الرئيسية / أخبار الرواية / تجليات الصحراء في رواية ”تلك المحبة ”للسايح الحبيب
14794152_10202311607749493_2056602690_n-660x330

تجليات الصحراء في رواية ”تلك المحبة ”للسايح الحبيب

14794152_10202311607749493_2056602690_n-660x330

تجليات الصحراء في رواية ”تلك المحبة ”للسايح الحبيب
أ.د.محمد تحريشي،مخبر الدراسات الصحراوية، جامعة طاهري محمد. بشار
tehrichmoh@yahoo.fr

كثيرة هي الأسئلة التي تتعلق بموضوع الصحراء فإذا كان من أسمائها:المفازة و المتاهة فمتى نضيع في الصحراء؟،و متى تضيع الصحراء فينا؟، و كيف نضيع نحن و لا تضيع هي؟؟؟لكل منا مرجعيته و لكل فهمه للصحراء بين نابتٍ من الأرض فيها و بين هاربٍ إليها و بين مغامرٍ فيها و بين غازٍ يجري فيها التجارب…. ”تحضر الصحراء بقوة في الوعي الجمعي الجزائري، لكونها جزءًا لا يتجزّأ من الهوية الجزائرية ترابيا، جغرافيا، مناخيا، سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا، ثقافيا، حضاريا“ د /ابراهيم صحراوي . إن هذا الطرح مؤسس نظريا و لكن على مستوى بعض الممارسات قد تصبح الصحراء فائض قيمة عندما من يعتقد أن الصحراء هي الخواء و انعدام الحياة مقابلا للكلمة الفرنسية desert بينما المقابل الصحيح هو sahara، و من ثم فإن استعمال الكلمة الأولى أو الثانية يعكس مستوى فكريا و ذهنيا ينتج حقلا دلاليا متباينا ، و يشْكُل الأمر أكثر لما تصبح الصحراء هوية و انتماء و عنوان استقرار أو مكان عبور ، أو حيزا على الخريطة الجغرافية متحدا مع الهوية الوطنية في تجلياتها المختلفة كما حددها إبراهيم صحراوي ، ”..فشعوب المنطقة لها انتماء مشترك واحد على مر العصور، والرقعة الجغرافية و ما تحمله من مظاهر طبيعية مشتركة و متكاملة“عبد القادر خليفي،الموروث الثقافي الجمعي المغاربي، دار الأديب 2006، ص : 04، و لكن على الرغم من ذلك فإننا نشير إلى أن في هذا الاتحاد و الانتماء بعض التباين و التمايز خاصة في الجوانب الجغرافية و المناخية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و الحضارية ، و لعل هذا ما يجعل الصحراء حقلا دلاليا مميزا و متباينا يسعى الكتّاب إلى رسم قيمه الجمالية و الفنية في نصوص أدبية تطرح خصوصية فنية قد تمثل إضافة نوعية للكتابة الإبداعية في الجزائر ، و في الوقت ذاته تؤسس رافدا من روافد الكتابة و الصحراء في الوطن العربي أو في العالم.
إن الصحراء ليست حيزا متشابها يعيش رتابة و تكرارا لنمط من الحياة بل إن الحياة في الصحراء تتعدد و تتنوع و تتباين بحسب التجمعات البشرية المشكلة هنا أو هناك. و يخطئ من يعتقد أن التعامل مع الصحراء يكون تعاملا واحدا انطلاقا من خلفية سبقية أو مرجعية واحدة أساسها الفراغ و الخيمة و الرمل و الناقة و النخلة. إن الصحراء هي الحياة و هي الإنسان و هي الماضي و هي المستقبل و هي الخزان و هي المرجع و هي الخبرة و هي التجربة. إن الصحراء هي مدرسة للحياة و للموت و هي مكان للقر و الحر و لكل الثنائيات الضدية.
إن الصحراء قد تكون لبعض الناس مكانا للوهم كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا ما أتاه اختفى و ظهر في مكان آخر فهو كالحلم الذي لا يتحقق. إن الصحراء قد تتحول إلى مكان قاهر للإرادات يعلّم الإنسان الصبر و المكابدة و المجاهدة و التحمل و التفكر في هذا الحيز المترامي الأطراف و المتسع و الممتد امتداد الأفق، ثم إن الصحراء قد تتحول إلى سجن يضيق بصاحبه على الرغم من عدم وجود حدود أو معالم أو قيود خارجية ، و قد تتحول الصحراء إلى مجموعة من القيم الجمالية يتقاطع فيها الإيجابي مع السلبي أو يتبادلان المواقع فيصبح ما هو إيجابي سلبيا و ما كان سلبيا يصير إيجابيا : الرمل و العجاج و العطش و التيه و الضياع و الخواء و الفراغ و الامتلاء .
