الرئيسية / الرئيسية / سؤال الطفولة في رواية “حضرة الكولونيل أبي” / بقلم:أ.فايزة دبيش
17553896_1625101757506863_3343017967280418665_n

سؤال الطفولة في رواية “حضرة الكولونيل أبي” / بقلم:أ.فايزة دبيش

سؤال الطفولة في رواية “حضرة الكولونيل أبي”
فايزة دبيش / جامعة البويرة :
ملا حظة : المداخلة ألقيت في اليوم الدراسي حول: الطفل والطفولة في المتخيّل السردي العربي دراسات في الرواية الجزائرية المعاصرة بكلية الآداب لجامعة محمد بوضياف / ولاية المسيلة
يوم: الاثنين 13/ 03/2017

ملخص:
“حضرة الكولونيل أبي” عمل سردي يحكي ما تبقى أو بالأحرى ما استقام من مشاهد من السيرة الذاتية لوالد الكاتب الذي كان ضابطا ساميا في البحرية الجزائرية ، ترصدها أو لملمت شتاتها ذاكرة طفل قابع في مخيال بل في الوجود الذاتي للروائي رفيق جلول. كان الطفل فيها هو البطل السارد الذي نتحسّس فيه وعيا عميقا وإدراكا لواقعه و لذاته، عبر سرده التاريخي لتفاصيل طفولته وعلاقته وكل ما يعرف عن حضرة الكولونيل أبوه (العقيد الراحل أحمد جلول).
الكلمات المفتاحية: الطفولة / الأبوة/ الإبداع / رواية السيرة الذاتية
طبيعة الرواية:
عادة ما تعرف السيرة الذاتية بأنها سرد حياة فرد كتبها هو بنفسه، غير أن رواية السيرة الذاتية لا تتطلّب الكثير من التدقيق ككتابة التواريخ مثلا وضبط ترتيب الأحداث..، ثمّ إن الروائي فيها يسرد ما يشاء من سيرة حياته ويضمر ويخفي كذلك ما يشاء ..وهي تأتي في قالب سردي محبك.
وقد ميز الباحث جان بويون في كتابه ” الزمن والرؤية” بين شكلين للسيرة :
أ‌- الذكريات( (souvenirs: التي يعمل الكاتب جاهدا على أن تكون” مع” ما هو عليه.
ب‌- التذكارات (mémoires): التي يعمل الكاتب جاهدا على أن يعيد رؤيتها، ليحكم عليها ليحققها، ويجادلها، وهذا يفترض أن ينشطر عن ذاته، وينظر إليها “من الخلف”
ومنه يمكن أن نعتبر أن هذه الرواية تندرج ضمن الشكل الأول ( الذكريات)؛ حيث نجد أنها عبارة عن سرد لذكريات الكاتب عن طفولته وعلاقته بأبيه معتمدا فيها على طريقة الحكي التقليدي. جاءت في خمس وعشرين جزءًا، استقى الكاتب مادتها مما حُكي له من طرف مقرّبيه ( جدّته ووالدته) وأصدقاء والده وبعضها استدعاه من ذكريات طفولته لملء فضائه النصّي. و قد قصد بها الروائي رسم حياة والده بشكل يخلّده فيه، فكان ذلك هو الهدف من كتابة هذه الرواية.

