصّغر. هو الذي كان ولعه بصوت المطرقة ورنين النّحاس ينعكس في شخصيّته منذ الطّفولة، وفي تصرّفاته أيضا… إذ كان يتردّد على محلّ عمّه أحمد كلّما سنحت له الفرصة لذلك، فكان كلّما خرج من المدرسة يتّجه مباشرة إلى المحلّ، يجلس بجانب عمّه أحمد ويشاهده وهو يعمل، يراقبه باهتمام شديد، وأحيانًا يساعده ببعض الأشياء حسب استطاعته.
كان يهزّ رأسه، وخيط من الدّخان يرتفع من السّيجارة التي يحملها بين إصبعيه الوسطى والسبابة. يصمت لحظة، ثم يضيف بعد نفس طويل من السّيجارة أتبعه بنفثات متتابعة من الدّخان:
ـ كلّ ما أردته هو أن أكون معلّمًا.
يعود إلى صمته وسيجارته، فتستدرجه إلى الكلام بسؤال آخر:
ـ و لمَ لم تفعل إذن؟
يحدّق فيها مليًّا، يبحث في زوايا وجهها. هو لا يدري أصلاً لم دخل في هذا الحديث مع امرأة لا يعرفها، فلم يحدث قبل الآن أن سرّب لسانه شيئًا عن حياته الخاصة لشخص غريب، ولكن في هذه المرأة سرّ يدوخه، يكاد يعرف سمرتها، عذوبة شفتيها، سواد شعرها الذي انكشفت خصلات منه، كأنّها تعلن تمرّدها على بياض “الحايك”.
هو يحسّ وكأنّه يعرفها منذ زمن، هي التي أيقظت فيه ملامحها الحنين للماضي، وإذا به طوعًا يقاوم عادته في الصّمت وينصهر معها في الكلام.
ردّ بنبرة فيها شيء من الانفعال:
ـ بل فعلت، ولكن لم ألبث أن فُصِلت.
ـ لأيّ سبب؟
ـ بتهمة التّحريض والإخلال بالنّظام العام للمدرسة، والسّبب أنّي غالبًا ما أتكلّم باللّغة العربيّة أثناء الصّف، وأقول دائمًا للتّلاميذ أنّنا جزائريّون والجزائر هي وطننا الأم، وأنّ كلّ ما يُقال لنا عن كوننا فرنسيّين هو تغليط لمفهومنا للوطنيّة، ومجرّد أكذوبة وضعتها فرنسا وصدّقتها، وتريدنا أن نؤمن بها نحن.
ـ و كنت تدري طبعًا أنّهم لن يسكتوا عن ذلك، خاصّة وأن فرنسا تبذل كل جهودها لتبيد عروبتنا وتقتلع جذورنا الإسلاميّة.
ـ يؤلمني أن أرى أطفالنا يتعلمون مفاهيم خاطئة في المدارس، خاصّة فيما يتعلّق بالوطنيّة، لمَ علينا أن نعيش على قناعة أنّنا فرنسيّون وفي داخلنا ندرك أنّنا عكس ذلك تماما؟
يضيف مستطردا:
ـ أذكر حينما كنت طفلاً، كنت أحبّ الدّراسة والاجتهاد، ولكن كثيرًا ما كنت أشعر بالإحباط في كلّ يوم ألتحق فيه بالصّف، لأنّي كنت مرغمًا وعلى غرار كلّ التّلاميذ أن أردّد في طابور الصّباح “فرنسا أمّنا” وأنا أعي تمامًا أنّها لم تكن يومًا أمّنا ولا كانت وطنًا لنا. حريّ بنا أن نخجل من أنفسنا لأنّنا اضطررنا ذات عمر أن نتنكّر لأرضنا فقط كي نرضي عدونا.
قال ذلك بشيء من الحسرة، وكأنّه يعاتب نفسه لأنّه ذات طفولة اضطرّ لأن يقول تلك العبارة التي يمقتها ويستنكرها بشدة.
