الرئيسية / الرئيسية / الرواية التفاعلية

الرواية التفاعلية

شوقي بن حاج :
ـــــــــــــــــ
لم يكن يدرك أن الإهداء الذي قدمه في روايته الأولى سيغير كل شئ
( إلى الذين لن يذكرهم التاريخ مطلقا)
: Alga Saddouki :
ـــــــــــــــــــــــــ
بل لم يتخيل قط أنه سيهيل تراب النسيان على اسمه، منذ أن راودته تلك الأفكار الشهية تَوَلَدَ لديه اليقين بأن هذه الرواية ستقذف به عن جدارة إلى سواحل الأدب ليزاحم أسماء أكبر الكُتَاب، هيأ محمود نفسه مرارا لهذه اللحظة… لسنون أًفِلًتْ راح يفرغ شهوة إبداعه على أكوام الورق العذراء… لتحبل بفلذة مشاعره الجياشة… فأغرقته الحقيقة في مستنقع الدهشة التي هزت ثقته بعنف و هوت به تحت أجداث النسيان، إنه يذكر ذاك المقال جيدا الذي نشر على صفحات إحدى الجرائد الوطنية تهنئة بمولوده الأدبي الأول ( شموع تحت المطر) و علقت لأجله إعلانات عدة و أخرى روجت له على صفحات الفيسبوك، خال أن يوم بيع روايته بالتوقيع سيكون حافلا بالمفاجآت المذهلة… أنه سيفرقع أصابع يده الخشنة من كثرة خط التواقيع سيشعر بلذة الألم العجيبة… سيوزع الابتسامات صدقة جارية على الحضور الذين سيقضون ساعات اليوم بالانتظار من أجل روايته… و لا شئ غير روايته، وحدها الأرض ستتحمل طوابير البشر المتدافعين فقط للحصول على نسخة منها قبل نفاذها.
Alilo Plonger :
ـــــــــــــ
فقد كانت روايته هذه تعني له أكثر من نجاح أدبي و شهرة في عالم الكتابة، بل شيء أكبر من ذلك كان يبعث في نفسه الحياة طوال لياليه المثخنة بالسهاد، و يقذف به من غياهب البؤس و الإحباط إلى رياض الهناء و الحبور، فهو طبعا لن ينسى كيف أبدت آمنة يومها الاهتمام بل و شغفها الزائد بمحاولته الروائية، يوم أقامت الجامعة المسابقة الأدبية أين كانت أولى مشاركاته الروائية التي جادت بها قريحته الفتية …
آمنة التي لم تكن قد تجاوزت منتصف عقدها الثالث من العمر، يراها الآن تقف أمامه بقدها الأهيف و جسمها البض الممتلئ في حدوده الضيقة، و من فوق فمها الصغيرعن يساره انطبعت شامة عميقة السواد نقيته، ينسدل خلفها شلال شعرها الليلي الذي ينبئ عن سر النظرة الأنثوية في عينيها الدعجاوين، ما جعلها مطمح أكثر من غريم بالنسبة لمحمود الذي كان يرى أمله فيها قد أشرق بصدور مولوده الأول هذا، وحدها روايته هذه هي التي ستفتح له طريقا إليها و تنسيه أيامه الضنكى .
حفل البيع بالتوقيع الذي كان ينتظر محمود سيحدد له الكثير من المعالم في حياته تلك التي يحياها بين لجج الفتور الإنطواء، حياة ربما آن لها أن تعرف طعما آخر طالما عجز عن إدراكه في سنونه تلك التي طوتها الأيام.
Boukhedimi Fatma Zohra
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طوتها بقهر الى الحد الذي زرع اليأس في قلبه ، ما أتعسه في قرارة نفسه من رجل على خلاف ما أبدى للجميع يضطر لبيع أغلى ممتلكاته ليستطعم الفرح و يطعمه لحبيبته ، إن بيع كلماته تسول أدبي .. أيما روائي يقبل بيعا بالتوقيع هو رجل بائس يتاجر بالكلمات ، طالما خصها بها وحدها ، فلماذا اليوم يجلس على طاولة لو لم يزينها الورق الملون لبدت ارخص مما يفعل بحروفه ،إنه يقايض بمشاعره ليخرج من الفقر..
