الرئيسية / الرئيسية / الرواية الجزائرية بين ماركس وإدورد سعيد / د.فيصل الأحمر
14045639_10206329239664676_2018114160257367314_n

الرواية الجزائرية بين ماركس وإدورد سعيد / د.فيصل الأحمر

هكذا أفكر:

الرواية الجزائرية بين ماركس وإدورد سعيد

كل الوقائع الهامة ، كل الأشخاص ذوي البال، وكل الأفعال ذات الرمزية العالية تتكرر على محور الزمن مرتين على الأقل؛ ترد مرة أولى على شكل تراجيدي ومرة ثانية على شكل هزلي.

هكذا قال كارل ماركس معلقا على ثورة 1851 التي جاء في أعقابها الحكم الإمبراطوري للإمبراطورية الثانية، والذي سار ضد مصالح أولئك  الذين حركوه…أبناء الطبقات الدنيا الذين قادوا ثورة شعبية ضد البورجوازية فانقلبت وبالا عليهم، وهو الوضع نفسه الذي كان عام 1799 على هامش الثورة التي صعدت بنابليون بونابارت إلى الحكم المطلق الذي محا قيم الثورة الفرنسية محوا تاما، فكأن الثوار قد لدغوا من الجحر نفسه مرتين دون شعور باللسعة أصلا، وتلك مهزلة التاريخ.

وهو يتأمل سير الحدث الثوري بعينه التي تلقط كل حادثة في كل مكان وكل زمان؛ تماما كعيون “سيبيلا ” الاغريقية التي هي عين عليمة ترى كل شيء في كل مكان في الوقت نفسه، قال ماركس قولته حول أننا نعيش الوقائع نفسها بشكل تراجيدي، ثم تتكرر علينا ونحن على هامش التاريخ نتفرج ضاحكين، ونكتفي ربما يتأمل ذي طابع سلبي يبرر عجزنا عن أن نكون فاعلين…وهذه هي قمة المهزلة.

في أعطاف نفس الكتاب؛ “نابليون بونابارت في الثامن عشر من شهر برومار”  (1952) يقول ماركس جملته الشهيرة عن الطبقات الدنيا : “إنهم عاجزون عن تمثيل أنفسهم، فلا بد أن يتم تمثيلهم”…

جملة ستكتسي أهمية كبيرة بالنسبة إلينا نحن الشرقيين لأنها إحدى الجمل التمهيدية لكتاب الاستشراق لإدورد سعيد.

أخط هذه الملاحظات متأملا ظاهرة روائية غريبة تنتشر بشكل مثير للجدل دون أن يقف لديها المعلقون والكتاب وآل بيت النقد عندنا في الجزائر؛ ظاهرة امتلاء الفضاء الروائي الجزائري بصور الجانب لا كمكونات بانية للجدارية التخييلية التي لا يملك أحد أن يصادر عليها، بل كمكون لا واع يصدر عما يشبه أن يكون مغارة ميتافيزيقية يختفي فيها سر أسرار التخييل الجزائري.

يبدو لقارئ الرواية الجزائري ( والعربي عموما؛ لأن ما سأعرضه من تأملات يمكننا سحبه على المشهد العربي ببساطة كبيرة) بأن الحياة الجديرة بالعرض الروائي هي حية يلعب فيها الأجنبي دورا محوريا، أو هي حياة لا تؤدى إلا من خلال العيون الأجنبية التي ينبغي أن تنظر إلى حياتنا لكي تحقق جدارة الوصف وأهلية السرد التي يرتفع بها الفلاسفة التحليليون إلى أعلى مقام من مقامات التفكير البشري (بدءا ببرتراند راسل واستمرارا إلى غاية اليوم)  ، تبدو الحياة الجزائرية خالية من كل ما يمكننا أن ننتبه إليه، وما يمكننا سرده للاخرين، هذا البعد التمثيلي الذي يذكره ماركس والذي يستوقف حواس إدورد سعيد أثناء تشريح طبيعة العلاقة بين المستعمر والمستعمر (بالفتح ثم الكسر طبعا) والذي يبدو من خلال طريقة تمثل الروائيين عندنا للحياة المحلية ثم تمثيلهم لها ( والرواية من أفضل وأنصع وأنجع الطرق لتمثيل الحياة والحقائق…بل إن الفلاسفة يتحدثون عن “الحقيقة الروائية” التي تفوق أنماط الحقيقة الأخرى بأنها أكثر تعاليا عن المعطيات الحسية المخاتلة لأنها متغيرة بتغير الطبيعة الحسية للحقيقة؛ في حين تبقى الحقيقة الروائية على حالها…شاهدا لا يغير شهادته على العالم، ويتغير العالم فتضل هي شاهدا على تاريخ كيانات ما)، هذا البعد التمثيلي إذن يبدو خاضعا لسلطة تمثيلية استعمارية لا تزال سارية المفعول، بل ربما تكون قد طورت أداءها لأنه أصبح أكثر لطافة وأشد خفاء ليصبح أكثر فعالية وأخطر استحكاما.