إن الصحراء هي فضاء عجائبي و غرائبي بامتياز تقع فيه أحداث قد تشعر الإنسان بالخوف و الرعب قد تتجاوز المألوف و المعقول و الواقع لتتمركز بين العجيب و المدهش، و من ثم فقد تتحول الصحراء عند بعض الكتّاب إلى مصدر للإلهام و الإبداع لنصوص روائية حيث تكون الصحراء مجالا للكتابة أو موضوعا لها. يرى الباحث حسن المودن أن ” الصحراء جزء من تراثنا الطبيعي، وإذا كانت الصحراء فقيرة في إنتاجها الزراعي و المادي، فإنه ينظر إليها على أنها غنية بتراثها الثقافي وبإنتاجها الرمزي” فهي مخزون لا ينضب و كنز لا يقدر بثمن؛ إنه تمثل تراثا ماديا و لاماديا .

الصحراء موضوع للكتابة الروائية:
شكلت الصحراء موضوعا مهما للكتابة الروائية عبر نصوص أسست لنمط من الكتابة يمثل امتدادا للكتابة الروائية ، و في الوقت ذاته رسم لنفسه خصوصية تنبع من خصوصية هذا الفضاء و يرى حسن المودن أيضا” أن الأدب السردي العربي قد عرف، مع روايات الصحراء، ظهور نصوص سردية تجعل شخوصها و حكاياها وتأملاتها تستوطن الصحراء، تقود الصراع ضد قوى الموت، وتلاحق أسئلة المطلق والخير والشر في صراعاتها الأبدية”، و قد تباين الكتّاب كل من موقعه في الكتابة و الصحراء ؛ فمنهم من كتب عن الصحراء من موقع الانتماء الذي يشعر به مولدا و نشأة و ثقافة و مرجعا، و منهم من كتب عن الصحراء من موقع الوافد أو الزائر العابر للصحراء كتلك الطيور المهاجرة التي تختار المناطق الرطبة من الصحراء لتقضي فيها زمنا إما للتعشيش أو لقضاء فصل الشتاء في مكان أدفء من موطنها الأصلي ، و لهذا يكون رصد هذا الكاتب للصحراء من موقع المعجب أو من موقع المستغرب أو حتى من موقع المستهجن أو المستعلي، و قد يتجاوز هذا إلى المستكشف الذي يسبر أغوار عوالم جديدة مغامرا نحو هذا الوجود البشري الغريب بعض الشيء . يقول سليمان قوراري ـ أستاذ النقد بجامعة أدرار ـ الجزائر:” فرض عالم الصحراء نفسه و بقوة كبيرة على النص الروائي الجزائري المعاصر، بحكم جاذبيته، وروائع طقوسه وعاداته و تقاليده الساحرة الآسرة، و بحثا من الروائيين الجزائريين عن فرص جديدة للتجريب، وممارسة مغامرة الكتابة بنوع من الممارسة العشقية مستعينة بقاموس صوفي ثري بمصطلحاته الموغلة في الوله والوجد و الفناء”.www، و من ثم فإن من الكتّاب من كتب عملا واحدا و لم يتجازوه، و منهم من كتب أكثر من عمل، بل إن منهم من اختص في موضوع الصحراء كإبراهيم الكوني و عبد الرحمن منيف و غيرهما.
إن موضوع الكتابة و الصحراء أسس لجهاز مفاهيمي قد يطرح إشكالا لتحديد الدلالات لأن الكتابة و الصحراء حقل دلالي يتفرع عنه مستويات ذهنية تقوم على التقابل و التوازي و الانتظام بين الكتابة و الصحراء، و هناك الكتابة الصحراوية و هي حقل دلالي آخر يقوم على الانسجام و التناغم و الاتساق لما تصير الصحراوية خبرا للكتابة أو صفة لها،و قد يجرنا هذا الموضوع إلى علاقات إسنادية جديدة من مثل كتابة الصحراء و الكتابة عن الصحراء و الكتابة من أجل الصحراء و الكتابة للصحراء ؛ و كلها تعكس مستويات ثقافية و سياسية و انثروبولوجية و فكرية و فنية و جمالية .