إن الكتابة يا آمنة للحب فقط ، لا احد يبحث عن ثمن لحروفه أبدا .. أبدا
نظرت اليه مطولا و هما يتأملان معا ان يقتحم الصراخ فجأة تلك القاعة الصامتة ، ليزدحم المكان بمن يقاسمهم عشق القراءة، حتى أنهما بانتظار من يمد يده الى جيبه ليشتري منهما نسخة … يعتقد ان بيع أوراقه كبيع قلبه ، فليشتروه إذن ، فليبعهم بؤسه و ليعش بسلام …
ما أتعسه من رجل
اصطدم آخر اليأس بأول القادمين الى حضرته ليبتاع منه ، و أخيرا وقع روايته ، توالى القراء الى أن أنهى آخر نسخة من على الطاولة ، ابتسم لأصدقائه ، يده بيد آمنة و غادرا ليهديها أمسية هادئة على طول الجسر المجاور للبحر و محطة القطار ، و في الجهة المقابلة بينما يسيران نظر الى مبنى البرلمان و تنهد قائلا ” عزيزتي لو لم تبع نسخ الرواية كاملة لجمعتها أمام هذا المكان و أحرقتهما معا ، فليموتوا جميعا …”
نبرته الحقودة تلك غطت على غصة في الحلق .. إنه يرغب بشدة في البكاء فهل تحضنه ؟
ما أتعسه من رجل … باع قلبه لتوه فما الغريب أن يشعر بالكره تجاه الجميع ؟
و لكن الموت ؟
أجل الموت يا آمنة ، الموت ، أتدرين أفكر فيه دوما .. ما الذي يحل على العالم لو قررت يوما أن أموت ؟
عزيزي محمود
إن الموت حق .. ثم إنه متى حل و تكرر، فإنه كغيره من أشياء الحياة سنعتاده و لن نتألم بنفس قدر الموت الأول .. تلك هي الصدمة و هذا هو الاعتياد
أتدري ؟
وقفت مرارا أمام هذا الجسر متسائلة ماذا لو ألقيت نفسي من هنا ؟ سينتهي كل شيء عند هذا الحد ، سيسرع الجميع بهواتفهم ليلتقطوا اللحظة التي لم تعد خاصة بي.. كانت كذلك طالما كانت فكرة الموت تدور في رأسي أنا فقط و تصارع عقيدتي بأن الانتحار حرام.
تلك الحروب التي دفعوني اليها دفعا لقتل ذاتي كلها بلا جدوى ، فأنا الآن ميتة أكثر من أي وقت مضى و من أي موت آخر سيحل عليا ، أليس وقوفي هنا هو بحد ذاته موت ؟
بقلبي أيضا حقد على البرلمان يا عزيزي … ساخرة تنظر اليه….
مرارا فكرت بقتل نفسي يا محمود ،و في كل مرة كان عقلي يبتكر طريقة جديدة للموت ..أما المشترك بين جميع الطرق هو رغبتي الجامحة في موت بلا عذاب ، أليس عذاب القبر يكفيني ؟
فكرت في شرب كميات كبيرة من دواء ضغط الدم لأنتهي بجلطة تمحو ذاكرتي قبل قتلي لكنني تراجعت مخافة أن يشعر أبي الذي يتناولها ثلاث مرات في اليوم بالذنب، ثم فكرت في شنق نفسي فضحكت لأن وزني قد يفصل رأسي عن جسدي و قد هالني ان أتخيل نفسي مقطوعة الرأس، و أي صدمة لو تكتشف جثتي أمي … لبرهة من الزمن فكرت في إلقاء نفسي أمام القطار ثم تذكرت قصة فتاة أمريكية فعلت نفس الشيء فقطعت ساقيها دون موت ، قالت لهم الآن أحب الحياة أكثر …. تذكرت أنني بحاجة لساقي، فأنا لو عشت سأود حتما أن أدوس عنق الحياة و أركلها.
عزيزي ، لا تندهش ، أنا لست من الذين سيموتون انتحارا … طالما قرأت عبارة تقول “لا تخف فالرصاصة التي ستقتلك لن تسمع صوتها” ، سأموت رميا بالرصاص
– تضحك ؟
أجل
و لماذا ؟
لأن الرصاصة الصامتة لا يحملها إلا شخصان ، غدار و أنت لم تصاحبي أحدا منذ الأزل ، أو أنت .