يمكنك أن تقف على سرود مرجعية كبيرة في الأعوام الفائتة في الجزائر: ثلاثية أحلام مستغانمي، أغلبية أعمال واسيني وأعمال أمين الزاوي وعمارة لخوص، وكذلك روايات فضيلة الفاروق،ويمكنك تغيير لغة التعبير لتقرا روايات ياسمينة خضرا و  بدرجة أكبر أعمال بوعلام صنصال رواية كمال داود “ميرسو تحقيق مضاد”،و…و…و…ستجد دائما شخصية مختلفة الجنس والجنسية، ولغة أجنبية، أو تجد مولدا مختلطا لمن أحد والديه غير جزائري، وستجد خريط غريبة للأشياء تجعل حياة الجزائري الخالصة جزائريته وكذا أفعاله واختياراته ورؤيته للعالم تافهة صغيرة حقيرة في مقابل ما تجده للشخصية الأجنبية.

المسافر إلى البلدان الأجنبية في النص الجزائري أو العائد منها ، والذي له أم يهودية واب مسلم، أو الذي أصوله تركية أو فرنسية، والمهجن سواء بالمولد أو الثقافة أو بالانبهار فقط هو دائما شخصية إيجابية تحيط بها شخصيات غير ذات فائدة لا تمثل قيمة دلالية مضافة.

في البداية يغلب علينا ألا ننتبه لأمر كهذا ولكننا سرعانما نفاجأ ونحن نبحث عن خصائص جزائرية في رواياتنا فلا نجد سوى أقلية من الكتاب يقدمونها تقديما يتغلب على الثنائية الاستعمارية التي تنقطع على مستوى الشعور لتستمر على مستوى اللاشعور.

في “شارع داروين” يتأرجح البطل طفلا بين زيارة مسجد وزيارة هيكل يهودي فنجده بكل غرابة يستهجن اللهجة العنيفة للإمام داخل المسجد وتتشكل عنده عقدة من صورة افمام الخطيب، ثم نجده يرتاح للهدوء والدعة والطمأنينة التي يوحي إليه بها الحبر وهو يتكلم أو يقدم درسه دون أن يفهم ما يقوله.

يكنك أن تشكل مسردا للشخصيات المحورية في “ذاكرة الجسد” أو عملية إحصائية لعدد الصفحات التي تقدم صورة مشرقة عن البلاد والتي تنظر من ديار الغربة بعين الانتقاد التي سندها الرئيس عين الاستحسان التي تنظر من الخارج…ستتجلى أمامك سريعا صورة تذكر بالخطاب الكولونيالي الذي بنى تبريرات لأفعاله في البلدان المستعمرة على رسم صورة قاتمة لا تأبه بالحقيقة لهؤلاء المستعمرين الذي هم “عاجزون عن تمثيل أنفسهم” والذين هم “بحاجة إلى من يمثلهم” .