إن الصحراء موضوع استهوى الروائيين الجزائريين ،و لعل أول رواية كتبت في الجزائر هي للروائي محمد ولد الشيخ موسومة : مريم بين النخيل (Meriem dans les palmes) و التي صدرت سنة 1930 بمناسبة الذكرى المئوية لاحتلال فرنسا للجزائر، و قد تصنف هذه الرواية ضمن الرواية الاندماجية، و توالت الأعمال الروائية تبعا من مثل ما كتب رشيد ميموني و رشيد بوجدرة و مليكة مقدم و السائح الحبيب في رائعته : “تلك المحبة” التي سنقف عندها لنبحث في تجليات الصحراء في هذا العمل الإبداعي؛ الصحراء في رواية تلك المحبة: مجال للحياة و للإبداع.
2- تجليات الصحراء في رواية تلك المحبة:
إن رواية تلك المحبة هي نص مرجع للكتابة السردية للسائح الحبيب فهي تمثل نقلة نوعية لا تشبه ما سبق من نصوص هذا الروائي لا من حيث الموضوع و لا من حيث ممارسة التجريب في الكتابة و لا من حيث استثمار الصحراء بوصفها حياة و طبيعة و بوصفها مخزونا ثقافيا كذلك ، و يبدو أن الكاتب قد سافر كثيرا في تراث الصحراء على وجه العموم ، و تراث قورارة و توات و تديكلت على وجه الخصوص، و قد اضطر إلى قراءة المدونات و إعادة قراءتها حتى يرتسم في ذهنه ما يشفع له الوصول إلى كل تلك الجزئيات و دقائق الأمور، و كشف عن بعض الأمور التي لا يعرفها إلا من عاشها أو قرأ عنها، و لعل المتفحص في ذلك الكم الهائل من المعلومات و المعارف يدرك جيدا أن المصادر و المراجع التي عاد إليها السائح الحبيب قد تتجاوز مائتين و خمسين مؤلفا. إن ما قام به هذا الروائي في نصه هذا رحلة كتابة للسفر في عمق التاريخ و الوقائع و الأحداث لوجود الإنسان في الصحراء إقامة أو عبورا. إن الصحراء في رواية “تلك المحبة” حياة بل الصحراء كائن حي:جاء في ص:101“ أسرّ إلي علي الشريف لما سألته عن كنه السيدة أنها مثل الصحراء لا يتقدم بها العمر و لا تنالها شيخوخة و لا يصيبها لوث، ملّكتها الأرواح سر الشباب و لا يزول إلا بيوم قبضها…“ الصحراء كائن حي ، و هي تصور ذهني يرتكز على خبرة بواقعها، ينضج هذا المفهوم مع تلك التجربة في الكتابة بفعل القدرة على التخييل. إن الصحراء نموذج جمالي يحمل مجموعة من القيم التي ينشدها الإنسان أو تلك التي فقدها أو تلك التي بناها منذ الأزل؛ إنها الاستمرار في الحياة فهي لا يتقدم بها العمر و لا تنالها شيخوخة و لا يصيبها لوث.
أ‌- الصحراء تعدد عرقي و ديني و اجتماعي
رصدت هذه الرواية تعدد الأعراق و الأديان و الطبقات الاجتماعية في تلك الصحراء المترامية الأطراف عبر سلسلة من القصور التي شيدت بالقرب من الواحات التي جُلب لها الماء من مكان عبر نظام ري فريد من نوعه يسمى الفقارة.
شكل التنوع الإثني و الطبقي المشكل للشخصيات:فهناك الأحرار و الأشراف و العبيد و الحرثانيين.قيمة جمالية للعيش المشترك في تراتبية اجتماعية متفق عليها سلفا، كل بحسب دوره و مكانته الاجتماعية و وظيفته في الحياة ” و في آخر خطبة له جمعت الأشراف و الأحرار و الحرثانيين و العبيد” تلك المحبة:34. فاستطاع الحبيب السائح الوقوف عند بعض الموضوعات التابو ، و اخترق ذلك الصمت الرهيب الذي يتجاوز الحديث عن التراتبيبة الاجتماعية في مجتمع أدرار التي أنتج مجموعة من الممارسات التي تصل إلى نوع من الاستغلال و التفرقة في العمل و المسكن.