ابتسمت له …. أنت تفهمني الآن … قد تغدر بي نفسي
أتدري ؟ قد يكون الانتحار وليد اللحظة تماما مثل الآن ……….. وداعا عزيزي.
– و ألقت بنفسها من فوق نفس الجسر الذي التقيا فيه أول مرة.
يدك ….يدك … رصاصتك التي غدرت بك… ضحك هستيري يعم المكان .. يا له من رجل بائس.
تبا … تبا … تبا .
ـــــــــــــــــــــــــ
Waleed Malik.
أي ثمن هذا الذي ندفعه في حياتنا لندرك حقائق أنفسنا و حقيقة الحياة …
يأتي صوت مليكة ضعيفا من غرفة مجاورة , يدخل محمود منزله العتيق , الأثاث القديم , سجادة مغربية مهترئة مطروحة في الأرض , و ستائر بالية معلقة على النوافذ , في الجدار صورة عتيقة للرئيس بوتفليقة خلفها صدع كبير ينهش الجدار و أسفلها صورة حولها إطار بعمر الإستقلال و صورة بعمر وطن لرجل شاب مشرق الوجه يرتدي زيه العسكري و يحمل بندقية الجرينوف خاصته مبتسما لمن إلتقط الصورة و في أسفل الصورة مكتوب بحبر أنيق ” شتاء 1961م – إلى إبنى العظيم … محمود” …
يجلس محمود على الطاولة المقابلة لذلك الجدار , يفسح المجال لمخطوط جديد كان يحمله معه , أوراق مبعثرة , كتب قديمة , قصاصات جرائد , و كوب قهوة متسخ أعدته مليكة التي نست منذ زمن كيف تعد القهوة …
تدخل عليه , جسدها المنهك , تجاعيدها المحفورة بقسوة , شعرها المبعثر الذي أشعله البياض , تقول بصوت خافت و هي تتكىء على باب الغرفة المطلة على الصالة:
محمود؟ … هذا أنت ؟
يلتفت :
نعم … أمي .
تتكىء على عكازها و تقترب , مليكة , إمرأة بعمر مدينة و مدن بعمر الفجائع كلها , تزيح لنفسها مكانا يجاوره ثم تبتسم و تجدل تلك الخيوط الطويلة التي تتدلى من جلبابها الفضفاض بينما تهمهم بأغنيات شعبية …
يتأمل الصورة في الجدار …
يتأمل خيباته المتكررة , ينظر لوجه مليكة جيدا و ينظر لكتاباته و مخطوطاته المبعثرة …
ثمة ماض يكتبنا و لا نكتبه …
كيف كان له أن يكون كما أراد له ذلك الرجل الذي أخذه الإستقلال , إبن عظيم , و أولئك قد قدموا أرواحهم للوطن و لم يقدموا الأقلام …
الوطن لا تسعه دفتي كتاب
كلما نظر لعيني مليكة الغائرة رأى كم كان ضعيفا أمام نفسه و أمام كل هذا الماضي , فحتى مخطوطاته لم يفسح لها مكانا في الأدب …
الوطن هو كل ذلك الكائن في نفوسنا من حرائق و الرماد هو ما تبقى فينا من أدب …
كان لابد له أن يكتب للوطن لأنه بذلك سيكتب والده و كان لابد له أن يكتب من أجلها … آمنة …
يقف فوق الجسر مندهشا … ينظر لها … للأمواج تحتها بينما هي تتهاوى … تصرخ تبا لهذا العالم …
لماذا ؟ … لماذا ؟ .
يشدها من يدها إليه , ينظر في عمق عينيها الدامعة بينما هي تكافح لإلتقاط الأنفاس من فرط اللحظة الماضية …
آمنة .. أنت مجنونة .. يقول لها .
الجنون هو فرط في إدراكنا لهذه الحياة .