الطفولة والإبداع:
تمثّل الطفولة مرحلة حاسمة في حياة البشر ومادة دسمة للإبداع بما تحمله من خبرات وطموحات وتطلّعات وعقد تشكّلت فيها، ومعروف أن “أشدّ الفترات حسما في توجيه الإنسان في المستقبل طيلة عمره هي سنوات الطفولة”
يظهر جليا في ثنايا الرواية وفي محطات كثيرة ونحن نقرؤها أن الهاجس وراء كتابة رفيق جلول لهذه الرواية أو حتى وراء استمراره في فعل الكتابة هو موقف والده من موهبته في جملة قالها له لما كان يلقي عليه ذات يوم بعضا مما كتب: ” المهم أن تكمل طريقك”
اعتبر رفيق جلول هذه الكلمة وصية من أبيه له ،وهو يعترف بأنه كان لزاما عليه وهو الذي يحبّ والده ويحفظ ذكراه ويحاول تخليد اسمه أن ينفذّ تلك الوصية، قائلا:
” كان يقول لي: ” المهم أن تكمل طريقك”، وكأنه بهذه العبارة كان يوصيني، وأن الآن أنفذّ ما أوصاني به”
فتجسّد السبب الحاسم في إكمال رفيق مسيرته الإبداعية في حقل الكتابة، كنوع من الوفاء لإحياء ذلك الطفل الموهوب الذي كان يحبّه والده فيه:
” كان يحبّ فيّ الطفل الموهوب الذي يكتب ويقرا الكتب،(..) كان يبتسم كلما قرأت عليه ما كنت أظنه شعرا،”
كما نجد أن الكتابة شكّلت لرفيق نوعا من العزاء فهو الابن الذي يتمنى أن يمثّل أباه أحسن تمثيل وكان يخشى بل يرى أنه فشل في تحقيق ذلك:
” فرحت جدا لأني ابنه البكر ولكن كم يحزنني أني لم أمثله أحسن تمثيل في تحصيل مختلف العلوم، وما يعزيني أني أكمل طريقي في موهبتي كما كان يشير إليّ ”
ويقول: ” العلم كان همّه ولكني للأسف أدركت هذا متأخرا، واليوم أعترف بخطئي الأبدي في حق أبي، صعب جدا أن أنطق بشيء يجرحني كلما تذكّرت أني خذلته يوما في تحقيق أمنياته، وهذا ما يجعلني أفشل في كلّ محاولة جادة لتحصيل العلم الذي كان يتمناه لي، وربما ما يعزيني أني أكتب ابتعادا عن هذه الحقيقة التي لا أدري إن كانت ستزول يوما .بقي هذا الخذلان متربعا على عرشي ولا يزال، ولا أعتقد أنه سيذهب يوما أو يزول.”
ثم يقول في موقف آخر محاولا تبرير الأمر لنفسه في عدم نجاحه في تحصيل العلم وتحقيق ما كان يرى أن أباه كان يتمناه منه قائلا:” لم يكن يطلب مني أن أكون عالما، ولكن أعتقد أنه بينه وبين نفسه كان يتمنى أن يكون له إبن يتكلّم عنه.”
وقد كان لرعاية وتشجيع الوالد لموهبة الطفل الأثر الظاهر والمفعول القوي في لاوعي الطفل وفي تحديد مصيره وملامح تجربته في الكتابة،” ولأن أبي هو من كان يشرف على موهبتي في بدايتها” وهذا ما جعله يتبنى مقولة جوته، ويثبتها في تجربته هو، فيقول:
” لم يخطئ جوته في قوله ولم أخطئ حين فكرت في كلامه، أن “الأب هو الشخص الوحيد الذي لا يحسد ابنه في موهبته”، أحسّ أنّ أبي هو من يحفزني لأكتب أكثر” .
وقد تجسّد الهدف من كتابة هذه الرواية في هاجس تخليد ذكرى الأب الذي صاحب نفس الطفل – رفيق- وقد عبّر عن ذلك في هذه الرواية وفي مواقف كثيرة أبرزها ما كان في الصفحة25 لما قال:
” صعب جدا أن تكون الإبن البار لأبيك والكاتب الذي يخلّد ذكره،(…) صعب جدا أن تمارس هوايتك وتبكيه أحرفك،والأصعب أن تكون الإبن الذي يستقيل من قلمه دون ذكر أبيه وخاصة إن كان هذا الأب مثل أبي.. ”
وكان خوفه من عدم النجاح كذلك في تخليد ذكراه في التعبير له عن حبّه عبر هذه الرواية هاجسا أكبر يراوده فيقول:
” أنا هنا أكتب عن أبي ولا أدري إن كنت سأنجح في تخليد ذكره أم لا.” .
ويعتبر أنّ اللغة مثلما تخوننا في التعبير عن مشاعرنا تجاه من نحبّهم، تخذلنا في الكتابة كذلك:
” اللغة تخون صاحبها عندما يفكّر في الكتابة عمّن يحبّهم سواء كانوا من قريب أو من بعيد، فما بالك بالكتابة خصيصا عن أبي؟”