ركّزت الرواية على تصوير التراتبية لتعكس المكانة الاجتماعية من الأعلى شأنا إلى الأدنى.ذلك أن الحياة الاجتماعية في الصحراء قد يشعر فريق من ناسها بالفخر و الاعتزاز في حين قد يشعر فريق آخر بنوع من الإذلال و الاحتقار مُورس عليهم جاء في الرواية :“فاستفزه: و لكن الناس لا يعرفون شيئا ذا بال عن بليلو و ماريا، و إن عرفوا فهم لا يصدقون. فنظر إليه متسائلا بصوت فيه غضب: هل لأني محتقر؟ أنت تعرف أن دمي ليس نقيا تماما و لكنه ليس ملوثا تماما“تلك المحبة:131
ب – الديانة في الصحراء: كانت الصحراء موطنا للديانات الثلاث: الإسلام، المسيحية و اليهودية عبر مشاهد تصور متى كان التعايش ممكنا و متى أصبح غير ذلك ليمرر الروائي مجموعة من الخطابات، و قد تداخل الديني مع التاريخي فيما اختاره الروائي من مواقف و أحداث و وقائع.
مشاهد تجلي الصحراء في الرواية:
المشهد الأول: الحادثة التاريخية
شخصية محمد التلمساني (عبد الكريم المغيلي) : إن هذه الشخصية مهمة و محورية في الصحراء عامة و بأدرار و تمبوكتو على وجه الخصوص، و قد استطاعت كتب التاريخ أن تنقل لنا الكثير من الأحداث التي قام بها هذا الرجل، و لعل أهم ما تشير إلى هذه الكتب من طرد لليهود من إقليم توات لما قاموا به من مضاربة أضرت بالسكان المسلمين. وقف الروائي عند هذا المشهد ليصور حقدا مقابل حقد، و يصور طرد المسلمين من الأندلس، و يصور أيضا طرد اليهود من تنمطيط؛ من ذلك ما جاء في الرواية: “فترعرع محمد و في حلقه غصة من زفرة أبي عبد الله على أعلى قمة مطلة على لؤلؤة غرناطة الحمراء في آخر افول شمس عائشة الحرة تختفي وراء الجبال الخضراء بإباء و صبر و وقار“. تلك المحبة:30. استثمر السائح الحبيب شخصية المغيلي هاهنا بوصفها شخصية أسهمت كثيرا في الحفاظ على أدرار هذه الرقعة من الجزائر ، و رسم معالم هويتها الحضارية و الثقافية و الدينية ، و في مقابل ما تحمله هذه الشخصية المعلم بالإضافة إلى معالم أخرى الدالة على الاتزان و الوقار و الثبات.
استطاع السائح الحبيب أن يصور بعض المشاهد الضدية لهذه المعالم ، و كشف عن بعض سلبيات المجتمع في أدرار و ما جاورها لينبّه إلى أن هذا المجتمع و إن بدا متوافقا و منسجما و متناغما ؛ فإن بكيانه ما ينخره من الداخل و يجعله يفقد نظامه و توازنه ، و يحرمه من خصوصياته التي ميزته على مر السنين.إذا كان المغيلي قد تنبه إلى ما كان ينخر هذا المجتمع من الداخل فقام بما أملاه عليه العقل و الواجب ”و شغل خاطره حيث حل حديث أبيه إليه من رسالة بن يديه فتشرب كلماتها حدجا بعسل: يا بني، ضاقت بلاد المسلمين بالمسلمين و انتشرت فيه البدعة، و استحكم فيها العسف و سادتها الرشوة و صارت فيها كلمة الحق إهانة للملك و الملك و استعلى فيها صغار المتكبرين و ذل الأشراف و العليون“. تلك المحبة:31، إن السائح يرى هاهنا، بعيدا عن الأرقام التاريخية و استثمار الواقعة التاريخية، من الواجب بل من الضروري التنبيه إلى هذه السلبيات في قالب جمالي فني فيه الكثير من الجرأة و التحدي مع بعض الكياسة و الليونة، و من ثم يضخم بعض الوقائع و الأحداث أو ينسجها من خياله حتى تحدث الأثر الطيب ليحافظ هذا المجتمع على الانسجام مع الخارج و التناغم على الداخل.
المشهد الثاني:الماء و زمن الفقارة.
