الرئيسية / الرئيسية / قراءة في رواية “شياطين بانكوك” للكاتب طواهرية عبد الرزاق
20915452_300588093752622_343970535235673825_n

قراءة في رواية “شياطين بانكوك” للكاتب طواهرية عبد الرزاق

20915452_300588093752622_343970535235673825_n

قراءة في رواية “شياطين بانكوك” للكاتب طواهرية عبد الرزاق
من إعداد:
* الأستاذ: بلال لونيس
* الدكتورة: بن عباس ليندة

ساهم التطور العلمي والتكنولوجي الذي شهدته السنوات الأخيرة في إحداث طفرة غير مسبوقة جعلت معظم المجتمعات حول العالم أكثر ارتباطا من أي وقت مضى بالتكنولوجيا ووسائلها، الأمر الذي أدى إلى جعل الحياة اليومية للكثيرين مرتبطة بشكل وثيق بها بل وخاضعة لقوانينها، والفضاء الالكتروني فضلا عن كونه ساحة تواصل لا ينبغي لنا أن نتجاهل أنه كذلك ساحة خفية للصراع بين البشر وغرفة مظلمة لا رجوع لمن غاص في أغوارها حتى وإن كان على اطلاع كبير على خفاياها.
تعد الرواية (شياطين بانكوك) من أبرز الروايات الجزائرية المعاصرة التي عمد صاحبها إلى رصد المواطن الخفية لتلك الثقافة الرقمية والكشف عن البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات وكذا اطلاع القارئ على الأدوات التي يستخدمها العديد من جمهور الفضاء الرقمي لتحقيق جرائم بشعة خفية من(عصابات قتلة مأجورين، منظمات لبيع الأعضاء البشرية، عروض سادية تعرض مباشرة على شبكة الانترنت، تعدي على براءة الطفولة، وثائق مزورة، تهريب للأموال….) كل هذه الأعمال غير الأخلاقية عملت رواية (شياطين بانكوك) على الكشف عنها وفضحها للعامة الذي يجهلون كل ما يجري وراء تحت ما اصطلح بتسميته الانترنت الخفي أو شبكات التواصل خاصة ( المواقع الالكترونية).
(شياطين بانكوك) هي رواية جزائرية بقلم روائي وكاتب جزائري شاب هو (طواهرية عبد الرزاق) من مواليد1991 بسيدي مبروك ولاية قسنطينة مدينة الجسور المعلقة وبلاد العلم والعلماء، يقطن حاليا بمدينة تبسة، متحصل على شهادة الماستر في علم الاجتماع وكاتب بموقعkabbos.com، له عدة مقالات يجسد فيها الأساطير المغاربية والفلكلور الجزائري. فائز في مسابقتين للكتاب الجامع، الأولى بعنوان “صدى”، والثانية بعنوان “موسوعة المثقف”.
تمتد أحداث الرواية على طول (140) صفحة، اعتمد فيها مؤلفها على السرد الكثيف والاستبطان الذاتي والواعي لعوالم الشخصية، إذ طرح ضمن متنها عددا من الأفكار الجريئة التي تهدد بالموت المحتم كل من سولت له نفسه السير على منوالها ومحاولة تطبيقها على أرض الواقع خاصة الشباب الفضوليين لأنه سيلقى نفس المصير الذي لقيه (قيصر) بطل الرواية وهو لا يهدف من وراء ذلك لإخافة القارئ وإنما توعيته بخطورة هذا العالم الرقمي الذي يتعامل معه، ولا يعي إلى أي حد يمكن أن يصل به الأمر جراء الإدمان عليه والتدخل في سياسة مسؤوليه.
وسنحاول في هذه الصفحات الوقوف عند بعض معالم هذه الرواية وذلك لإطلاع القارئ على جماليتها شكلا ومضمونا بإيجاز لأن لكل قارئ قراءته الخاصة ومفاتيحه التي يفك بها شفرات العمل الأدبي.
1_ قراءة في الغلاف الخارجي( الأمامي والخلفي)