علاقة الإبن/ الأب:
وردت ألفاظ الطفولة (طفل- طفولتي- أطفال…..) أكثر من 60 مرّة في ثنايا الرواية، ناهيك عن ألفاظ أخرى من مشتقاتها، كما تكرّرت لفظة الأب في الرواية أكثر من عدد صفحاتها، وتحسن الإشارة كذلك إلى غياب ملامح الأم عن النص بشكل ملفت للانتباه، ممّا يجعلها في المقابل رواية تطرح مسألة الطفولة في علاقتها بالأبوة.
سؤال الطفولة في علاقتها بالأبوة في هذه الرواية يبدأ من عنوان الرواية؛ حيث “يعد العنوان من بين أهم عناصر المناص ( النص الموازي) ” وإذا كانت العناوين كما تعتبر يمنى العيد ” تشكّل بصفة عامة، مفاتيح ترشد إلى الأبواب التي يمكن الدخول منها إلى العالم الذي تعنون” . فقد جاء هذا العنوان ليعلن لنا عن تلك المفارقة في العلاقة بين الطفل/ الأب ” حضرة الكولونيل أبي” حيث أننا نرى أن ما يشير إلى علاقة الطفل و الأب في هذه العلامة الخارج -نصّية هي ياء النسبة في لفظة ( أبي) ، فنحسّ بأننا أمام كولونيل أب، وليس أمام أب كولونيل، من هنا يبرز جدار العلاقة بين الابن وأبيه، ويتجلّى ذلك في مقاطع نصّية نذكر منها:
” كان أبي كلما رافقته خارج البيت لا يحكي ولا يتكلّم، كان الصمت جدارا بيننا، يعزلنا عن بعض، ربما أجعله يتكلّم كلمة واحدة أو يبتسم،.. لا يتكلّم إلا للضرورة”
وقد كان لطبيعة عمل الأب ( عسكري) وغيابه المستمر عن العائلة، دور كبير في حدوث الجفاء في علاقته وابنه، ونجد الروائي يعلن انزعاجه من ذلك في عدة مواقف، نذكر منها:
” تعلّق أبي بالأرض وكانت جزءا من همّه في عمله، فحماية الأرض أيضا من الإيمان، دفع عنها الإرهاب بأعزّ ما يملك.. ولده، نعم كان يترك أطفاله من أجل حماية الأرض، وهكذا فعل طيلة حياته إلى أن مات” .
” هذا الأب الذي لم أر منه شرا طيلة حياته رغم قصر المدة التي عشناها معه، (..) سنوات من الغربة والوحدة والشوق الجارف بين الأب والأبناء، مع برودة الوقت والظروف الصعبة..”
“.. ولا أخفيكم أن الموضوع ذكّرني بطفولتي المنتهكة من قبل عمل والدي الذي كان يضطر للغياب لأشهر عنا..”
كما نجده يلعن الواجب والوطن وعمل والده معتبرا إياه سبب إصابة والده بالمرض اللعين ووفاته وبالتالي غيابه دون عودة كطفل لم يجد بعد تفسيرا مقنعا لما عاشه و عاناه من غياب أبيه، فهو لا يحقد على الوطن كما تظهره كلماته وإنما هو يلعن الظروف والمواقف التي جعلت أباه يبتعد ويغيب. قائلا:
” هذا الأب العظيم الذي مرض بسبب واجب وطني، تبّا للواجب وللوطن الذي مات من أجله أبي، تبّا لهذه الحياة التي جعلت منّا يتامى باسم الوطن والبلاد.. تبّا لكل الظروف التي يتكلّمون عنها..”
ويقول ” ما حدث أن أبي قدّم قربانا للوطن باسم التضحية وشعارات أن ” حب الوطن من الإيمان” الذي حمّلوه لنا، لكن إيماني بعيد عن.. وطنكم الذي مات من أجله أبي.”
ربما لم تكن الطبيعة العسكرية للأب السبب الوحيد في نشأة جدار العلاقة بين الطفل وأبيه، وإنما يعود ذلك إلى نوع من التقليد الراسخ في ذات الإنسان الجزائري. فعلاقة الطفل بمن هم أكبر منه حتى والديه مبنية على الاحترام، وعدم تجاوز حدود عالم الكبار، وإن كان تجاوزا إيجابيا – إن لاق التعبير- كالتصريح بالمشاعر مثلا تجاه من نحبّهم.
يعتبر فرويد أن “حبّ الطفل لوالديه هو بلا شك أهمّ أثر من آثار الطفولة” والروائي في هذه الرواية يذكر في أكثر من موضع ندمه لأنه لم يصرّح لأبيه بحبه له فيقول:
” أنا أحبّ أبي لا أكثر، الحب هو أن أحس به، ندمت لأني لم أقل له أحبّك، وندمت لأني لم أصرّح بمشاعري له، وحتى هذا اليوم لأوّل مرة أحسّ بالعجز، عجز أن أصف لكم هذا الحب”
وفي مقام آخر يقول: ” ليس من السهل أن أصف لكم حبّي لأبي، وصعب جدّا أن عليه أن يدرك هذا على الأقل في الوقت الراهن وبعد فوات الأوان.”
ويقول أيضا:” ..عندما أذكره في كل مجلس بمحبة وسوف تترقرق دموعي شوقا إليه، بعيدا عن هذا الزمن لكي أعود إليه..إلى زمن طفولتي كي أقول له: أحبّك أبي.”
ثمّ يستذكر موقف اليمامة بنت كليب التغلبي ليتناص معها في قولها لشيوخ القبائل أيام حرب البسوس (أريد أبي حيّا) فيقول:
“.. لقد قالت أريد أبي حيا، نعم أريد أبي حيا فقط لأقول له: أحبك لا أكثر، هذه الكلمة التي عجز عنها لساني اللعين عدة مرات وفي عدّة مواقف، أحبّك أبي، كانت أكثر عبارة عجزت عنها وأكثر عبارة خانتني فيها لغتي..”
ويصف كذلك الموقف الصعب الذي نعيشه أثناء التعبير عن مشاعرنا تجاه من نحب، حينما نودّ قول لهم ذلك، ويستصعب علينا الأمر، كم تنحسر الكلمات وتضيق بها المخارج حينها:
” ..كلمة رأيتها صعبة رغم بساطتها ” أحبك”؟ مات أبي ولم أقل له: أحبّك.” .
من هذا الإحساس ، إحساس العجز عن التعبير لم يتحرّر الروائي رفيق جلول وربما هذا ما جعله يكتب روايته هذه ، ربما كان يريد بها ما عجز عنه لسانه في قول أحبّك أبي، لكنه ومع ذلك يعتبر الأمر في النهاية متأخرا وعادة ما يأتي متأخرا لا يحمل قيمة المعنى ذاته، فنجده يطرح ذلك الهاجس في آخر الرواية بقوله:
” مستحيل أن تعود وتقول له: أحبّك أبي، تمنيت أني قلتها في تلك الفترة، واليوم لا أدري ما معنى أن أقولها، تأخّر الوقت كي أقول: أحبّك أبي.”
نلاحظ أن هذه الرواية شكلت نوعا من التعويض عن عدم بوح الإبن عن مشاعره، فماذا لو لم يعجز الطفل عن التعبير عن حبّه لأبيه، هل كان سيكتب هذه الرواية ليقول له : أحبّك أبي؟؟
الجدير بالإشارة أن كل ما ذكره في وصف الأب، وفي رسم صورته وفي رصد المواقف التي كان الطفل رفيق شاهدا عليها هو أو حتى التي ذكرت له من قبل جدته أو أمه أو حتى أصدقاء والده، تمثّل الجانب الإيجابي والمثالي في شخصية الوالد، فلم يحدُث في ثنايا الرواية أن ذكر شيئا يشير إلى الوجه الآخر لأبيه، والغريب أنه حتى حين كان والده يبتعد عنهم لظروف العمل لم يلق اللوم على والده وإنما على طبيعة العمل وإن كانت مقدّسة. وهذا يمثّل ذلك النوع من التماهي في شخصية الأب، فهل كان هذا لأنه لم يكن يحتك بأبيه بحكم طبيعة عمله كعسكري ؟ أم أنّه تعمّد فقط ذكر الجوانب الإيجابية والمثالية في شخصية الأب لكي يحسُن له بذلك تخليد أبيه وذكراه في عمل خصصّه لذلك؟؟.
فجاءت هذه الرواية لتكسر قاعدة العلاقة بين الابن والأب، حيث ما يبرز في هذه الرواية اختلاف صورة الأب لدى الكاتب عن معظم الروايات الجزائرية الأخرى خاصة روايات السير الذاتية، فمن النمطي أن صورة الأب تعطي صورة سلطوية وقاسية على الابن، ولكن كاتب هذه السيرة الذاتية الأبوية؛ مثّل لنا صورة والده أسطورة مثالية وشخصية عظيمة.