لعل ما أثار انتباه السائح الحبيب، و هو ينزل بأدرار أول مرة، ذلك النظام العجيب للري من الفقارات و التي تصورها في هيئة فناجين مقلوبة التي تصور زمن محاولة قهر الطبيعة .إن الفقارة هي الحياة و استمرارها في السيلان هو استمرار الحياة نفسها، ”لم تترك الريح لقصة الفقرات رسما على الرمل لكنها باقية شاهدة على زمن الماء في صحراء الصمت و القهر، كأن أفواهها آثار من مداخل بلاد تحت الأرض يعمرها خلق آخرون فمنها من هلك فآل ردما و منها الذي لا يزال يحن إلى يد تعود لرفع الطمي و كسر الجحود“ تلك المحبة:67.إن من أصعب الأمور لما يتحول الشيء أو الإنسان إلى أثر دارس أو طلل مهمل و يشعر بفقدان تلك الأهمية و العناية التي كان يلقاها فيما سلف من الزمن ؛ فمن يرفع الطمي ؟ و من يكسر الجحود؟ تناسى الناس عطاء الفقارة و جود ها، و تناسوا أيضا كل ذلك العناء و المكابدة و المجاهدة للمحافظة على جيران الماء و الحياة
إن الفقارة في رواية “تلك المحبة”مرتكز سردي تاريخي يكشف عن قدرة الإنسان على استغلال الطبيعة في طقوسية مميزة أمدت النص بطاقة تعبيرية بالوصول إلى مفردات و تراكيب لم تكن متداولة من قبلُ.قال عن الفقارة:“أن من حفرها بأظافرهم سجناء استجلبوا من القدس تحت التراب عقابا لهم على كبارئهم، فلم يروا نورا و ضياء في تمنطيط إلى الليلة التي انهمر من الفقارة ماء جرى غربا نحو شرق حتى الماجن“تلك المحبة:67، و من ثم فإن هذا المعطى السردي أمدّ الكاتب بقدرة على التجريب و التجديد في لغة الرواية و بنائها ابتعادا عن لغة التاريخ التجريدية و جاءت لغة الرواية منسجمة مع هذا المشهد الذي تتجلى فيه الصحراء المعطاء في أبهى صورها الشامخة في علاقة جريئة و مغامرة بين الحياة و الموت ، فالداخل إلى الفقارة ميت و الخارج منها أعيدت إليه الحياة، و بخروجهم من فوهة الفقارة و بتفجر الماء منها يكون الحياة؛ إن الماء هو رمز الحياة . جاء في الرواية قوله:“كانوا كلما خرجوا سالمين من آخر أفواه الفقارة حمدوا الله ثم صاروا إذا تفجر الماء فغمر أرجلهم طأطأوا و طلوا بالطين وجوههم ثم اغتسلوا و تلطفوا مغمورين بصوت رجل صالح منهم يقول: اللهم إن هذا منك من قبل أن ينزل المطر أرضك فوقنا لا غيث يسقيها، سبحان أنت القادر.حتى إذا خرجوا فرأوا الخضرة كبروا“.تلك المحبة:68.67 .إن هذا التصوير الدقيق لعلاقة التحاتني بالفوقاني : الماء و الخضرة في الواقع مظهر جمالي للكشف عن تجليات الصحراء التي تبدو قاحلة جرداء و كأنها الخواء إلا أن الإنسان استطاع أن يؤسس فيها الحياة ، و جاءت رواية المحبة لتصور هذه العلاقة صورة فنية محملة بالدلالات و كأن الفقارة هي الأم هي الوطن هي الرحم ، و خروج الحفارين منها و تفجر الماء هو الولادة و الولادة من جديد و هي في الأخير إعادة الولادة؛ الققارة أم ولود لا يصيبها العقم إلا بفعل جحود أبنائها .
