الرئيسية / أخبار الرواية / إصدارات / فصل من رواية : باب السبت / عبدالقادر مهداوي
باب السبت

فصل من رواية : باب السبت / عبدالقادر مهداوي

عن الناس وفي الحالات جميعها ستكون بعيدا، كيف تكون قريبا من نفسك عن ذلك فابحث. أن تكون ضريرا، يعني أن تصير وفيا للأشياء، التي نجت من طوفان ذاكرتك، أن تكون جامع تحف نفسك القديمة، وأن تصبح متحفا لنفسك لتغدو ذكرياتك آثارا عاطفية لا تقدر بزمن، وعندها ستكون آخر ذكرى لنفسك، ولأن الذاكرة تفيض في مواسم النسيان، لتتخلص من زبدها ومما ينفع العاشقين أيضا، فإنك ستكون طوال الوقت بحاجة إلى أنيس قريب عهد بآخر ما التقطَته القلب من صور فيك. هكذا ومع الوقت صرت خبيرا بالأصوات، فنان أصوات، أقدر الأشكال والألوان من سمات الصوت وملامحه، ولم أكن أُعمل كبير جهد كي أطمئن نفسي في كل حين : ــ نحن نملك قوالب كافية، من الأشكال والألوان والروائح، كي نبقى على اتصال مشرف بالكائنات. إن فاقد البصر يستغني شيئا فشيئا، عن حاجاته التي توفرها المادة له، وعن حرفة المرئي الذي يرانا بألف حاسة، الهواية التي تمارسها الطبيعة في كدحها الدؤوب لتسيير شؤونها، لأنه سيتأكد في الراجح، وذلك فقط حين يفك لغز الأضواء، وطلسم غواياتها، أن الإنسان حيوان قلبيّ، حيوان بعيد جدا عن أن يكون نورانيا، هذه القناعة قد يلزمنا الكثير لنعتقدها، لكنها قناعة واقعية في الواقع، أكثر منها مواساة للذات. غالبا ما كنت أفكر وأنا قبالة الظلام، في أولئك الذين لم أرهم كثيرا، وفي آخرين محتملين لم يسبق لي أن رأيتهم، فأحس ّبمرارة الأسى، ولست أعرف لماذا صرت أحن ّكثيرا في السنوات الأولى من إصابتي، إلى أولئك الأشخاص الذين كنت أراهم ولا أكلمهم، إلى الذين قابلتهم مرة واحدة في حياتي أو مرتين. وكانت نفسي تخاطبني متحسرة : ــ إن الذين نراهم مرات معدودة في حياتنا، هم الأجدر من غيرهم بواجب الانتباه إليهم، وبمراعاة سرهم الوجودي الجسيم. وكنت أتساءل : ــ لماذا يا ترى يبقى هؤلاء على اتصال عضوي مع المكان الذي نراوحه ؟ وهل صحيح أن مهمتهم الوحيدة هي تلوين ديكورنا الخارجي، وزخرفته فحسب ؟ أم أن الحقيقة هي نقيض ذلك تماما ؟ فلعلنا ومن يدري نحن على الأرجح دعمهم الاستراتيجي، وديكورهم الزائد الذي يعينهم على إقامة حياتهم، تماشيا مع ما تقتضيه أصول التعاضد التمثيلي، لأجل تبرير الوجود وتحريكه ؟ هؤلاء الناس الطارئون الهامشيون، صرت أحس بوقعهم الإنساني في ارتعاش ذاكرتي يزداد يوما بعد يوم، صورا لطيفة تبرق لتختفي، لتفجر بعد ذلك في أحاسيسي مناجم من الحنين، غير أنني كنت أرجع لأقول لنفسي في غمرة الفجيعة : ــ إن هؤلاء جميعهم، ما هم إلا تسلية بصرية، وخدعة نزوة ملونة، مكنتني منها العناية فحسب، كي أبقى مثلما كانوا هم قبلي، ارتكب وظيفة الفراغ . هكذا إذن تعلمت جملة من التسليات، ولكن أهم ما أحرزته مع تقدم تجربتي برفقة الظلام، أنني تمكنت من أن أبصر العالم بإحساسي، اكتشفت أن هناك في مناطق الشعور عيونا مغمضة، يمكنها أن تبصر، كان يكفي فقط أن أثق فيها وأضيء لها قنديل رغبتي لتشع. ــ ليس كل ما يلمع ذهبا فقد يكون ألماسا. كان يهمس لي الظلام كلما أراد أن يؤنسني !! إن النور الذي نطالعه بأعيننا، ليس كاشفا للأشياء الخارجية كما يبدو فحسب، إنما تلك مهمة ثانوية من مهامه، إنه ينتشر في مسام روحنا كلها، هناك حيث أعين وعوالم تستحق الاكتشاف. رياضة شاقة هي تلك التي تنزع عن أعين الروح حجبها، صحيح، لكنني صرت محترفا في ممارستها كلما هاجمتني وحوش الوحدة. إن النور الذي أوُكل إليه إظهار الأجسام، لم يكن ليفعل ذلك لو لم يكن واثقا من أن اللعبة أكبر من حجم الملعب نفسه، فالبشر لا ينتبهون إلى ما يحجبه عنهم النور، ولا إلى تلك المراوغات والحيل التي تحاك خلفهم، على بعد التفاتة واحدة منهم ، لكنها عادة الإنسان في أن يطارد فريسته البدائية، رغبته القديمة في الافتراس، حتى يقف في النهاية مذعورا حين يعرف أنه كان الجوع و الطريدة و القناص معا. آه لو لم يكن الإنسان محاصرا بمن حوله، مسجونا فيهم، ومسجونين فيه، لو لم يكن في زنزانة الزمن رهينة أبدية، لو كان باستطاعته أن يخطو خطوة واحدة فحسب إلى جهة إنسانه الذي فيه، منسلخا عن بروتوكولات التزاماته الموروثة تجاه أخيه الإنسان. إنني الآن هناك… في تلك المناطق العتيقة من روحي الأولى، وهناك صرت أقيم، على مقربة من طفولة الأشياء، لأن طفولة البشر لا تغادرهم بمحض رغبتها، بقدر ما يدوسونها هم ليحطموا زهرتها في طريق رحلتهم الوهمية إلى إنسانهم الخاوي .

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

3-103

أحمد عمراني : إطلالة روائية في رواية (الحركي) لعواد بن جبار

أحمد عمراني / إطلالات روائية رواية (الحركي) لعواد بن جبار أود أن أشاطركم إعجابي بقراءتي الأولى ...