الطفولة و العشرية السوداء:
كان لتجربة العنف التي عصفت بجزائر التسعينات من القرن الماضي الدور الكبير في التحوّلات التي طرأت على فضاء الحياة الجزائرية على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية و الثقافية.. ،فشكلّت ثيمة العنف ومعاناة المجتمع الجزائري مادة أساسية لأغلب الروايات الجزائرية .
لقد صوّر لنا رفيق جلول في فضاء سردي صادق وعميق شيئا من الأثار النفسية لتلك الأزمة على الإنسان الجزائري و العائلة الجزائرية رجالها ونساءها وأطفالها..، من خلال وصفه لمدى معاناته هو كطفل أبوه بعيد عنه، يعمل على الحفاظ وضمان الأمن في سنوات اللاأمن، كم كان موقف الطفل هنا مؤلما وعصيبا وهو وعائلته ضحية الخوف على والده منتظرين عودته سالما في كلّ مرة يأتي إليهم يقول:
” ..كنت أخاف أن تمسّه رصاصة طائشة من قبل جاهل لا يعرف الإنسانية ولا يشعر أن هناك طفلا في البيت ينتظر أباه. أذكر جيّدا في إحدى ليالي 1994 وطنًا قد علمنا بأن أبي سيحل علينا تلك الليلة بعد أن يصل القطار على الساعة الثامنة ولكن تأخُر القطار بجبال ” عين الدفلى”، كسر كل توقعاتنا الإيجابية فزرع فينا هواجس الموت والغياب. في تلك الليلة سمعنا صوت رشاش (..) يدوّي بكلّ قواه فاهتزّت نبضات قلوبنا رعبًا، وتوجسنا خيفة، إذ كانت أجسادنا ترتعش، ونحن نفكّر بأن أبي ضحية ذلك الصوت المشؤوم. بعد لحظات أطلّ من شرفة غرفتي(..) ومع ذلك الظلام الدامس، رأيته يبتسم معبّرا عن استمراره في الحياة.”
ويقول في موقف آخر معبّرا عن الاحتمال الذي كان مسيطرا على تفكيره وعائلته حول اغتيال الوالد الذي كان يعمل عسكريا في بؤر الصراع في مدينة وهران:
“.. ولا أخفيكم أن الموضوع ذكّرني بطفولتي المنتهكة من قبل عمل والدي الذي كان يضطر للغياب لأشهر عنا، ربما في سنّ العاشرة كان لدي حظ سعيد في انتقالنا من العاصمة إلى وهران لنسكن ببيت قريبا من عمله، وربما كان ذلك خلاصنا من هاجس اغتياله على يد الفيس”
كما يسرد لنا رفيق – الطفل معايشته ككل جزائري طفلا كان أو شابا …. سنوات الفتنة والدم وهو يصوّر لنا مشهد من مشاهدها المتكرر في يوميات الجزائريين، التي كانت نواقيس الموت لا تكفّ عن بثّ الرعب والخوف في وطن كادت الفتنة أن تقضي عليه:
” مرة وأنا بميسوني رأيت أبشع مظاهرة في حياتي من قبل رجال الفيس، جعلتني أشعر بحقد نحوهم، (…) كان الخوف مسيطرا علينا نحن آل البيت الصغير، كنا نرتعش وأبي في الأميرالية يعمل والهاتف الثابت آنذاك معطّل لا يعمل”
“..حينها قررنا الانتقال نحو ” عين بنيان” والتي رأينا فيها موتا مباشرا لمدة أربع سنوات كاملة من الخوف، كان خوفنا على أبي – من القتل- سيد أيامنا.”