المشهد الثالث:الاحتلال الفرنسي للصحراء: علاقة اجتماعية و إنسانية مرفوضة
ينتج هذا المشهد تجربة سردية تجعل الخطاب ينفتح على أفق جديد لما تتحول الصحراء إلى حيز تناحر وجودي و ثقافي و اجتماعي و ديني و حضاري .“و قد أشعرت مبروكة بأن الود الذي يبديه جبريل اتجاهها لا تبرئه فيه عفة رجل دين لا تخونه تقواه، و عاتبتها على كسلها عن القيام بفرائضها لما أنهت ما كانت قرأته عليها من كتاب عن نزول الفرنسيين في شاطئ سيدي فرج لغزو الجزائر“.تلك المحبة:154(كتاب الفرنسيين لغزو الجزائر، سيدي فرج ).لم يقم السايح الحبيب بتسجيل الوقائع التاريخية كما هي ، بل تحول التاريخي عنده إلى أدبي فرسمها بيد فنان يتقن إعطاء الأحداث قيمة جمالية حتى تبدو و كأنها متخيلة . تبدو هذه الوقائع التاريخية محملة بالدلالات و الإيحاءات التي تجعل ذهن القارئ ينفتح على أفق قرائي غني و متعدد؛ فهي تختزل ما وقع في الجزائر بأقل عدد من الألفاظ لترسل خطابا من الذاكرة للذاكرة و من الواقع للخيال و منه للواقع ثانية.إن التكثيف و الاختزال و الاقتطاع تقنية لإعادة بناء الواقعة التاريخية ، و هي سمة فنية في رواية “تلك المحبة” التي اعتمدت على التركيز على أحداث تاريخية بعينها رسمت معالم هذا الحيز الجغرافي الكبير. إن هذا التوجه الفني أسس لمعجم دلالي قدم للكتابة السردية في الجزائر الكثير من البدائل السردية تعكس عمق التجربة الفنية و ترد على التحدي الذي يواجهه الكاتب و هو يروم الكتابة عن الصحراء ؛ هذا العالم السحري الثابت و المتحول و الغرائبي و العجائبي الذي يبحث عن سر تعلق الإنسان بهذا الحيز الذي يبدو قفرا و خلاء و فراغا قد تنعدم فيه الحياة و تقسو في الطبيعة و تجود لمن كان كريما معها .
إن هذا المشهد التاريخي،و غيره من المشاهد التاريخية الأخرى ،يمثلون نقطة التقاء بين المبدع و القارئ و كأنهما كانا على موعد و هي نقطة تبادل زاوية الرؤية و النظر بسلاسة و يسر لا نظير له ، و لم تأت من باب الاستدراج و الأسر او التوقع أو الاندفاع ، بل من باب الانجذاب و التواد و بعض الميل لتأسيس رؤية فنية للوقائع قد تكون مشتركة بينهما لا تقتضي أن يعيشا الأحداث كما وقعت بل كما تُخيل أنها وقعت، و من ثم قد يتحول المبدع إلى راوٍ للأحداث و مخبر عنها نتق فيما يروي لنا و في ما يحدثنا به من أخبار .إن رواية”تلك المحبة” أنتجت الراوي القارئ و القارئ الراوي و بذلك كان لها مصداقية رواية هذه الأحداث بهذه الصيغة و بهذه الكيفية.
أنتج تصوير المشهد التاريخي لغة مشهدية مستمدة من الرسم السينمائي تقنية الوصف و التركيز على أشياء بعينها دون غيرها من ذلك قوله: ” و سمعت القائد مارسيل أرنود يصرخ :لاحقوهم !فرأت أجسادا من كل الأعمار…و لما كان بالساحة صاح: اسحقوهم، فعوى الموت من آلات عسكره النارية فسقط أطفال و نساء و شيوخ و عجائز سقوا الرمل بدمائهم“.تلك المحبة:163 .إن الألفاظ المختارة هاهنا تتجاوز قدرتها التواصلية و التعبيرية لترسم هذا المشهد تصويرا سينمائيا ، و يتحول الروائي إلى مخرج يحرك الممثلين ليجسدوا المشهد وفق ديكور ملائم لصراخ القائد أرنود و ملاحقة الجنود للسكان و كيف تتم عملية السحق بآلات العسكر النارية التي لا تميز بين الصغير و الكبير و الشيخ و لا بين الرجال و النساء. إن هذه اللغة المشهدية أمدت النص بشعرية تتجاوز المألوف و المعتاد في وصف مثل هذه الوقائع لتمارس عنفا بالخطاب مضادا للعنف الذي مورس على الجزائريين المسالمين .
