الرئيسية / سرديات / أصوات جديدة / فصل من رواية : ليليان / فاطمة الزهراء بوخديمي
16864280_674745642712742_5779051947169722232_n

فصل من رواية : ليليان / فاطمة الزهراء بوخديمي

16864280_674745642712742_5779051947169722232_n

جلست أنظر إلى تلك الهمجية العميقة، إلى ذلك الكمّ الكبير من القسوة في وجه أمّي، متسائلة لماذا تحاصرني،ما الذي يدفع امرأة مثلها لتقصّ شعري وتغتال أنوثتي ؟
– على صوتك أن يكون غليظا كصوت أخيك يا ليلى.. أفهمتي؟
فهمت يا أمّي …
كنت بحاجة إلى عشريتين ومساحة جديدة في عقلي لأدرك دوافعها، ما كانت تخفيه أمّي وقتها كان مرعبا إلى حدّ لا يطاق، أمّي في نهاية الأمر لم تكن امرأة متوحشّة ، قلبها طالما عانق رقّة لا مثيل لها، كنت أدرك ذلك بشكل ما، لكنّني لم أستطع سحبها منها إلاّ و قد كان الفراق واقفا عند باب الحياة منتظرا يحفر قبرها.
الموت كان أحيانا أكثر الأشياء التي أبغضها و أحيانا أخرى كان وجها من أوجه العدل التي يقتصّ بها الله، كنت كلّما تذوّقت من أذية أحد ما إلاّ و قلت “الحمد لله الذي ساوى بيننا بالموت” … و عندما يموت كنت أردّد، الآن سأطلب من الله أن أعيش طويلا وعليك انتظاري في قبرك لأصفح عنك، و أثناء ذلك، فلتحترق، لن يغني عنك مالك ولا سلطانك.
أمّي كانت ترسلني إلى المدرسة بشعر قصير و صدر ملفوف و صوت خشن، مشية ذكورية إلى أبعد حد، وحبّي لكرة القدم زادها ثقة بأنّ ما تفعله به هو عين الصّواب.
في حقيقة الأمر ما أقدمت عليه أمّي كان جريمة في حقّ أنوثتي التي دفعت لاحقا ثلاثين سنة من عمري أحاول استرجاعها دون جدوى إلى اليوم الذي التقينا فيه أنا و”كارل”.
أذكر أنّها لمرّات عديدة جمعتني و أخوتي حول قارورة غاز، بيدها ولاّعة، نجلس في صمت، لا ضوء ولا صوت ولا حركة، كان السّواد كطوفان يغرقنا و يضربنا ببعضنا بعض، نرتطم بقوّة ، كانت أمّي تلاحظ لكنّها أبدا لم تتكلّم، تلك من نوادر الأيّام التي تهدينا فيها صمتها، فأمّي امرأة صاخبة.
تلك كانت لعبتنا الغريبة و المفضّلة في آن، ليس إلاّ لأنّها تثير فضولنا، لماذا نخرس؟ كيف نبدو في الظلام الدامس؟ ولماذا كلّما لعبنا تحت جنح اللّيل ترتجف يد أمّي؟
أهمّ ما كان يجول في بالي وقتها، لماذا يصرخ جيراننا؟ هل يخشون الظلام؟ أم أنّهم لا يحفظون قواعد اللعبة مثلنا، سألت أمّي أن ترسل لهم ولاعة أبي التي يخفيها في درج خزانته، لدينا اثنتين و سيكون من الجميل لو لعبنا جميعا…
– أتحسّس يد أمّي تمتدّ ببطئ و شر إلى شفتي، تقرصها فأخرس.. لعلّي قلت شيئا سيئا..
في حقيقة الأمر، ما كنت أعتبره لعبة ، كان في قلب أمي مأساة حقيقية، وصراخ جيراننا لم يكن لعبة هو الآخر، بل كان فزعا، كان الموت ما يحاصرنا في النهاية، حدّ السكين وهو يجهز على رقابهم يدفعهم للصّراخ بددا، لم ينقذهم أحد، كان الجميع يحكّ رقبته و يتحسّس طريق الخناجر متسائلا إن كان بوسعه أن يطيقها، أو أنّ تفجير نفسه و أبنائه بقوارير الغاز سيشعل ربّما حطبا من لحوم هؤلاء المتوحشين، ليشعر الوطن بالدّفء أخيرا.
