الرئيسية / أخبار الرواية / فصل من رواية : ما تشتهيه الروح / عبدالرشيد هميسي
15621619_10206336983897640_7766338647675133347_n

فصل من رواية : ما تشتهيه الروح / عبدالرشيد هميسي

15621619_10206336983897640_7766338647675133347_n[الفصل الأول]

              “الزمن لا يفسد ما نكسبه فقط , إنما  

                    يجني على المركوز فينا بالفطرة فيشوهه وينحرف به ” 

             عيسى لحيلح . من رواية كراف الخطايا ج2.

 

 

 

 

 

 

 

 

أجمل الأقدار هي تلك التي لا نستطيع أن نتنبأ بحدوثها, تأتي هكذا في صفنا صدفة, ودفعة واحدة وكأنّ لا مقدِّر وراءها.

ولكن لهذا النوع من الأقدار شرطا, هو أن تكون قادراً وجاهزاً معاً لأن تخوض التجربة التي ستضعك أمامها وجهاً لوجه. وإلاّ فلن تكون؛ فالله – حسبما أفهمتني الحياة – يرشّ الناس بالأقدار خيرها وشرِّها, فإن أثبتوا جدارة أعوادهم وخلوص ونفاسة معادنهم, قرَّبهم إليه وخصّهم بفضله, وأسعدهم. وإن أثبتوا عكس ذلك نبذهم عنه وأشقاهم. ويا ويل من أشقاه ربي.

أنا كنت من الذين أشقاهم ربي, لم أكن أبالي أبداً بالرسائل التي كان يبعثها لي, أو بالأقدار التي كانت تتفقدني وتحاول أن تعيدني إلى الجادّة, لأني كنت عصيا عليها, أتحاشاها وأتجاهلها وأواقع المعاصي وكأن شيئا لم يكن, وأعلم أنّ في قلبي جمرة صغيرة قديمة, حاولت أن أُطفئها كي أتخلّص من لسعها لكنها كانت أعمق مما تصورت, كانت جمرة وكنتُ الرّماد.

أنا (حسن شرقي) في الوثائق الإدارية فقط, و (حسن الباير)[1] في الحياة والحقيقة. هكذا يحلو لأصدقائي والكثير من الناس أن يسمُّوني, وذلك لأني بلغت سن الأربعين ولم أتزوج بعدُ , كنت مشغولا بلذائذي ومعاصيَّ لذلك مرّت السّنون من تحتي دون أن أدري, وكلما مرت سنة كثر الرّماد الذي أُخلِّفه.

أنفقت عشرين سنة في الخمرة والنساء والليالي الحمراء, وفي المخدرات والأزقة الخلفية الضّيقة ,وطِراد رجال الشرطة. شوهتُ كلَّ البراءة التي منِحَتْ لي في طفولتي, حتى استحلتُ مسخاً.

وما بقي فيَّ من الإنسان إلاّ شيئاً واحدا, هو أني كنت أحترم كل منْ أشتمّ فيه رائحة الله, لا أدري لماذا ! ربما ذلك فعل الجمرة التي في الرَّماد !

نبّهتني لهذه الخصيلة عاهرةٌ تعوّدتْ عليّ لكثرة معاشرتي لها, قالت لي وقد كنا نتسكع في الشوارع, ومررنا قرب مسجد, فخرج الناس من صلاة المغرب وقد أخذوا من نور ربهم الكثير, وقد كنت مطأطأ رأسي خجلا: ” نقلك حاجة يا حسن, نشوف فيك كيلي تحشم من الناس لي فيهم ريحة ربي, طز فيهم وفي أمهاتهم, كلهم منافقين, يصلوا في الصف الأول وفي زحمة الكيران دايرين فينا حالة..”[2]

قلت لها ألاّ تحشر الناس في سردابٍ واحد ففيهم المخلص وفيهم المتلون, ويكفيهم كلهم أنهم يقفون أمام ربهم في اليوم خمس مرّات, يحدثونه ويتلذذون بالقرب منه, ويسألونه حاجاتهم ويشكون إليه مكارههم. ولكن كلامي ذهب مع الريح, فكأن تلك العاهرة خلقت من غير أذنٍ.

          عشرون سنة من التشوّه تكفي أن تنسيك الإنسان الذي فيك, تكفي أن تُحلَّ مكانه خنزيراً أو قرداّ أو أيَّ شيء آخر..

  أحياناً يحلو للحياة أن ترسم لك المسارات المعوجة نكاية فيك, أذكر أني حين كنت في العشرين من عمري, بدأت المسارات تعوجّ بي حين تعرفت على (مسعود الضبع) الذي كان يكبرني بعشر سنوات, أخذ بيدي وأراني العالم من شوارعه الخلفية الضيّقة. ذات ليلة أخذني في عجلة على العجلة النَارية, وحين سألته إلى أين المسير؟, قال وابتسامة ماكرة على وجهه: ” الليلة راك بش تلقح “[3] . و ذهب بي إلى إحدى الشوارع الخلفية المظلمة ولقينا امرأتين تنتظران, ذهب إليهما, وتمتموا قليلا وأخرج من جيبه أوراقاً نقدية وأعطاها لهم, وذهب بنا مسعود إلى بستان قريب به بضع نخلات وأشجار, وكان القمر يضيء الأشياء ويؤنس.

[1]الباير : الأصل أنها تطلق على النساء العوانس “بايرة” وهي في العربية من البوار . والأرض البور هي التي لا تصلح للزرع والغرس.

[2]أقول لك شيئا يا حسن أراك خجِلا من الذين فيهم رائحة الله سحقا لهم ولأمهاتهم , كلهم منافقين يصلون في الصف الأول , وفي زحمة الحافلات يفعلون بنا الأفاعيل.

[3]الليلة ستتلذذ.

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

20882363_1446668375413763_5052822029057095653_n

قراءة برواية “شياطين الجوف ” للكاتبة سميرة منصوري / بقلم.غزال مراد

شذرات من رواية “شياطين الجوف ” للمبدعة سميرة منصوري . رواية النفس الواحدة ،قرأتها ظهرا ...