لقد قمنا بثورة شبيهة بتلك المذكورة أعلاه التي قام بها الفرنسيون أول مرة، ونلنا الحظ نفسه من التراجيديا ، ثم يبدو اننا وقعنا في مطبات التاريخ الاستعماري الذي يجعلنا اليوم نعمل لا شعوريا على ضمان استمرار الوضع الاستعماري ظنا منا بأننا نمارس نوعا من المقاومة لمقوماته من خلال ترسيخ اللغة الوطنية مثلا (وإن كانت لست قاعدة مطردة كما يبين الواقع ذلك بوضوح وفصاحة). ونحن هنا نحقق المهزلة التي هي إعادة العجلة التاريخية بالشكل الذي نوينا مقاومته ونحن نعتقد باننا نفعل العكس تماما.

ليس ما نفعله في هذا المقال محاكمة بل محاولة تاس على نصوص روائية كانت تنظر إلى المكون المحلي بعين محلية هدفها وضع اليد والحرف والمعنى على حياتنا وعلى الناس عندنا حتى وإن كانوا لا يسافرون كثيرا، ولا يدخنون سجائر فاخرة، وليسوا من رواد الموضة. بل أناس بسطاء نعرفهم ونحبهم ونقرأ عنهم فنسترجعهم، ونقرأ حكايا حبهم وكرههم وحزنهم وأحلامهم وخيباتهم وما يقولونه وما يخفونه فنتعرف على ذاتنا ولا يضيرنا في شيء أنهم كانوا يسكنون “دوارا” أو “دشرة” ويلبسون”قندورة” أو “شاشية” أو ينتعلون “گاعة” أو “قبقاب” أو “شلاكة” ويحملون الماء على ظهر الحمار كما يفعل/يسكن/يلبس/ينتعل أبطال الطاهر جاووت ومولود فرعون والطاهر وطار  وبن هدوقة ونجيب محفوظ وجمال الغيطاني وإميل حبيبي…

أبطال ليسوا شذاذا بالضرورة ولديهم حياة اخرى عدا حياتهم الجنسية، قد يحبون وطنهم دون يكون شعورهم تعبيرا عن “لغة الخشب” …قليلو الحظ من العلم ومن المدرسة ولكنهم واسعو الحظ من الخبرة والحب والقدرة على صنع أشياء كبيرة ودلالات ضخمة حتى وةإن لم تكن حياتهم مبهرة كثيرة الألوان عالية الإيقاع بالضرورة.

يبدو أن كتّاب اليوم يريدون حياة داخل نصوصهم بدلا من اتخاذ نصوص لأجل الحياة. وهذا ما يخلق التهافت بدلا من التأمل، والتنابز بدلا من التحاور، والجري الخارجي وراء المنصات الفاصلة في الأمور بدلا من السعي الداخلي وراء التنصت للأمور الفاصلة.

سيقول لي قائل: ولكنه إيقاع الحياة قد تغير. وسأسأله: وأين دور الكاتب؟ وما الفرق بين المفكر والمفكر لأجله؟

سيقول سائلي في دخيلته: أخشى أننا نتصرف إلى غاية اليوم كأشخاص عاجزين عن تمثيل أنفسهم وبحاجة إلى من يمثلهم.

كنا نقرا أدبا يقال عنه: قرأت رواية رائعة أعيرك إياها وردها إلي بسرعة، وهي تعابير تدل على الملكية والاستحواذ على النص، وعلى الحميمية وعلى علاقة حب بالنص، ولم يكن هاما ما نؤشر به اليوم على النصوص الكثيرة التي تفتقد إلى الروح: حاصل على جائزة، وارد ضمن القائمة الطويلة/القصيرة لجائزة كذا…

كنا نقرا نصوصا كان أصابها يكتبونها لنقرأها ونتلبس بها ولا يكتبونها لكي تكتب الصحافة عنها فنشتريها ونأخذ صورة إلى جانبها يراها رواد المقهى الكوني “الفيسبوك” ، ثم نؤجل قراءتها بسبب….

السبب؟

السبب يحتاج مقالا آخر…

فيصل الأحمر

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

20915452_300588093752622_343970535235673825_n

قراءة في رواية “شياطين بانكوك” للكاتب طواهرية عبد الرزاق

قراءة في رواية “شياطين بانكوك” للكاتب طواهرية عبد الرزاق من إعداد: * الأستاذ: بلال لونيس ...