يواصل بفرح غامض:
ـ عندما بدأت التّدريس، شعرت بأنّي امتلكت أخيرًا سلاحًا في يدي، فاللّغة العربيّة كانت آخر شيء قد يسمحون بوجوده في الصّفّ، ومع أنّي كنت أعرف عاقبة ما أفعله إلا أنّي لم أتوقف يومًا عن ذلك، رغم التّحذيرات المتكرّرة من طرف الإدارة. لا أدري… شعور ما باللّذّة كان يحرّكني ويمنعني من أن أتوقف.
– في النّهاية استطاعوا أن يقذفوا بك خارج ملعبهم.
ـ مع الأسف، نعم… ولكن لا يهم، فهذا العمل خير عندي من ألف عمل آخر يربطني بفرنسا، شيء واحد فقط افتقدته بعد طردي وهو الدّروس التي كنت ألقيها باللّغة العربيّة، لن أخفي عنك كم أحب اللّغة العربيّة، بيني وبينها تواطؤ غريب حتّى أنا لا أفهمه، أنا أعشقها حدّ الجنون، عزائي الوحيد أني لازلت أتنفّس هواء حروفها.
ـ تتكلم كمن يقول شعرًا.
ـ مؤكّد أنّكِ تمزحين.
ـ على العكس تمامًا، في كلامك شيء شبيه بالشّعر، أظنّك تكتب شعرًا أو شيئًا من هذا القبيل، أليس كذلك؟
ـ أبدًا… لم تخطر ببالي هذه الفكرة قبل الآن، فما عدا بعض الأحاسيس التي تجتاحني عنوة والأسرار التي يأبى كبريائي أن يتنازل عنها لآذان بشر، لم أكتب شيئا آخر يُذكر.
ـ أعرف مثلاً يقول “إذا لم تخطر الفكرة ببالك، فاذهب إليها بنفسك” أقصد أنّه عليك أن تفكّر في الأمر، فأنت تمتلك الموهبة واللّغة الجميلة، ثم إن عشقك للّغة العربيّة سيحثّك على ذلك، يبقى عليك أن تبحث عن إلهامك فقط، وسيذهلك ما ستكتشفه في نفسك.
قال مبتسمًا فيما يضع عقب السّيجارة في المنفضة:
ـ تتكلّمين كحكيمة، وتقتبسين من كلامي أيضًا.
قالت بعفويّة وبضحكة طفوليّة:
ـ وماذا ظننت؟ أنا سريعة التّعلّم أكثر مما تتوقّع.
أضافت بعد لحظة تفكير:
ـ أريدك أن تعدني بشيء واحد فقط.
ردّ كما لو كان خائفًا ممّا تخفيه جملتها التالية:
ـ ألا تعرفين المثل القائل “لا تقطع وعودًا لا يمكنك الوفاء بها”؟
ردّت بثقة أنثى تعرف إلى أين تودّ الوصول:
ـ أعلم أنّك تستطيع الوفاء بهذا الوعد.
أخرج سيجارة أخرى، ثمّ قال وهو يشعلها ويأخذ أوّل نفس منها:
ـ لنفترض أنّي أستطيع، بماذا تريدين أن أعدك؟
أجابت بشيء من الخجل:
ـ عندما تفكر في كتابة الشّعر يومًا ما، وأنا واثقة أنّك ستفعل، أريدك أن تهديني أوّل قصيدة تكتبها.
أرسل ثغره ضحكات متواصلة، ثم قال وهو يأخذ أنفاسًا متتالية من السيجارة:
ـ من أين لك بكل هذه الثقة؟ أنت امرأة غريبة حقًا، واعذريني إن قلت مجنونة أيضا.
ـ الجنون نعمة أحيانًا…
قالت ذلك، فيما غرقا معًا في ضحك طفولي.
منذ مدّة طويلة لم يضحك من قلبه كما يضحك الآن معها، هذه المرأة التي شدّته ملامحها، وأسرته تفاصيلها وعفويّتها، وأغرته بالكلام فأفشى بعضًا من أسراره لها، هي ذي بعد حديث بعمر سيجارتين تعيد إليه ضحكته الطفوليّة، فأيّة أحجيّة هي، وأيّ سرّ كان لها؟
فيما يضحكان بدا هو وكأنّه قد غاب قليلاً، أغرته فكرتها ربّما، أما هي فلم تكن تتوقع مطلقًا أن يأخذ كلامها على محمل الجد.