هذا ما كانت أمّي تفعله بنا، كانت تجمعنا ليوم كهذا، لتقتلنا جميعا و تقتلهم ويحترق الحب و الكراهية معا لينتهي البرد المسلط على الوطن، الموت أهون من المذلّة،لم تكن أمّي لتسمح لأحد منهم أن يمدّ يده على أجسادنا، ففي المجتمعات الشرقية، الاغتصاب فظاعة لا ترقّع.
عندما يقتحم الإرهاب قرانا تجمعنا أمّهاتنا حول قارورة الغاز لتفجّر الجميع دفعة واحدة، قصّ شعري و لفّ أثدائي كلّه كان لتقيني بشاعة الاغتصاب، كان هؤلاء حين يتزاحمون على غنائمهم النسائية الواحد تلو الآخر، همجيّة منقطعة النظير ربما لم تخطر حتى على بال صنّاع الأفلام الأشدّ رعبا في العالم.
عندما كانوا ينتهون من سبيّة من سباياهم، كانوا يربطون جسدها إلى جذع شجرة و تسحب كل مجموعة منهم أحد ساقيها من جهة ليفرغوها من ذاتها… ربّما من لحمها، من دمها من عظامها، ذلك أنّ روحها قد حملت أشياءها و غادرت في اللحظة الأولى التي تلت وقوفهم بباب بيتها حتى قبل أن يلمسوها.
حتى هذا الموت كان في عين المجتمع أرحم من رجوع السبايا إلى قراهن… فالعار الذي ولد لصيقا بالمرأة لا يشفيه رجوع إلى حضن الأسرة ولا يمحوه عمر كامل من البكاء.
لا توجد خطيئة قابلة للشفاء في هذا الوطن، ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تكون المرأة ضحيّة، من تقع في فخّ العار لا بدّ أن تبقى فيه إلى الأبد أو أن تخرج منه جثّة،كي يسع البعض أن يبكيها دون حرج،فالمرأة التي تتعرض للاغتصاب لابدّ أن تموت أو أن تعيش كذكرى.
الموت هو الشفاء الوحيد عندما تخطئ المرأة و حتى عندما يخطئون في حقّها.
لسنوات استثمرت أمّي في الخوف من العار لتحمي لحمي من الانتهاك، لتهديني بلا شوائب لرجل ربّما لن يهتمّ بتفاصيلي ، لن يسأل عن زهرتي المفضّلة، لأنّه لن يهدنيها ، و لن يبحث عن أجمل رواية قرأتها لأنّه لم يفتح كتابا قط، يكفيه أنّه رجل لا يعاب إلاّ بجيبه الفارغ.
احتاجت أمي عمرا لتفهمني.
كأنّ الثمانين سنة التي مضت لم تمض، أشعر أنّ طيف أمّي مازال حاضرا، تطاردني أشيائي القديمة أكثر من الحاضر، لعلي على عتبة الموت أقف، يقال أنّ الإنسان حين يقترب أجله، يقترب ماضيه منه، يجعل ينادي موتاه، يبحث عن الذين غادروا، ربّما ليؤنسوا وحشة قبره.
أتذكر فيودور دويستوفيسكي الروائي الروسي، عندما طلب ذر بعض فتات الخبز على قبره، فتأكله الطير و تغنّي حتى لا يشعر بالوحدة، أظنّني سأفعل مثله، فالموت موحش.
أوّل لقاء لي بالموت، كان لقاء في منتهى المرارة، في العاشرة من العمر، تجهّزت للمدرسة رفقة أخي الذي يصغرني سنة واحدة، لكنّه كان منتبها لما يحيط به أكثر منّي، أنا على العكس من الجميع، كنت أعيش في عالمي الخاص، ما جعلني في أعين الآخرين و أوّلهم عائلتي، طفلة ذات تأخّر عاطفي و نفسي كبير.
وقفنا بشرفة المطبخ نطلّ على عالمنا الصّغير، لتسحبنا منه جارتنا، “ليلى ،عمر ” ، اذهبوا من الجهة الأخرى للمنزل و انظروا لقد قاموا برمي جثتين تحت النافذة…
ذهبنا…
– ألقيت بنظري إلى حيث الجثة الأولى، لأوّل مرّة أنظر إلى رجل شبه عار، ملقى على صدره، لحمه المتّسخ، أثر التعذيب و سكّين مرّت من الوريد إلى الوريد، بيني و بين نفسي فكّرت في نذالة هؤلاء، تركوا الخاصرة لتختصر بشاعة العار الذي أرادوا أن يجعلونا نشعر به حين ننظر إلى رجل عار.
