الرئيسية / أخبار الرواية / قراءة في رواية ” قدس الله سري” /أ.د. محمدتحريشي
14441009_10210988422692783_2325143747883978606_n

قراءة في رواية ” قدس الله سري” /أ.د. محمدتحريشي

14441009_10210988422692783_2325143747883978606_n

قراءة في رواية ” قدس الله سري”
أ.د. محمد تحريشي
مخبر الدراسات الصحراوية . جامعة طاهري محمد. بشار. الجزائر

41239_155291977821131_1935521_n“قدّس الله سري” نص سردي ينضاف إلى تجربة الروائي محمد الأمين بن ربيع و الذي صدر له من قبلُ ” عطر الدهشة” و”بوح الوجع” . إن الرواية الأخيرة نص ينطلق من الحادثة التاريخية ليرسم واقعا جديدا بتوظيف الخيال و يستثمر تقنيات سردية مكتسبة من التجار بالسردية العربية ، و تسعى إلى تأسيس خطاب روائي يجمع بين السحري و العجائبي و العرفاني سبيلا من سبل التجريب و التجديد و الجدة .
إن رواية” قدّس الله سري” تعود إلى العلاقة بين الجزائري و الفرنسي خلال الفترة الاستعمارية من خلال زواج أدريان و نائل بطل الرواية بطريقة ترميزية مكشوفة من جهة و موحية من جهة أخرى ؛ فأدريان امرأة فرنسية تعمل مصورة و معجبة بالطبيعة و بالشرق و بالمجتمع الاسلامي الي تراه في فترة من الفترات ملاذا آمنا لها و لأمثالها من الضائعين و غير المنسجمين مع المجتمع الغربي و ما يعانيه من أزمة أخلاقية و مجتمعية متعددة الأبعاد . ” كنت أودّ تذكيرها بحكايتها التي قصت عليّ من خلالها إعجابها بحياة الشرق و رغبتها في أن تحياها…” . إن ” أدريان ” يرمز المبدع بها إلى فرنسا و هي امرأة أقرب إلى كونها عاهرة تسعى إلى أن تتطهر بالزواج من “نائل” بطل الرواية الجزائري الطامح إلى غسل خطاياه عبر الزواج منها على أنه المنقذ المثالي ، و كأنه النموذج التي ستغامر بالهروب معه و التخلي عن زوجها الفرنسي لتصل في الأخير إلى نتيجة مهمة في نظرها و التي تمثل بؤرة التأزم عندها .” قالت بعد أن اقتربت مني أكثر: نائل لقد ندمت على أشياء كثيرة في حياتي، أغلبها كنت أفعلها بضغوط خارجية، و لم أندم على شيء و لم استمتع بأمر فعلته، مثلما استمتعت بعلاقتي معك، لأنني فعلت ذلك بمحض إرادتي، بل و عن حبّ، لكن بدا لي اليوم أنني كنت مخطئة … لقد اكتشفت أنني امرأة خلقت لتنطلق و لتعيش نزوات عابرة، لا أصلح أن أكون امرأة مقيّدة. لا أريد أن أخذلك أكثر … أعتقد أنه يكفيني ما عشته معك لحد الآن.” .