المتأمل لغلاف رواية( شياطين بانكوك) الذي هو من تصميم الروائي نفسه، تستوقفه تلك الصورة الغريبة التي طبع بها الروائي روايته، والتي تتمثل في صورة مخلوقات غريبة لا هي بشرية ولا حيوانية وإنما جمعت بين الاثنين معا، هي صورة لأجساد البشر لكن برؤوس أرانب، وقد طغى عليها اللون الأحمر القاتم الذي هو عادة ما يرمز للدماء و( انتشار الجريمة والسفح)، وهذا ما جعلها حاملة للعديد من مضامين الرواية، وهو ما أحدث نوعا من الانسجام بين الغلاف والنص فقد استطاع الروائي أن يختار غلافا بألوان ورسومات تفك شيفرة النص وتعكس المضمون.
أما بالنسبة للعنوان فقد جاء في أعلى الغلاف الخارجي وبخط أكبر من الخط المستعمل في كتابة اسم المؤلف ويمكن ارجاع ذلك للفت نظر القارئ وشد انتباهه، وقد وردت صياغة العنوان بلون أبيض يحيط به اللون الأحمر، ولعل في اختياره لهذين اللونين اشارة إلى فترة مأسوية دموية، محفوفة بالقتل والدماء، وأسفل العنوان أورد مصطلح(جحيم الدارك ويب) ويقصد به ذلك الجحيم الذي عاشه البطل من خلال تعامله مع الويب السفلي، وفي أسفل صفحة الغلاف الأمامي ورد مصطلح أجنبي(tor) وهو متصفح خاص بالنت الخفي، وقد وضع كلمة (رواية) وسط الحرف الأجنبي(o) كما أنه نحته على شكل حبة بصل ليظهر أن هذا الموقع شبيه بحبة البصل التي تحتوي العديد من الطبقات لابد من المرور بكل طبقة حتى نصل إلى اللب الذي هو بعيد كل البعد عن المتخيل البشري.
أما عن الغلاف الخلفي للرواية فقد احتوى نفس الأشكال الغريبة وبنفس اللون، كما تضمن أيضا صورة الروائي وموجزا عن سيرته الذاتية، وكذا بعض الأيقونات التي ترمز إلى بعض الأعمال الخفية التي تحدث على مستوى النت الخفي، إضافة إلى كلمة الناشر الذي هو نفسه الروائي والتي اقتبسها من مضمون الرواية وقد افتتح ذلك المقتبس بعنوان الرواية (شياطين بانكوك) ولكن هذه المرة باللون الأحمر فقط، لأن المقطع الذي اختراه أخذ من حادثة اتصفت كثيرا بالدموية، وقد توخى الروائي من خلال ذلك تقريب محتوى الرواية من القارئ وجذبه إليها، ودغدغة شهيته لقراءتها والتعرف على شخوصها وعوالمها، اضافة إلى ورود اسم دار النشر(المثقف)، لكن ما يثير الإعجاب أكثر في اختياره لخلفية الغلاف هو اختياره لصورة رأس طفل منزوع العينين بلون رمادي جانبه الأيسر ملون باللون الأحمر وهنا اشارة واضحة من المؤلف إلى تلك الأرواح البريئة التي تقتل وتعذب بدون ذنب لغرض الاستمتاع والمتاجرة بأعضائها والتي وردت الإشارة إليها في أحداث الرواية.
ليكون بذلك الغلاف مخلصا وافيا لكل أحداث الرواية، لقد أبدع الروائي بحق ووفق كثيرا في تصميمه تماشيا مع المضمون.
2_ قراءة في العنوان:
يظهر عنوان الرواية (شياطين بانكوك) عنوانا بسيطا لكنه مشبع بالعديد من الحمولات والدلالات، إذ أنه يحرك لدى المتلقي غريزة التأويل والبحث عن معان ودلالات لهذه الكلمات التي احتواها، وهو ما يدفع بأي قارئ إلى المضي في تصفح الرواية ومباشرة القراءة ليعرف المدلول الحقيقي لهذا العنوان المشفر، إذ لابد وأن انتقاءه لهذا العنوان لم يكن عشوائيا لأنه أراد بدون شك ب( شياطين بنكوك) أهم الشخصيات التي تركت الأثر الكبير في حياته، وقد جاء هذا العنوان على شكل جملة اسمية حذف أحد طرفيها، والمعروف أن الجملة الاسمية