آثار الاستعمار على الطفولة:
لقد جاءت هذه الرواية لتقول شيئا بسيطا مما فعله الاستعمار بحق الطفل الجزائري، عمّي محمود اليتيم المجهول الأب، والذي كان يعتقد أنه لقيط، وأنه ابن لعسكري اغتصب أمّه:
” هل تعرفون معنى أن يولد طفل دون أن يعلم من هو أبوه؟ إن كان الشهيد الذي ينتسب إليه بآريس أو ذلك العسكري الذي اغتصب أمّه يوما؟”
” لا أحد يعلم وقتها كيف خرج من رحم أمّه، (..) يولد طفل دون أن يعلم من أبوه . أمه رحلت عنه وتركته، وأبوه الذي نسب إليه استشهد في ساحات المعارك، بعد الاستقلال عادت والدته لتخبره أن أباه الذي استشهد وأنها اغتصبت وهي حبلى منه في شهرها الخامس”
” كان العم محمود في الثامنة من عمره طفلا أميّا (..) كان راعيا عند عمه الذي يستغلّه ويضربه وآخر المطاف زجّه في الوادي بآريس بعدما ضاعت منه مواشيه”
يحكي العم محمود معاناته من كل من كان يحيط به ويعرفه على أنه مشكوك في نسبه بين مستعمِر ومستعمَر، بين شهيد وبين جندي فرنسي وضيع، ومن القسوة المعلنة للعم تهامي – الذي رباه والذي حاول قتله في النهاية- ذات لقاء لرفيق فيقول:
” عدت إلى البيت ليلا دونها حافي القدمين كما أطلقني بين حجارة الجبال وأشواك الأعشاب الضارة، كانت قدمي تسيل دما وتئن ألما وأنا ذلك الطفل الصغير، كنت أبكي خوفا من ضرب ” عمي التهامي”، ولكن فعله كان أقسى من الضرب، أخذني إلى سفح جبل ورماني بالوادي لأموت وينتهي مني للأبد..”
ربما لم يكن العم التهامي سيكون بهذه القسوة على طفل لولا أنه يعتقد أنه لقيط وابن جندي فرنسي اغتصب أمه، انقضى زمن الاستعمار وآثاره لما تزل عميقة حتى الأطفال لم يسلموا منها.
لقد أثّر الكلام الجارح على العم محمود والقسوة التي لقيها حتى من أمّه التي تركته -” أمّي قست عليّ و تركتني لتعيش حياتها”- على مستقبله وحياته من بعد فقد تزوجّ ثلاث مرّات وفي كل مرة ينفصل على زوجته السابقة -” لا أحد يدري ما مشكلة عمي محمود مع النساء” – وأنجب منهن أطفالا تركنه في الأخير يكمل حياته وحيدا؛ إلى أن توفي دون أن يعلم به أحد.