إن تنزيل صورة فرنسا في الجزائر إلى هذا المستوى من الترميز و الإيحاء ما هو في حقيقة الأمر إلاّ محاكمة فنية لادريان “العاهرة” ؛ صرخت أم نائل :”- دع العاهرة ترحل، و الله إن أفجر راقصة في حوش اليهودي أشرف منها.” . و مع ذلك فإن نائل أحبها و أراد التمسك بها و لم يستسغ أن تتخلى هي عليه بمحض إرادتها و تراه رجلا كبقية الرجال ” و سحبت مني ذراعها بقوة، معلنة أنها اكتشفت أنّ الرجال سواء، لا يهمهم سوى امتلاك المرأة، و أن أسوأها على الاطلاق هو الامتلاك بوثيقة استعباد .” . إن هذا الفراق كان منجيا لنائل أكثر منه لادريان التي امتلكت قدرتها على التعبير و التخلص و التحرر ، و التي كشفت بذلك أن نائل في آخر الأمر لا بشفق عليه و لا يرحم و لا يغفر له؛ إنه رجل ميت مسلوب الإرادة و الوعي و التحقق، و من ثم يحتاج إلى صدمة من مثل هذه حتى يعود إلى الحياة و يمارسه دوره فيها ؛” و ما إن استعدت قدرتي على المشي و الحركة، حتى لبست ثياب العمل و التحقت بمحلّ الصباغة، الذي أصبح يرتاده الفضوليون لمشاهدتي…” . نائل هذا العربيد الذي يحمل من السلبيات أكثر مما يحمل من الإيجابيات ؛ و الذي يرى في نفسه بطلا مغوارا و نموذجا مثاليا لحوار حضاري يكون هو الحل لكل أزمات اوروبا الاخلاقية و الاجتماعية ، و يسعى إلى تحرير هذا المجتمع من كل تلك العقد و الانحلال الخلقي، و في الواقع هو نفسه لم يسلم من هذه العورات فكانت نهايته الخذلان و الانهزام ، و لهذا أنزله المبدع منزلة الميت الذي عاد إلى الحياة ليكشف عن عودة الوعي لديه فيستفيق مما كان فيه من التيه و البهتان و الضياع .إن المبدع ، في الواقع ، لم يوظف أسبابا خارجية لعودة الوعي بل جعل الأمر داخليا بنوع من التفكير و الحوار الداخلي ، و هذا في اعتقادي لم يعطي الرواية بعدا جماليا و فنيا كالذي يعطيها إياه دور العامل الخارجي في وعي الشخصيات و نضجها الفكري و الحضاري بفعل الثورات و الشعبية و دور الكتاتيب في المحافظة على البقاء. إن العزل الذي مورس على ادريان و على نائل لم يكن في صالح نضج الرواية سياسيا و ايديلوجيا ، و احتاج المبدع إلى فعل غير مبرر فنيا ليقطع هذه العلاقة بين شخصيين غير سويين أو هكذا ارادهما لصورة أخرى لعلاقة الغرب بالشرق ، و على الرغم من الإشارة إلى ناصر الدين دينات( اتيان ديني) فلم يستثمر المبدع البعد الدلالي و الجمالي لهذه الشخصية و شحنها للوصول إلى حقيقة الأهواء و الميول و التفكير عند هذه الشخصية التاريخية و النموذج . و من ثم تقديم المعادل الموضوعي لها عبر شخصية ادريان التي أسلمت و لم يحسن إسلامها و عادت من حيث جاءت تمتلك إرادتها بيدها . لم تحضر شخصية ناصر الدين دينات إلا على سبيل الذكر ليس إلاّ ” استغل فرصة انشغال ادريان مع دينيه و هي تعرض عليه مجموعة ، مبديا رأيه فيها، و عارضا عليها أن تسمح له بأن يرسم بعضها، بخاصة تلك التي التقطتها في رحلتها لرؤية الأسود…” . يمثل ناصر الدين شخصية محملة بدلالات و مشحونة بإيحاءات كان ممكن توظيفها في تصوير مفهوم الخيانة و الردة في الدين و المجتمع .
