الرئيسية / أخبار الرواية / فصل من رواية : عايشة / حنكة حواء
15541692_10206336984057644_9214549247604094566_n

فصل من رواية : عايشة / حنكة حواء

هو المصِير عينُــــه الذّي ينْتظر كلّ فراشَـــــة

تشْتهي أن تسْــرق قليلاً من شعْلة الحيَاة ..

( واسيني الأعرج ) -1-

هُناك … حيث لا يُــوجد غيْــر السّراب ، ورمَال ممدّدة عاريَة لاَ تهاب حرقَــة الشّمس ، بِكْــــر تصارعُ آلام المخاض ، لم يجلبها لهذا المكَان الموحِـــش طائِر اللّيل ، ذاك الذي انخَدع به الكثير من صبية ” اعميش ” ،وعُثـــر عليهم بعد بحث مضنٍ ؛ يكفّنهم رمل الكثيب ، بل جلبَها هــذا الغريب ، منحَها برنُسَه مع صرّة تَمر ، ثمّ غَادرها على عجَل وامتزج بالرّيح . هي الآن وحيدة ؛ تتخبّط على الأرض من شدّة الألم ، ترفع رأسها بين الفينة والأخرى ؛ تقلّب بصَرها ذات اليمين وذات الشّمال علّها ترى طيفه ، ولا شيء غير ريِح عابثة ؛ تراقص الحصَى و تدنْدن بالصّفير . ــ يا لهَذا السّراب اللئيم ؛ يمدّ لَها لسَانه اللّعوبَ تشمّتا … ما الضّير لو منّ عليْها بخيال يشْبهُــه !! . لمّا استشعرت زوَال الألم ، رفعَت طرف ثوبها السّفلي وعضّت عليه بفَمها ، ثمّ راحَت تهَرول سعْيا بيْن كثِيبين ، تشدّ علَى ظهرها بيدها كلّما أحسّت بالوجع ، لا دخل لهذا بالذّاكرة ، وحْــدها الغريزة من دلّتها أن ألم المخاض يسكن آخر الظهر ، حِين نال منْها الرّهق بركت، ولأن الشّمس حارقة وقد بلغ العَطش منها منتهاه، حبَت حتى صرّة التمر التي ترَكها لهَا أخذت منْها حبتين تناولتُهما دون رغبَة وعادت تقلّب الفَراغ، ولا شيء غير رمَال جَـــرداء وريح عقيمَة . رست يديها في الرّمل و همّت لتَقف ، فانفجَرت عيْن الطّلق من تحتِها، باعدت بين رجليها تستوضِح الأمْـر فابيض جفناها من الرّعب ، راحت تجري دون وجهة ، تبدّى لها طيفه عند الأفق فتنَاست ما بِها وضَحكت ، رفعت طرْف ثوبها ثانية وعضّت عليه ثمّ جرت نحوه ، لكنّ العَراء الفسيح ظلّ يتوالد مع كلّ خطوة والأفُـــق يتباعد . ـ هَاهو السّــــراب الآن يتسلّى بالخديعَة ؟! لما استيأست مِن الوصول إليه، تهاوت على الأرض تلهث من العطش ، تمددت على ظهرها ثمّ بسطت ذراعيها ، شيء ما وخزها في يدها ، رفعتها لتحكّ المكان ، فإذا بشيء أصفَر يميل لونه للسّواد يجري بخفّة على الرمل ، تناست وجعها وراحت تحبو ببطء تتبعُه ، فإذا بقشعريرة تغزو جسمها ثمّ برودة تسري من مكَان الوخْز ، فتكوّرت على نفسها دون أن تتخلى عن رفع بصرها بين الفينة والأخرى نحو الأفق ، فإذا بألم المخاض يعود بحدّة ثمّ يشتد أكثر ، والبُرودة تسري تتصاعد أكثر ، والعرق يتصبّب يزداد أكثر ، والشّمس تتوسَط كبِـــــد السّماء تراقب كلّ هذه التّناقضات ؛ رافعة هي أيضا من لفح أشعتها في تحدّ أكثر فأكثر ، رفعت هي عينيها فيها بثقل كأنّها تسألها : – حتّى أنتِ !! ويكأنّ نداءها سُمع ، شيء ما أظلّها واختفَت على إثْـــره الشّمس ، ثمّ رذَاذ مَاء بَارد تساقط على صفحَة خدّها ، وصوت بعيد يظهر تارة ويختفي أخرى لكنّها ميّزته ، لازال عالقا بلحَاء المخ لم تنل منْه ذاكرتُـــها المثقوبة . – عايشة ، عايشة . فتحت عينيها بثقل ، فإذا بالغريب واقف عند رأسها يرشّها بالماء ، انتفضت من مكانِها وبكلّ العفويّة التّي تحمل احتضنته ثمّ بَكت بحرقَة ،رمقته بنظرَة أدرك من خلف سيْل الدمع أنَّها تعاتبه فبَكَـــى ، مسحَ بطرف عمَامته خدّها قَائلا : – منعْــرفش لأمُــور الولادة ، الربّي يا عايشَة سامحِيني !. ابتسَمت لَه ، وبتلك الحَركة الغبية التي يحْفظ حكّت شعرهَا فابتَسم أيضًا ، فجأة جحَظت عيناها ، غرست يديها في ذراعيه بقوة و صرخت صرخة مدوّية ، ثم ارتخت و سكنت ، تاركة صوتًا صغيرًا ناعمًا ، يملأ الفَـــراغ صراخا ؛ يتحدّى به صوْت الرّيح .

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

20882363_1446668375413763_5052822029057095653_n

قراءة برواية “شياطين الجوف ” للكاتبة سميرة منصوري / بقلم.غزال مراد

شذرات من رواية “شياطين الجوف ” للمبدعة سميرة منصوري . رواية النفس الواحدة ،قرأتها ظهرا ...