Kamel Bilal
في نهاية الأمر هو لا يعرفها، ومن الممكن أنّه لن يلتقي بها مجدّدًا بعد اليوم، أو ربّما سينسى أمر هذا الحديث وهذا اللّقاء بمجرّد خروجها من محلّه. ورغم ذلك قالت بعد لحظات صمت مقاطعة شروده:
ـ ولكنّك لم تعدني.
قال بعد شيء من الصّمت:
ـ أنا أعدك بذلك… ولا تقلقي بشأن الإلهام، فأنا أعتقد أنّي وجدته أخيرًا فيك.
لاحت على شفتيها ابتسامة عريضة، وكادت تسعد لحظتها، لولا أنّه أضاف قائلا:
ـ تُذكّرينني بأمّي رحمها الله.
أيعقل أنّه لم يرى فيّ غير شبهي بأمّه؟ تساءلت في أعماقها، قبل أن تقرّر التسلّل إلى حياته الخاصة قائلة:
ـ أحقا؟ يسعدني جدًّا أن أشبه ذاكرتك الجميلة.
بنبرة يغمرها الحزن قال:
ـ ومن أخبركِ أنّها كانت جميلة؟ منذ ولدت في هذا الوطن لم أصادف شيئًا جميلاً.
كانت الجزائر بينهما حتّى قبل أن تبدأ قصّتهما، دائمًا كانت الطّرف الثالث في حياتهما.
بفضول أنثى تريد أن تسقط القناع عن ماضيه، قالت:
ـ كلّ ذاكرة مرتبطة بالأم هي ذاكرة جميلة في حياة الإنسان، أم أنّني مخطئة في هذا؟
ـ أحقا؟… يؤسفني أن أخيّب ظنّك إذن.
ـ ماذا تعني بذلك؟
ـ للذين ترتبط ذكرياتهم عن الأم والعائلة بالحياة وبالفرح، ليس مثلي أنا.
ـ وماذا بشأنك أنت؟
ـ أحقًا تريدين أن تعرفي بشأني؟
ـ إن كان هذا لا يزعجك، فلا بأس.
ـ لا… لا يزعجني أبدًا، لكن الأمر مأساويّ قليلاً وقد يثير استياءكِ.
ـ من هذه النّاحية كن مطمئنًّا، فلم يعد هنالك ما يثير استيائي، منذ مدّة تعوّدت على اعتبار كل ما يحدث أمرًا عاديًا ويجب القبول به، ففي النّهاية لسنا نحن من نكتب أقدارنا.
كمن يعود بقطار الذّاكرة إلى زمن الطّفولة – وأيّة طفولة كانت طفولته تلك- قال:
ـ كنت في العاشرة من العمر آنذاك… كنت مع أبي، أمّي وأختي أمينة، عائدين من بيت عمّي أحمد الذي عزمنا لزفاف ابنته، كان الوقت ليلاً وقد فُرض حظر التّجول، الأزقّة خالية إلا من بعض القطط المتشرّدة التي اختارت ذلك الوقت بالذّات للخروج والبحث عن شيء تسدّ به رمقها، وربّما لتكون أيضًا الشّاهدة الوحيدة بعد الله تعالى، على فجائعي التي لم أتشاركها يومًا مع أحد.
كان بيننا وبين بيتنا بضعة أحياء، عندما طلع أمامنا ثلاثة جنود شاهرين أسلحتهم في وجوهنا، وطلب منّا أحدهم بفظاظة رفع أيدينا. أذكر أنّه كان يبدو على الاثنين الآخرين بعض الارتباك وهما يحدّثان الجندي الذي أمرنا برفع أيدينا، والذي كان على ما يبدو أعلى شأنا منهما، هذا الحقير كان واضحًا أنّه لا يودّ أن يتركنا وشأننا.