الجثّة الثانية كانت أبعد بقليل عن نافذة بيتنا، لذلك لم تكن آثار الموت و التعذيب واضحة تماما، لكنّه كان رجلا ملقى على وجهه.. الجبناء لا يقتلون وجها لوجه.
ما حزّ في نفسي اليوم أكثر من الموت، هو أن يكون المجتمع الذي عشت فيه مفلسا من جميع النواحي، جيوبه الفارغة لم تكن أحسن حالا من ضميره ، كيف لامرأة في منتصف الأربعين أن تخبرني و أنا طفلة في العاشرة، بأنّ هناك جثثا تستحقّ أن أنظر إليها، فتحفر في رأسي مكانا سيبقى يحتلّني إلى الأبد، خمسة و سبعون سنة و الصّورة لم تفارق ذاكرتي.
فوق الموت، يركب الفقر ظهورنا ليحنيها، الوجع يحاصرنا من جميع جوانب حياتنا، بؤس الأيام وهي تمضي صامتة كان يحرق قلبي، فأنا كلّما نظرت إلى أخي وهو ينتظر عودة أبي من العمل مساء لينتعل حذاءه، ذلك أنّه لم يكن بوسعه أن ينفرد كأقرانه بواحد له، كان القهر يقطّعني، هذه الصّور التي تظلّ عالقة بالذاكرة،من أخبرنا بأنّ النسيان نعمة؟ أظنّه لم يجرّب بؤسنا لذلك استطاع أن ينسى.
كان الفقر وجها آخر للمأساة، فأمّي التي أمضت سنوات من عمرها أمام ماكنة الخياطة، ترقّع شفاهنا لنبتسم،كانت امرأة في منتهى الجمال و التعاسة، أبي المغلوب على أمره كان رجلا ذكيّا و مثقّفا،حتى أنّه فاز بمنحة لإنهاء دراسته بألمانيا، لكنّه تنازل عنها ليعيل أمّه و أخوته، لم يكن أكبرهم، بل كان طفلا كالآخرين، الفرق الوحيد أنّه كان يحمل في محفظته الألم بدلا من الكراريس.
المال لا يصنع السعادة لكنّه حتما يشتري راحة البال، إنّه يجعلنا أكثر هدوء، فالفقر كما عشته أنا، كان أوسع الأبواب التي فتحت للغضب، طالما انتهك الصّراخ و العنف لحومنا و قلوبنا بسبب الجوع.
أمّي التي كانت تجبرنا على المشي أميالا، حتى لا تدفع خمس دنانير عن كل رأس من قطيع الأبناء الذي تسوقه إلى البيت، حذائي الذي تمزّق فوق جلدي، لأنّه طالما كان يئنّ و المسامير تدقّ في أطرافه حتى لا أشتري غيره، حبّة البرتقال التي اشتهتها طفولتي لكنّني لم أملك ثمنها فسرقتها فلحق بي صاحب الدكّان ،أجري فيجري، أسرع فيسرع، أصمت و أبكي فيصرخ و يشتم، رميت له بحبّة البرتقال فالتقطها و تركني لحال سبيلي .. لم نكن كبشر نتساوى و حبّات البرتقال.
الفقر لابدّ أن يصنع الغضب وأولئك الذين يخبرونكم أنّ الفقراء سعداء يكذبون، كنّا فقراء لسنوات ولم نكن أبدا قادرين على افتعال السعادة و تركها تكبر فينا، كلّما حاولنا، كلّما استصغرها فينا الجوع و الفواتير المتراكمة فوق بعض.
– يقال أنّ الماضي لا يرحل، بل يكبر ليتعرى في جميع قراراتنا، ليكون نحن في المستقبل، ليفضح واقعنا و يعيدنا إلى مرفأ تتكدّس فيه أحلامنا السابقة.
ماضيَ أنا كان فقيرا للفرح، ثريا بالقهر، لذلك احتجت خمسا و ثلاثين سنة منه، لأستطيع رميه بعيدا بما يكفي، لأعيش حياة تشبه الحياة… ولأفرح فرحا يعانق الحقيقة، فالزيف الذي طالما حاصر شفتي و أجبرني على التبسّم، كان الأمر مثيرا للغثيان.

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

21761787_10212603199048297_570853680561478812_n

ما علق بالخاطر بعد قراءة رواية الأستاذة / هند الأوراس.

بقلم/ السعيد مرابطي . استقراء مكنون النفس البشرية يبتدئ عند تلك الحروف المتوهجة ولا ينتهي ...