المشهد الرابع:التجارب النووية في الصحراء تداخل الأدبي و التاريخي: تتجلى الصحراء في رواية “تلك المحبة” عبر مشهد آخر يمثل تحولا مهما في الحياة و في الأهداف و في الاستراتيجية .إن الوقوف عند التجارب النووية التي أجرتها فرنسا المستعمرة في الجزائر يعكس ذلك التداخل بين الأدبي و التاريخي، و استثمر الروائي هذا المشهد ليقدم رؤية جديدة للواقعة تنطلق من الآني لتتوجه نحو الماضي لإعادة الأحداث لتصور هول ما وقع و تهتم بالجزئيات و التفاصيل انطلاقا من الوثائق المكتوبة و المرويات الشفوية ،و لن تكتمل الصورة إلا برسم معالم المستقبل ، و من ثم فإن رواية “تلك المحبة” لم تكتف بوصف هذا المشهد بل تجاوزت ذلك إلى التفسير و التعليل ؛جاء في الرواية:”بعدما كان جبريل أدى إليها زيارة و التمس منها إن كانت ستساعده على العثور على كراسة كانت في حوزة المسيو شارل،و راحت تسمع بانتباه: حيث الخريطة التي كانت أمامي، فإن المنطقة المعينة للتجربة النووية لا أثر فيها لتجمعات الأهالي.فهي امتداد من تنزروفت، حيث لاشيء غير العطش و المتاهة و الخوف، و الموت المكشر،فإن أكبر القوافل تتجنبها و أمهر الرحّل لا يسوقون إليها إبلهم“.تلك المحبة:249.إن السائح الحبيب لا يعيد سرد الأحداث كما وقعت و إنما يعمد إلى إعادة بنائها من جديد ليرتسم لدى القارئ متصور ذهني للمحكي أو المسموع عن هذه الوقائع و الأحداث ، و يكفي أن يكون الحديث عن التفجيرات النووية ليتشكل لدى القارئ نوع من الخوف و الرعب منبثق من تجارب الإنسان المريرة مع مثل هذه التفجيرات و آثارها الفتاكة و المدمرة .
ابتدع السائح الحبيب طريقة فنية للحديث عن موضوع التفجيرات النووية بوصفها حدثا تاريخيا مهما مرتبطا بالصحراء الجزائرية. و يمكن الكشف عن هذه الطريقة الفنية بالوقوف عند البناء الفني الآتي:
 توظيف شخصية اسماعيل الدرويش و السيدة،و مبروكة لإبراز التاريخ في قالب فني سردي ملائم يعنى بأدق الجزئيات.
 الحدث التاريخي: التفجير النووي برقان
 السارد:المسيو شارل،مبروكة،الراوي
 المتلقي: البتول،الراوي، القارئ.
إن رواية”تلك المحبة” رواية تعنى بأدق التفاصيل و تتجاوز ذلك إلى أنها ، و هي تعنى بالتفجير النووي في رقان، رسمت قيمة جمالية لهول هذا التفجير، فاعتنت بالآثار المدمرة للإنسان و للطبيعة لما يصبح كل شيء مجال للتجربة المخبرية من دون رحمة و لا رأفة، و انطلاقا من هذا الطرح فإن السائح الحبيب جعل الشاهد المسيو شارل ليكون القول موضوعيا و أكثر مصداقية في القول و في التفكير و في الاستنتاج يقول المسيو شارل:“….فوجدت أولئك متكومين مثل قطع مطاطية احترقت فأفظعني المنظر“تلك المحبة:252.تم اختيار الألفاظ بكل عناية و اهتمام و وضعها في المكان المناسب داخل العلاقات الإسنادية المكونة للتركيب اللغوي التي يؤسس لخطاب يدين هذا التفجير؛ فيسجل موقفا مشرفا في سجل تاريخ الكتابة السردية الجزائرية . إن الصحراء هاهنا تبدو إنسانا مقهورا مسلوب الإرادة و الحرية و الحق في العيش الكريم ماض و مستقبلا؛ لأن الآثار السلبية لهذا التفجير مستمرة في الزمن ، و من ثم فإن رواية تلك المحبة هي رواية الآن و رواية المستقبل، فهي بذلك تدين فرنسا في جرائمها في صحراء الجزائر بلغة تنتصر للأهالي. يقول: ”و سمعت أن عائلات الأهالي كانت تدفن كل يوم من أطفالها. و كان ذلك الطبيب قال لي متهكما: ستتوقف نساؤكم عن منافسة الفئران في الإنجاب و ستضخ مثنات رجالهم قيحا، أليس بهذا نربح الحرب التي خسرناه في فيتنام“تلك المحبة:152 ، و بهذا يكشف عن النية المبيتة لإلحاق الضرر و الأذى بسكان الصحراء.