تقوم الرواية على تحاور حضاري و اجتماعي بين الديانات الثلاث ، الاسلام و المسيحية و اليهودية ، و استطاع المبدع أن يختار بعض المواقف لتسهم في بنية نص الفنية و الجمالية. تبدأ هذه المغامرة ابتداءً من عنوان الرواية ” قدّس الله سري” الذي نهل من معجم لغوي من حقل ديني ، و كأن هذا النص نص صوفي مماثل لما يقوله المتصوفة عندنا ، و في الوقت نسفه مفارق له عبر تغيير في الضمير المتصل من الغائب إلى المتكلم (قدّس الله سره – قدّس الله سري) ليجعل المبدع نقطة ارتكاز لديه الحمولة الصوفية لدلالة الكلمة و اسقاطها على بعض الممارسات العقائدية في المجتمع على مستوى الأفراد و على مستوى الجماعات.؛” فالتقديس هو التطهير, والسرُّ هو ما لم يطَّلع عليه أحد غير صاحبه, وهذه الكلمة هي نوع من الدعاء لتطهير سرِّ هذا العبد المدعوِّ له, بأن يحفظ الله تعالى سرَّه من كلِّ شائبة تحول بينه وبين الله تعالى.” و إذا كان الأمر كذلك فهل أن الكتابة الروائية دنس تستوجب مثل هذا الدعاء على سبيل التحبيب و التقريب . إن فاتحة الكتاب جاءت لتضع هذا النص في سياق معرفي و إجرائي بمقولة ابن عربي:” كل بقاء يكون بعده فناء لا يعول عليه…. كل فناء لا يعطي بقاء لا يعول عليه” و هو مقتطف من رسالة الذي لا يعول عليه و التي جاءت على صيغ أحكام و عظات لإنسان خبر الحياة و مشاكلها، و كان توظيف هذه العبارة بمثابة النص الحامل لخطاب موجه للمبدع قبل القارئ ، و من فهو نص موازٍ قبل أن يكون رافدا للنص ينهل من معينه ، و غن كانت العبارة تعاورت مع عنوان الرواية في الحقل الدلالي و السيميائي و الحمولة المعرفية من حيث أن التطهير يرتبط بالبقاء و الفناء عبر الاندفاع لتحقيق الذات و طموحاتها. “كانت لياليَّ ذات وقع فائق الاندفاع، فكل ما حولي كان يغيب عند اقترابي من شمس، و حتى تلك الأحكام المسبقة التي كونتها حولها عندما روت لي حكايتها قبل مجيئها، كانت تنداح أمام رغبتي فيها، فلا يبق مجال إلا للحبّ و الرغبة التي راحت يوما عن آخر تتأرجح أكثر فأكثر. لم يكن ليعكر صفو حياتي شيء، نسيت أن أدريان قادمة من وراء البحر، و قد راحت تثبت يوما بعد آخر أنها ذات قابلية فائقة على الاندماج، و على استعداد تام لتكون واحدة منا، تتعلم اللغة و تؤدي واجباتها كأي امرأة أخرى….” . كم كان وعي نائل غير ناضج و كم كان مخطئا في تقديره و تخمينه؟ كيف له أن يدرك أن أدريان لا يعنيها كل هذا، و أنها أمام أول اختبار حقيقي ستعريه و تكشف له عن حقيقته هو لا حقيقتها هي، فهي تلك تملك حرية البقاء و حرية المغادرة و حرية الفعل و الحركة ، فهو رجل سلبي لا يقوى المواجهة أمام مرجعية قوية و طموح جارف يحقق به ذاتيه بمعزل عن كل حراك للمجتمع.” و نظرت إلى عيني أبي المليئتين بالكلام الذي ليس له سبيل للتشكل ككلمات، و أدركت أنني منذ زمن طويل جدا، ربما منذ اليوم الذي عدت فيه إلى الحياة لم أنظر إلى عينيه، بعد أن أثقلني وزر الخطيئة التي قتلتني، فكبر معي الخجل الذي جعلني أحجم عن مواجهة عيني أبي بنظراتي .” . فجمع المبدع بين الحياة و الموت و الخطيئة و حراك المجتمع .
و من ثم فإن المبدع لم يجد بد من أن يجعل من حياته مماتا ليعود من جديد إلى الحياة بعد أن يفيق من سباته العميق لتختم الرواية. ” و الأصوات بدأت داخل رأسي تخفت تدريجيا، لعلّ أوّلها صوت أدريان … وحده حديث نذير عن التجنيد في الحرب كان لا يزال يدور و يدور، و أحيانا يتخلله صوت طقطقة الجمر في الكانون، و قد أتى على كل صورة فأحالها رمادا، غير قابل لأن يصير ذكرى” . على الرغم من أن الرماد هو في حد ذاته رمز للاحتراق من ذكرى مصاب جلل و حدث عظيم ؛ إنه صوت أدريان الذي يدق في عالم النسيان.”