تحمل دائما معنى الاستقرار والثبات، وقد أراد بذلك تأكيده على صفة الشر التي طغت على الشخصيات التي تعامل معها، والطرف المحذوف في العنوان هو المبتدأ ولعل التقدير هو (هذه شياطين بانكوك)، وإبقاء الخبر لم يكن من باب الصدفة وإنما قصد من ورائه الحرص الشديد على وضع القارئ في صلب الموضوع وتنبيهه إلى أهمية فحوى الخبر الذي يريد ايصاله وتبليغه به، وكذا جعله طرفا مشاركا في نقل هذا الخبر الثقيل إلى كل من خولته له نفسه خوض التجربة التي خاضها بطل الرواية.
بالعودة إلى كلمة (شياطين) نجد أنها صفة تدل على روح شريرة قبيحة، ومبدأ عالمي للشر جاءت بصيغة الجمع (صيغة منتهى الجموع)، كما جاءت معرفة بالإضافة (بانكوك)، وهي مدينة في شرق آسيا عاصمة تايلاند، وقد اختار هذه المنطقة عنوانا للرواية لأن الأحداث الدموية والمأسوية التي لحقت بالبطل جرت على أراضيها.
3_ قراءة في المضمون:
تدور أحداث رواية( شياطين بنكوك) حول حياة شاب جزائري، طموح جدا وحالم وقع في فخ أحضان تكنولوجيا الانترنت، خاصة منتديات القرصنة الالكترونية ليسحبه ذلك العالم الرقمي دون رحمة أو شفقة بسبب فضوله الدائم، ففي البداية كان هدفه الوحيد التأكد من صحة نشاطات بعض المنظمات (خاصة منظمة القتلة المأجورين) والتي أراد فضحها بعد التأكد من وجودها فعلا وممارستها مهامها الوحشية على أرض الواقع، بنية منه في انقاذ مئات الأرواح البريئة حول العالم لتكون نهايته كرهينة بين أيدي هذه المنظمات بعد أن احتيل عليه وتم استدراجه إلى مراكز عملها، فالانترنت عالم خفي منظماته قوية وخطرة تسعى للانتقام من كل شخص تخاله نفسه قادرا على اللعب معهم وهو ما حدث مع بطل روايتنا” قيصر رزقي”.
اعتمد (عبد الرزاق طواهرية) في روايته هاته على ضمير المتكلم (أنا) وهو يسرد أحداثها جاعلا منه صوتا سرديا يروي من ورائها حكايته وهو بذلك وفر شخصية يمكن التعرف إليها بسهولة وبإمكان القارئ الشاب أن يتماهى معها.
قسم الروائي روايته إلى ثماني فصول معنونة، كما ضمن كل فصل اقتباسا مختلفا لم يكن عشوائيا وإنما عن قصد فقد استطاع من خلاله تقديم جزء كبير من مضمون الفصل لكن بشكل موجز ومكثف لغويا ودلاليا وقد عكس ذلك ثقافة الروائي الواسعة وتسلحه بأدوات معرفية وثقافية واسعة، كما وقد أتبع كل فصل من فصوله الثماني بصور( باللون الأبيض والأسود) أوجزت الكثير من الأوصاف، فقد عرف الروائي كيف يهيكل روايته إذ أورد أحداثها مشبعة بالدلالات، وذلك عبر صور معبرة صارخة تجسد دموية الأحدث.
أما من ناحية اللغة فالجدير بالذكر أن الروائي لم يستخدم اللغة العامية، فقد خلت منها صفحات الرواية واقتصر على اللغة الفصحى، كما أنه سعى إلى تخصيص لغته الابداعية ضمن اللغة السائدة التي تبرز أكثر قاموس الكلام المقتبس لألفاظ أجنبية (الإنجليزية) وتعبيرات متصلة بالحياة اليومية والوسائط التكنولوجية المرتبطة بالانترنت ووسائل الاعلام والاتصال كونه تعامل مع ظاهرة غريبة جرت أحداثها في عالم افتراضي غير مألوف في المجتمع العربي فطبيعة الموضوع هي التي فرضت عليه توظيف تلك المصطلحات الأجنبية كونها هي المصادر الأصلية للتكنولوجيا.