عجائبية الشخصيات و الأحداث و الأمكنة:
تتجلى الصحراء في هذه الرواية بجمالية أخرى تقوم على عجائبية الشخصيات و الأحداث و الأمكنة لتجعل القارئ مترددا في قبول ما يقع من أحداث و وقائع مرتبطة بالشخصيات و الأمكنة لدرجة الفزع و الخوف. إن الصحراء أمدت السائح الحبيب بقدرة مميزة على رسم معالم عجائبية للشخصيات تتجاوز نمطية الحياة في الصحراء لترسم جمالية قد تغذي مرجعية ثقافية عن الصحراء و عن ناسها فتتضح الصورة الفنية أكثر للمرأة و للرجل.جاء في الرواية:”فكانت تلك المرأة التي فطرت على اجتماع الماء و النار و الهواء، و كان ذلك الرجل الدرويش الذي حارت في طبعه العقول يظهر بشرا سويا و يختفي ترابا رمليا في العرق يتذرى“.تلك المحبة:7؛ فالمرأة من اجتماع ماء و نار و هواء، و الرجل الدرويش هو من جهة بشر سوي و هو في الوقت يتحول إلى رمل مما يجعل المتلقي يقف عند هذه العجائبية التي تجعله مترددا في قبول كل هذا، و في الوقت ذاته يشعر بمتعة و جمال على الرغم من هذه الوقائع تثير في هذا المتلقي ما يشبه الخوف و القلق و عدم الاستقرار أمام هذا التشكيل الجمالي الرواية من أمثال قول الروائي:”ثم خرست الألسنة لما اكتسح الجراد الأرض، لا يبقي على زرع و لا نبت…..و سلمها عصا قالوا أعطتها شخصا آخر، كان إسماعيل الدرويش، لوح بها عند المغرب فباتت ريح تعصف باليمين و الشمال و تدور في كل اتجاه رافعة ما خف و ما ثقل فيما كان هو وسطها تسمع له صيحات طراد“.تلم المحبة:259. و من ثم تصبح للجراد أكثر من حمولة دلالية قد تبدأ بأنه حيوان غاز ينتقل بسرعة من مكان إلى آخر لا يعترف بالحدود و لا يبقي على زرع و لا نبت فهو كالاستعمار حتى و إن بدى من حيوانات الصحراء الضارة و المتلفة للمحاصيل الزراعية و للغطاء النباتي على وجم العموم و من ثم يحلق الضرر حتى بالإنسان. إن هذا الغازي لابد له من شخصية عجائبية كاسماعيل الدرويش الذي يلوح بعصا سحرية لتقع أحداث عجيبة تخلص الناس من هذا الجراد و من مضاره . و لا تكتمل الصورة بمكان عجائبي مناسب لعجائبية الصحراء التي رسمها المؤلف و التي قد تتغذى من مرجعية صورة الصحراء في الأنا الجمعي ”…فأنزلته إلى قصرها تحت الأرض فلم تطلق سراحه إلا على شرط أن يقول فيها بالمكتوب ما لم يقله رجل في امرأة مذ كان الرمل و النخل في بلاد توات فانفتنت بها النساء حميعا“.تلك المحبة:92 إن القصر هاهنا قصر غريب و عجيب لكونه يقع تحت الأرض و الذي يتحول إلى سجن إن هو لم يقل شعرا في صاحبة هذا القصر، و لعل العلامة المميزة في هذا التركيب قوله: مذ كان الرمل و النخل في بلاد توات.
إن رواية تلك المحبة نص مرجع للكتابة السردية للصحراء التي تحولت إلى مرتكز سردي و قيمة فنية و حمالية مشبعة بالتجريب و التجديد و تداخل الأدبي و التاريخي و الواقعي و العجائبي .إن”تلك المحبة” هي نص مرجع للكاتب الذي بدل جهودا مضاعفة لكتابة نص يليق بأدرار التي قدمت له الأمن و الآمان و الرعاية و الاحتضان ، و من ثم فإن هذه الرواية هي امتصاص للخبرة و التجربة و المعيش.

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

3-103

أحمد عمراني : إطلالة روائية في رواية (الحركي) لعواد بن جبار

أحمد عمراني / إطلالات روائية رواية (الحركي) لعواد بن جبار أود أن أشاطركم إعجابي بقراءتي الأولى ...