الرئيسية / سرديات / أصوات جديدة / فصل من رواية : رحلة الأثير / ياسين بختي
16358598_1635562973416438_300216935_n

فصل من رواية : رحلة الأثير / ياسين بختي

16358598_1635562973416438_300216935_n

وداعًا صديقتي ومرحبًا بكِ حبيبتي، هكذا كانت بداية المغامرة ورحلة الحياة،حياة الجنية الجميلة والملاك الصغير، هذه الرحلة اشتقت أنامل الحياة من الجحيم، اشتقت الأمل من اليأس والراحة من العذاب، والأهم اشتقت الإيمان من لا شيء، من فراغٍ تدبر فيه الإلهام لهديةٍ اسمها الموتُ بدل الحياة، موتٌ ضاحكٌ توسط الأسى والمواساة، موتٌ جعل الأثير يوازي بين خطي معادلة الحياة، بين بادئها ونهايتها بين أذان افتتاحها وصلاة إغلاقها، بين ضحكةِ شقاها ودمعةِ نفاقها، بين يومٍ قدر فيه الندم وبين يومٍ لم يسمح فيه حتى الندم، ندمٌ أنغامه على أنغام ليلةِ رمضان، ليلةٌ حققت واقعًا اسمهُ حلمٌ لم يحتلم، لم يكبر، وحتى الحلم لم يكن يحلم، حلمٌ انتقل من الفكر الى العروق، من العروق إلى الدم، من الدم إلى قلبٍ ليلهمه، ليستريح ويريح الملاك من التفكير، من التدبير، من أن يحشرَ وسط ليلٍ محتقرٍ للوجدان، ليلٍ لا يقول الكثير ماعدا انتظار الغد ليُذهِبَ الخوف وقبله النفس المتأملة، فقط ليجعلهم يبتسمون ليومٍ جديد، يومٌ فاقدٌ لبصره، وهما لا يعرفان، ووقت الذي يعرف فيه الأثير هو الوقت الذي سيتوسط فيه الكون بما فيه وعقلهم متوحدٌ يضن أنه لا يعرف، نعم لا يعرف فرقًا بين روحٍ وجماد، فقط دمعة الجنية على خدها تحرقُ ما تبقى من لاشيء، تحرق ما بقي من عدم.

 

على عالم الحرية كونوا صورةً لحبهما، كرمها القدر بوضعها في إطار الكمالية وبعثها للأبدية، بعثها لأجيال من الدمار من الحزن ليتغير،تلك الصورة الجميلة التي التقطت لهما من السماء، صورة تظهر ابتسامتهما الظريفة الأنيقة التي جعلت بقية البشر يتمنون العيش في عالمهم وتفكير تفكيرهم وقتل الملامح الكئيبة التي خيمت عليهم، تلك الصورة غيرت حكم القاضي المُغْتَصِب للقانون وجعلته صديقا للمجرم يعلمهُ بدل أن يعدمهُ، صورةٌ على ما أعتقد أحيت ركام الدمار وجعلت منه نعيم يتشرد فيه من فكر بأن الوجود موجود، صورة الجنية والملاك تخبره كم هي تحبه وأنها لا تستطيع العيش بدونه رسخت معنى التضحية في سبيل الجمال المتأمل،الجمال تجسد في خيال الجنية العابر، خيالٌ يوزع كعكًا على أفكار الملاك المتلونة، خواطر موسيقية توصل بينهما في الجنة، في عيد ميلادها انتزع ما تبقى منه من أملٍ وقدمه لها كخاتم زواج،قلبُ الجنية وافق وخلف جميلتين، الأولى آمال و الثانية أحلام، أمال اغتيلت وأحلام فقدت في إحدى منعطفاتهما الفكرية لخطبٍ ما في الاتصال.

 

ليلةٌ ماطرة بالدماء، ليلةَ وضعوها على طاولة الجراحة، طاولة المحاكمة سميت بعد ذلك، علاقة شرعية ناتجة لمخطرات روحية شريفة مُنتِجة لروحٍ ممزوجة بين وعي الأثير وجمال الملاك، بسبب غيرة شيطان أراد اقتلاع أعين الجنية من تجاويفٍ تجسد فيها إبداع الخالق للخلق، قتل الخلق وانتقامٌ لإبليس، الجنية بحثت عن فارس أحلامها الذي تجسد في أحلام كانت واقعية قبل أن ينفى إلى مقبرة العدم، ذكراه في بطنها وبدون طرح الاستفسار هل سيخرج لإنقاذها، خرج لكن ارتقى المراد ونقلها نحو النعيم، نعيم دائم بعكس الرؤى.