خاتمة:
إن ” حضرة الكولونيل أبي” نص الطفولة بامتياز؛ أهم ما يبرز فيه هو ذلك الحضور الكثيف للأب، الذي هو محور الكتابة، بل ومصدر الإلهام، مثّل فيه الأب أسطورة ورمزا – حتى لا أقول سرّا وغموضا – حاول الطفل مرارا الاقتراب والتعرّف عليه أكثر، مستعينا بما تحمله ذاكرته وذاكرة كل من كان على صلة بوالده ( جدته- عمي محمود- والدته..) من هنا فهي رواية تحتفي بالأب وصورة الأب بعيون ابنه، مجسّدا هذا النص عالما سرديا نلمس فيه الكثير من البراءة والصدق في الحكي والتصوير فالرواي هنا طفل لم يكبر بعد.وكان يعتقد أن أباه “هو أحد الأبطال الذين لا يموتون في آخر القصة.”
” مات أبي وأنا لم أكبر بعد، … لأبقى ذاك الصغير الذي يحتاج لأبيه في كل المواقف، وفي كل درب من دروب الحياة بأفراحها .. وأتراحها”

الإحالات:

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

20915452_300588093752622_343970535235673825_n

قراءة في رواية “شياطين بانكوك” للكاتب طواهرية عبد الرزاق

قراءة في رواية “شياطين بانكوك” للكاتب طواهرية عبد الرزاق من إعداد: * الأستاذ: بلال لونيس ...