… واصلتْ: – لم يعد بإمكاني العيش كالخنزيرة تحت سلطة ذلك الأحمق المقامر.- …..- أعلم أني أشكّل لك الآن هاجسان و لكن ما عساي أفعل؟ قدري رماني إليك لا يمكنني الاختيار، يعجبني ذلك. كانت تتحدّث دون انقطاع منذ دخلنا إلى البيت، تسأل و تجيب بنفسها، لم تفسح لي المجال حتى لأقول لها أنّ القدر الذي رماها أمامي قد تنبأت لي به نانّا الضاوية يوما…… يبدو أنّ أهلك غير مسرورين بمقدمي…” . هكذا تترابط الأحداث داخل هذا العمل الروائي بعلاقة غير متكافئة بين أدريان و نائل أساسها الهروب من إلى الهروب إلى و تنتهي من المغادرة من إلى الرحيل إلى …
كان على نائل نفسه المغادرة و الرحيل رمزيا بايحاء واضح و بتشييع من أهل قريته.” حملت على الأكتاف لأوضع وسط بستاننا من أجل صلاة الجنازة، اصطف الرجال و من خلفهم النساء يرقبن الطقس المهيب، تقدم الإمام و رفع يديه و كبّر…. فقد كانوا يتابعون حركة الجسم الذي كان مسجى على اللّوح أمامهم، تفرقوا شيعًا، بعد أن تململت داخل الكفن …” . و هو المشهد الذي سيتمه الروائي في نهاية الرواية في الفصل الأخير الذي جاء بعنوان : برزخ. و الذي جاء فيه من جملة ما جاء”… حُملت مجددا على أكتاف الرجال و وُضعت في داخل كوخنا و هبت ناحيتي أمي و أختيّ تمزجان الدمع بالضحك” في منظر عجائبي يقع بين الحقيقة و الخيال و بين الواقع و المتخيل مما جعل الرواية تستفيد من هذه المسحة العجائبية. ذلك ” إن الرواية الفانطاستيكية/ العجائبية roman fantastique/fantastic novel تتجاوز الواقع والمنطق إلى اللاواقع واللاعقل عبر خاصيتي التعجيب والتغريب.” ، و نحن إذا نشير إلى هذا الأمر لا نزعم أن هذه الرواية هي رواية عجائبية بالقدر الذي نقر بأنها احتوت مشاهد عجائبية جعلتها تستفيد من جمالية تلك الأحداث التي تقع بين الواقع و الخيال من حيث التحقق و إمكانية الوجود و كأنها من باب الحدس أو التخاطر.
عوّل المبدع على لغة تجمع بين عدة مستويات لغوية تنهل من مرجعية النص الديني لتتغذى من حمولته الدلالية و المعرفية فتستدعي كل تلك اللإيحاءات المصاحبة للنص الموظف لما يسافر من مصدره لتستقر حيث أراد لها المبدع أن تكون في روايته؛ من ذلك قوله:”زليخة التي راودتني عن نفسي حين ولجتُ عتبة العشرين، كان الفرق ما بيننا عشر سنوات….” . إن استدعاء الآية القرآنية في سورة يوسف، قال تعالى((وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ )) على سبيل التضمين من دون ذكر الآية الكريمة ، و يكتفي باستحضار السرد القرآني على سبيل التكثيف و الاستدراج و المواءمة مع وجود الفارق. و نهل هذا النص السردي من السياق الديني للمسيحية ليعبر إلى أغوار الشخصية و عالمها الداخلي و مرجعيتها الدينية و الروحية ؛” يا مريم، يا أمّنا الممتلئة بالنعمة يا سيدة النور في هذا العالم، مدي لي من نورك لأقتبس منه، أنا الضائعة في هذا العالم الظالم، وسط حشود من التائهين أمثالي في ظلمات أنفسهم أغيثيني يا عذراء، و أقري في قلبي أن ما أعيشه امتحانٌ لتختبري محبتي لك، يا أم المساكين و الضائعين، خذي بيدي إلى الدرب الصحيح، وجهيني بهداك الذي لا يجيد من يهتدي به، ضعي في دربي أسباب الراحة، و باركيني يا سيدة المحبة و النّور.” . و صاغ المبدع كلامه على أنه صلوات مقتبسة من المرجعية المسيحية .