احتدّ النّزاع بينهم، ثم فجأة ودون أن أكون قد استوعبت شيئًا ممّا يحدث أمامي، رأيت أمّي وأبي غارقين في دمائهما، وتهاطلت على مسامعي صرخات أختي أمينة التي اختطفوها من أمام ناظري، وغادروا بعد أن تركوني غارقًا في ذهولي…
يواصل بشيء من المرارة:
ـ أختي أمينة ذات الستة عشر ربيعًا، اغتُصبَت لثلاثة أيّام متتالية، ثم رُميَت ليلاً على حافة الدّرج، ليتمّ العثور عليها صباحًا، وآثار التّنكيل بادية على أنحاء مختلفة من جسدها، وقد دخلت في حالة صدمة، لم تفتح بعدها فمها أبدًا لا لكلام ولا لطعام، لتموت بعدها بأيّام جوعًا وقهرا…
مازالت صورتها تعود إليّ كل ليلة وأنا أسند رأسي إلى الوسادة، بذلك الثّوب الأبيض نفسه، تقف أمامي وهي تدور في مكانها، كأنّها تحلّق من شدّة الفرح وهي تجرّبه للمرة الأولى، ذلك الثّوب الذي اجتهدت أمّي أيّامًا كي تخيطه لها، وهي لا تدري أنّها تحيك لها كفنًا لا غير.
مزّقه أولئك الوحوش عن جسدها، بأياديهم الملطّخة بدماء الجزائريّين مزّقوه.
أكان من العدل أن تكون فرحتها هي بالذّات قصيرة إلى هذه الدّرجة، وموتها مفجعًا إلى هذا الحد؟
أضاف بعد قليل من الصّمت الموجع، ودمعة جارفة كموجة تسونامي كان يكابر لإخفائها:
ـ أتظنّين أنّ هذه ذاكرة جميلة؟ أتوجد طفولة أكثر خرابًا من طفولتي؟
لم تستطع أن تجيبه، اكتفت بالصّمت، كانت تعلم تمامًا أنّ سؤاله إجابة في حدّ ذاته، لا يحتاج إلا لقلب مدرّج بالأحاسيس، ليقيس شدّة الهزّات الدّاخلية التي مرّ بها عصر طفولته…
شعرا لحظتها بتواطؤ داخليّ بينهما، هو ارتاح قليلاً بعد أن قذف براكينه الدّاخليّة الخامدة من سنين، وهي وجدت في حياته شبهًا بحياتها.
في المساء سجّل عمر في مذكراته:
اليوم فقط، ولأوّل مرّة منذ زمن، ألتقي بامرأة تجعلني أحنّ إلى طفولتي، إلى تلك اللّحظات القليلة التي تلذّذت فيها بحميميّة العائلة، إلى كلمة أمّي، هذه الكلمة التي ربّما لم أقلها منذ ثمانية عشر سنة ولم أكتبها.
لمَ بعد كلّ هذا الوقت، وعندما رأيتها ونظرت في عينيها تذكّرت بأنّي ناقص، وأني مشتاق إلى أمّي كثيرا؟
وتذكّرت كيف كنت أريد للزّمن أن يتوقف، عندما كانت أمّي تداعب شعري، وتعانقني، وتغمرني بذلك الفائض من الحنان، وكأنّها كانت تعطيني زادي من الحنان لعمر، تنبّأت غريزة الأمومة لديها أنّي سأقضيه من دونها، ذلك الحنان الذي اكتشفت فيما بعد وطفولتي تمضي على عجل، أنّه لم يكن كافيًا لأكثر من بضع دقائق…
أردت لحظتها أن أكون صغيرًا، وأن يعود كلّ شيء من جديد إلى البداية، لتُكتَب حياتي بشكل مختلف كلّيًا. لا أدري كيف شغلت تلك المرأة في تلك اللّحظات القصيرة، ذلك الجزء الناقص، وأعادت إليّ بعد عمر طفولتي، ورائحة أمّي، وكلّ شيء اشتقت إليه، بعد كلّ تلك السّنوات التي شعرت فيها أنّي وحيد، وأنّ لا قيمة لحياتي، جعلتني أشعر أنّني إنسان، وذكّرتني من داخلي أنّه ورغم كل ما عانيته مازلت موجودًا…

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

21761787_10212603199048297_570853680561478812_n

ما علق بالخاطر بعد قراءة رواية الأستاذة / هند الأوراس.

بقلم/ السعيد مرابطي . استقراء مكنون النفس البشرية يبتدئ عند تلك الحروف المتوهجة ولا ينتهي ...