أما على مستوى البنية السردية للرواية فنجد أنها أثارت قضية هامة وحساسة جدا، كانت أحداثها واقعية لكن أسماء الشخصيات كانت من خيال الروائي فقد أشار إلى ذلك منذ البداية، والتي ارتكزت بالدرجة الأولى حول شخصية البطل ” قيصر” الذي كان يسرد أحداث الرواية، لتتولى شخصية أخرى في تكملة قصته وهي صديقته ” إلين” إضافة إلى شخصية ” كريستينا ” الفتاة الشيطانة، وأيضا شخصية ” بيل الأرنب” وغيرها من الشخصيات التي دارت في فلك شخصية البطل.
أما على مستوى الوصف فقد كانت الرواية عبارة عن سلسلة لوحات حاولت تصوير أماكن مختلفة انتقل إليها البطل خلال رحلته نحو المجهول، وقد تميز وصفه بالدقة والتركيز على الجزيئات البسيطة خاصة اوستوديو التعذيب.
كما جاءت أحداث الرواية متسلسة على عكس الرواية الحديثة التي تعتمد على الفوضى فقد كانت هناك بداية ووسط ونهاية.
لتذكير هذه قراءة موجزة فقط لأحداث هذه الرواية دون البوح عن كامل تفاصيلها، إذ تعد (رواية شياطين) قراءها بالكثير من المتعة والتشويق عبر تصويرها لبعض الأفكار والرؤى الحديثة التي تهدف إلى ضرورة محاربة ما يسمى بالفساد الإلكتروني وكذا توظيفها لأساليب لغوية وفنية عديدة تكشف عن معالم متفردة في مسيرة الروائي الشاب( طواهرية عبد الرزاق).
يمكن إدراج رواية (شياطين بانكوك ) للكاتب المتألق عبد الرزاق طواهرية، ضمن رواية السيرة الذاتية، كون الروائي يتحدث في روايته عن أحداث تخصه.
– من حيث عناصر الرواية الفنية، نجد أن الروائي قد وفق إلى حد بعيد في توظيفها، إنطلاقا من البيئة الزمكانية وصولا إلى الحل أو النهاية ويمكن اختصارها في النقاط الآتية:
– نجد أن الرواية محبوكة الأحداث بطريقة جيدة، كون الأحداث جاءت متسلسلة والأفكار مترابطة متناسقة.
– البيئة الزمكانية: موجودة.
– الشخصيات: موجودة ومقسمة إلى شخصيات رئيسية وثانوية.
– الأحداث: يمكن تقسيمها إلى أحداث رئيسية و أخرى ثانوية.
– الفكرة: موجودة وهي موضوع الرواية، حيث أن الكاتب قد تطرق إلى موضوع لم يتطرق له غيره من الكتاب و الروائيين وهذا أمر إيجابي قليلا ما نجده في الروايات المعاصرة التي تبنت فكرة التقليد.
– العقدة: موجودة
– الحل: موجود
– الحوار : موجود.
– الخيال وعنصر التشويق: موجودان.

– تنوعت أساليب الرواية الفنية بين الخبرية والإنشائية حيث أن الراوي وظف الأساليب الخبرية لنقل الأحداث ووظف الأساليب الإنشائية وخاصة الاستفهام والتعجب لإبداء الدهشة والحيرة وتشويق القارئ ووضعه في قالب الأحداث.
– نجد أنّ الكاتب قد وفق في توظيف الصور البيانية والمحسنات البديعية التي أضفت على الرواية رونقا وجمالا رائعين، فكانت مناسبة بعيدة عن التصنع والتكلف.
– اللغة سليمة وبسيطة بعيدة عن التنميق اللفظي.
ملاحظة: لقد عمدنا الاختصار في قراءتنا هاته، حتى نترك للقارئ فرصة اكتشاف أحداث الرواية بنفسه وعدم حرمانه من المتعة والتلذذ قبل قراءته لها.
الدكتورة: بن عباس ليندة
الأستاذ: بلال لونيس

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

1_976864_culture

شعرية البوح في رواية “سأقذف نفسي أمامك”

شعرية البوح في رواية “سأقذف نفسي أمامك” للفقيدة ديهية لويز عبدالله المتقي بداءة ، وللحق ...