يبدو أن المبدع مارس نوعا من الحفر في بعض المدونات للوصول إلى مثل هذه النصوص و توظيفها في الرواية حتى تنهل من هذه المرجعية الدينية ليضعنا في السياق الوجداني لشخصياته ؛ مما جعل هذا النص يستفيد من هذه المستويات اللغوية المتنوعة و المتباينة و المتميزة بين واقع متحضر حالم و مغرٍ يبحث له عن مخرج و واقع متخلف يغرق في خطاب تسويفي أقرب منه إلى التناقض و الاضطراب و الخلل الاجتماعي من خلال توظيف الخطاب الديني الاسلامي لتبرير واقع أقرب على الغرابة و الشعوذة و مظاهر الشرك الأصغر ، و قد وفق المبدع في تصوير بعض الممارسات الاجتماعية و الطقوس القدسية ليكشف عن مستوى الوعي عند هذه الفئات الاجتماعية ، بل إنه في مواقع يكشف عن مصادر المعرفة من ذلك قوله:” مدتْ يدها ناحيتي لتضعها على رأسي، بدأت أحس بخدر يدب في جسدي و ببرودة تجتاح كلّ مفاصلي ، كانت تبتسم و كنت ارتجف، أغمضت عينيّ و سمعتها تردّد: – المعرفة و القرآن، الزّين و البرهان.” .و انطلاقا من هاهنا فهل أن هذه الرواية رواية صوفية أو بالأحرى عرفانية تعنى بعوالم التصوف ؟. يقول ابراهيم الحجري عن تعدد مسميات هذا النوع من الكتابة الروائية:” تختلف تسميات هذا النوع الروائي؛ فهناك من يسميه الرواية العرفانية (ابن عرفة)، وهناك من يسميه الرواية المعرفية (أماني العاقل)، وهناك من يسميه الرواية الصوفية على شاكلة القصيدة الصوفية، وهناك من يسميها الرواية النورانية (سارة الجروان) ، و مهما كانت التسميات فإن المبدع نجح في جعل هذا النص الروائي يلامس هذه الرؤية الفنية و الجمالية و الفكرية لما جعل النص ينهل من خصوصية الخطاب الصوفي ؛ يقول:” لم أدرِ كم مرّ من الوقت و هي تردّد الكلمات الأربع و تمسح على جسدي الذي صرت أحس به أقل كثافة، و لكني كنت أحسّ بشيء ينفذ إلى داخلي كأنما هو شخص آخر بدا يحلّ محلّي في جسدي.” . إن مثل الصياغة تجعل الرواية تنهل من خطاب صوفي يمجد الكرامات التي تخص بعض العباد دون سواهم ، و لكن إلى أي حدّ يمكن لمثل هذا التوظيف أن يجعل رواية ما عرفانية و أخرى؟ أ لا نجد في روايات أخرى من غير العرفانية توظيفا لمعجم صوفي و ذكرا للكرامات و مع ذلك لا توصف بتوصيف العرفانية، فرواية الطاهر وطار ” اللي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي ” تدرج ضمن أدب المحنة أو أدب العشرية السوداء .
لعل مما يحسب لهذا النص السردي قدرته على رفض التنميط أو التصنيف ضمن نوع روائي واحد؛ خاصة و أن مبدعه يعول كثيرا على التجريب لمحاولة الوصول إلى كتابة تتجاوز المألوف و المعتاد في الخطاب الروائي الجزائري، و هو توجه لا يخص الجزائر وحدها بل قد يصبح تيارا للكتابة الجديدة في الوطن العربي . “يتحدث عبد الإله بن عرفة ،وفي تصوّره للرواية العرفانية، عن مفهومين رئيسين:
مفهوم الكتابة بالنور وعبر السفر فيه من عالم الواقع إلى عالم الخيال، الخيال الخلاق، بقدر ما يستلهم مصدره من القرآن وأسرار حروفه وتجلّيات بحره، فينكشف للذات العارفة من علوم ومعارف واستيهامات ما ينقل نص الرواية إلى ضفاف لا تتوقّعها؛
ومفهوم الحاضر أو شهادة الحضور الذي يستوعب الماضي والمستقبل معاً، فيعيد طرح قضايا سابقة وقعت في مجرى التاريخ الجماعي، وبخاصّة تلك القضايا الملحة التي لا تزال ماثلةً أمامنا، تخاطب الوجدان والمعرفة والمخيال…”
إن عنوان الرواية و فاتحة ابن عربي و بعض المواقف و المشاهد قد تدفعنا إلى تصنيف هذه الرواية ضمن الرواية العرفانية ، و في الوقت ذاته فإن علامات أخرى و مواقف و مشاهد تجعلها رواية تاريخية بامتياز أقرب إلى السيرة رواية ، بل إن الواقع فيها أكبر من الخيال إلى درجة أن المؤلف يوهمنا بأن الخيال أصبح واقعا و يزرع فينا مجموعة من الأهواء و العواطف من ميل نحو شخصيات أو نفور من أخرى ، و يصبح نائل رمزا لقبيلة أو لعشيرة ، و تصبح بوسعادة رمزا لقرية رمزا لوطن . و تكون أندريان معادلا موضوعيا لنائل في الرمز و العلامة.