في عالمٍ تحولت فيه الكلمة إلى روحٍ جميلة، حررت الإبداع وسجنت اليأس، استغل الملاك والجنية هذا الإبداع وحاولوا إيقاف الوعي التام للأثير، حاولوا إيقاف استغلاله لهم وتلك لم تكن نيته في الأساس، خطتهما في إغوائه وتحريك غرائزه نجحت، لم يستطع أن يكمل ما بدأ، أصبح يترامى بين عيني الجنية الزرقاء وطرافة الملاك الأنيقة، في بداية عمل الأثير كان يهوى النقاش يذهب في المجهول نحو التفاصيل الصغيرة، بحروف الإبداع الأنيقة ارتدى وجدان الحياة وتقمص أدوار الطبيعة السبع، هذه الكلمة وقَّعت عقد تطليقِ الدنيا بالثلاث لثلاث، للجنية والملاك والأثير، ليتقلص نطاق معرفتهما بها إلى العيش وسطها لا أكثر باستثناء الأثير، ميزتُ الإبداع الفريدة إنتاج معنى لمصطلحاتٍ من عدم بعد حملٍ يدوم ثمانيةً وعشرين يوم، ابنها الجديد أطلقت عليه اسم تفكير، وككل مرة حاولت دسَ هذا المعنى في قهوة الجنية والملاك الصباحية، عسى أن يتسمما بهذا الوباء النادر ويعيشان، تعاطوا قهوتهم الصباحية بدون شعور ولاشكٍ في كمين، خرجوا من عقلهِم بابتسامة، هذه المرة أخذوا الطريق الثالثة التي لا تحتوي على دليل ولا عنوان، الطريق الأولى مكتوبٌ على بديتها الجنون والثانية بخطٍ أحمر كُتِبَ كن عاقلاً وامشي، هي رحلةٌ جديدة، مغامرة فريدة وانطلاقة للحرية في زمن استعمرت فيه العقول، انقلبت الأدوار واستطاع الأثير قلب الوضع لصالحه.

 

بعد تغلب الأثير على روح العاشقان شعر كلٌ منهما بالخيبة والإحباط رغم أن ما حدث كان في صالحهما، انتقل مصطلح الخلاف من الأرض نحو الكمال، استعملته الجنية وأنهت علاقتها الغير مسبوقة بالملاك، الأثير استقال وفي أوراق النهاية ختم على فشله، عادت الجنية إلى الأرض كفتاة بريئة مرحة، كذلك حدث بالنسبة للملاك، قلمه وفراشه يمثل مقبرته لا أكثر، انعدمت الثقة، أتى النفاق والأثير مات، لم يرد اللحاق بهما نحو الموت البطيء، نحو العفن

السبب الوحيد هو الحياة، اقتربت منه وأخبرته أنها تحبه من جديد، أخبرته أنها كانت حمقاء لا تدري شيئًا عندما تركت روحه متفردةً على عالم الأثير سابقًا، بدون كلام حقيقي فقط مخلفات بواعث التواصل الروحاني هي من كانت تتحدث، الجنية والملاك يعودان من جديد لكن شرط الانسجام ذهب، خلافاتٌ أتت من عدم على عالم الكمال، إرادة الملاك في إعادة الأمورِ إلى سابقِ عهدها عارضتها طبيعةُ الرحلة التي طبقتْ قوانينَ لا عيبَ فيها، كلُ ما يحدث بعد ترك أرضِ الواقع هو صحيح وإن حدث شيء يظهر لمتتبع أنه غير صحيح فهو صحيح بشرطِ أن لا يظهر نقيضه بعد ليفسد مفهوم الصدقِ المتجذر من الكمال، أي أن الخلافَ الذي حدث هو روتينٌ صائب بأخذه كمعنى أولي لا وجود لنقيضه، بعكس ما كان يريد الملاك وهو حل الخلاف ليصبح انسجام ويكسر قانون الرحلة لينسحب تدريجيًا من طبيعة الكمال، صلاح العلاقة القائمة على نفسٍ أحبت نفس هو التضحية بِعالم الأثير على حساب الواقع الذي يضمن العدول عن القرار الخاطئ نسبيًا دون مانعٍ فعلي ينفي العمل، أي أن حلم الحبِ الكامل يذهب هكذا، التميز والانفراد باكتشاف معنى الحياة سيدفن مع التضحية، ومعنى أخذ الكلمة وتطوير الأحاسيس ستمحى مع انتهاء الخواطر، وبعد ماذا سيحدث، ارتباط عادي وحياة عادية، بيتٌ حقيقي وصبيان، انتهاء المغامرة بموت دون فعلِ أي شيء، أعاد الملاك والجنية صياغة الطرح وتبديل المعطيات الآنية، العودة بالزمن إلى الوراء، قبل بداية الرحلة، أخذوا ورقةً وقلم، أثناء رحلتهما إلى عالم الأثير قرروا أن يغيروا بعضًا من طبيعته، جعلوا له مدخلاً بعكس الذي كان سابقًا، أمسكت الجنية بالورقة وحمل الملاك القلم وكتب بخطٍ عريض ممنوع الخلافات من جديد، طارت الجنية إلى أعلى المدخل وثبتت هاته الكلمات كشعارٍ جديد يميز رحلتهما نحو الحياة

 

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

21905682_1427419454044828_1495659152_n

فصل من رواية : مجرد / يوسف ميمون

برمدته ! استيقظت توا من نومي , إذا حان وقت الخروج , شحت بنظري كالعادة ...