أوجد المبدع مبررا فنيا و جماليا لتلك العلاقة ا اجتماعية بين أدريان و نائل ، و لكن في الوقت نفسه أثقل النص بهذه العلاقة الإنسانية بين هذه الأنماط اللغوية بمرجعيات مختلفة ، و لعل هذا ما أضطره إلى تخصيص قسم لكل شخصية ؛ فالقسم الأول كلن بعنوان”أنا” و الذي جاء في حوالي 60 صفحة ، و جاء القسم الثاني “أدريان” في حوالي 65 صفحة ، و كان القسم الثالث “ردّة” في حوالي 42 صفحة ن و تنتهي الرواية بالقسم الرابع “برزخ” في حوالي 19 صفحة.
نلتمس سببا فنيا وراء تناقص الصفحات في القسمين الأخيرين قياسا للقسمين الأولين في أن طبيعة العمل تقتضي مثل هذا الخروج لتجعل النص مفتوحا على قراءات محتملة عبر قدرة المتلقي على التخييل لهذا العمل و ما يثيره فيه من تداعيات و صور فنية و جمالية لمجموع القيم التي صورها هذا العمل السردي؛ الذي قد تكون له تتمة فيما سيكتب هذا الروائي من نصوص قادمة. يدفعنا هذا الوضع إلى السؤال عن سبب عدم التناسب بين أقسام الرواية من حيث الحجم و حيث ملء الفراغ و شغل الحيز الروائي. ألا يمكن تفسير ذلك بنقص النفس لدى الكاتب على مواصلة الكتابة بالتدفق نفسه و كأنه أدركه التعب أو العياء أو بعض الملل. أو أن ذلك من باب التخلص و إنهاء القصة و ليس الحكاية على هذا النحو، تنتهي ببداية الحرب التي هي فاصل بين مرحلتين : ما قبل الحرب العالمية الأولى و ما بعدها و خاصة لما يوظف ناصر الدين دينيه بوصفه إيقونة زمنية نحدد بها زمن وقوع الأحداث؛ إذا جعل أدريان تلتقي بهذا الفنان الذي يجيد الرسم و تعرض عليه مجموعة الصور التي التقطتها ليقوم برسمها كما جاء في الصفحة 170 .”…استغل فرصة انشغال أدريان مع دينيه و هي تعرض عليه مجموعة صورها، مبديا رأيه فيها، و عارضا عليها أن تسمح له بأن يرسم بعضها….” و انطلاقا من هذا التحديد و مما جاء في آخر الرواية “…. وحده حديث نذير عن التجنيد في الحرب كان لا يزال يدور و يدور…” . يكون زمن الأحداث في الرواية هو زمن الحرب العالمية الأولى.وظف المبدع الكثير من الايقونات الدالة على زمن الحدث ، كأن يقول:” ولدتُ قبل سبع سنوات من العام الذي اجتاح فيه الطاعون مدينة بوسعادة، ” . فجعل الميلاد قبل الطاعون رمز الموت الجماعي.
النصوص الملحقة:
اعتمد المؤلف على توظيف النصوص الملحقة في نصه هذا و من ثم استفادت هذه الرواية من الشحنة الدلالية لهذه النصوص و من حمولتها التاريخية بوصفها معالم من معالم تلك الفترة التي شهدت كل تلك الوقائع و الأحداث، و أعطتها بعض المصداقية من جهة و جعلتها أكثر واقعية من جهة أخرى كما كانت هذه النصوص شاهد حال على بعض الممارسات من ذلك :” …. و حين تقدما منح الورقة لدينيه حتى يقرأها، فكان مضمونها:
Moi Adrianne Mauryaque je concède sans conditionnels ou forcement, que je suis musulmane. Et j’accepte d’etre l’epouse de Nail bensalem.
Les temoins :
Nacer eddine denet
Slimane Ben Brahim
Bousaada le : 12 mai 1913
La signature
ثم سلمها إلى أدريان التي راحت تتأملها و تدقق في كلّ حرف منها، ثم فجأة أعادتها إليه معترضة على توقيعها.” . إن مثل هذه التوظيف يحرك فينا العلة في وجود هذا النص داخل الرواية؟ و ماذا يضيف إليها من حمولة معرفية و فنية و جمالية ؟لا شك أن النص يتغذى من ا كل النصوص الملحقة بطريقة أو أخرى

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قراءة في رواية ” مخاض سلحفاة ” وبطلها الذي لن يعبد أبدا / بقلم الروائية. عبلة قدوار

قراءة في رواية ” مخاض سلحفاة ” وبطلها الذي لن يعبد أبدا … من الجميلة ...