هل ثمة ما يستحق؟
ـــــــــــــــــــــــــــ
Aicha Matar
تلك المدينة التي يسكنها الخريف بصمته ..وأوراقه المتساقطة..والمباني المهجورة المعطرة بالأمسيات الحزينة، على غير عادة الأمسيات على غير عادتها القديمة ! أعبر كل يوم ذلك الشارع المدجج بالبؤساء، فأعطر على نفسي حينها كأني زعيمهم، وما ألبث أن أضيعها متسائلا أي بائس أنا ؟ تلك الحوارات المثكلة بالخوف ،والندم، التي تكبر داخلي وترافقني في كل خطواتي، وتعانقني في وحدتي.. كأن بداخلي أكثر من أنا أكثر من صوت واحد !..يهمس على لساني لم لم تكن أنت ؟ ولم كانت هي ؟ لم لم يكن والدها النتن الخائن ؟ ..
ربما حبيبتي كانت تنوي الرحيل، في تلك الأمسية التي زُينت لأجلنا، بوميض النجوم وشكل القمر الدامي، الى جانب نظراتها وضحكاتها المبعثرة في أجواء هذا الشارع الذي سميته في روايتي الأولى شارع حبيبتي ! …فحبيبتي أزهرت هنا.. رقصت هنا.. لم أكن أعرف حينها أنها كانت ترقص رقصة الوداع بعد قليل .. لم أكن أعرف أنها عندما كانت تلوح لي بيدها وهي ترقص إنما كانت تمارس طقوس الموت على طريقتها المجنونة، تظهر حينا بابتسامتها الخاطفة لتختفي حينا آخر بين جموع النساء والأطفال، لم أكن أعرف أن رحيل حبيبتي سيكون خريفيا.. لم أكن أعرف أن عنوان روايتي الاولى التي أنتظر شهرتها سيكون رحيل حبيبتي !…
لقد أخطأت آمنة بالأمس حين قالت ” لا تخف فالرصاصة التي ستقتلك لن تسمع صوتها ” فصوت الرصاصة التي اخترقت أحشاء حبيبتي لا يزال بأذني اليمنى، وصرخة حبيبتي الأخيرة .. محمود أهرب !! لايزال في أذني اليسرى ،ورائحة دمائها الزهرية الذي اختلط رائحته بدماء من كانوا يصفقون لها لا يزال في أنفي..! وروحها لا تزال تسكن قلبي !
أجل ليس ثمة ما يستحق يا آمنة !
الانتحار لا يقتل !….لا يقتل يا آمنة !
يقتل الأجساد لكنه لا يقتل الضمائر !
لا أعلم كيف لم يكن هذا ردي لما سألتني آمنة التي أرى في جسدها ملامح حبيبتي التي قُتلت ..هل ثمة ما يستحق! وأبقيته مؤجلا في بوحي لآخر نهذات الليل ..!”
ليختم محمود أمسيته …بهذه الحروف التراجيدية التي تشاكس الذاكرة ختم أمسيته وهو يقبِّل آخر سيجارة على طاولته ! ليطويه الليل كجندي منهك عائد من معركته
لكنه لم يكن سوى انه عائد من الماضي !
‏ناردين دمون‏ (‏نجاة دحمون‏)
ـــــــــــــــــــــــ
ماضٍ حاول طرده تلك الليلة المعتمة ليتمكن من النوم علّ “مورفيوس ” يتكرم بزيارته حاملا معه صور الأحلام بدل الكوابيس التي اعتادها كلما غفا ،لكن كالعادة تأفف الإله الاغريقي عن زيارته واشتعلت قناديل الذكريات القديمة التي سكنته بدل ذلك ، فتراءى له والده “العيفة ” المجاهد ـ الذي فقد ساقيه في آخر معركة شارك فيها قبل إعلان وقف إطلاق النار في مارس 1962 ـ وهو يمسح دموعه التي رآها تنهمر مرتين فقط في حياته ،وأولها وهو يروي له ما شعر به عندما أجبر على مغادرة قريته :
ـ إييه يا ولدي ،أنظر جيدا إلي ـ قال ذلك وهو يمسد ركبتيه بعصبية ـ لو لم أفقد ساقي خلال تلك المعركة المشؤومة لما هربت بأمك من القرية ،أنا المجاهد الذي شارك في معارك لا يذكر عددها ،أنا يا ولدي من القلائل الذين عبروا ” خط شال” أكثر من مرة دون أن تنسفني قنبلة مطمورة أو أن يلامس جسدي خط مكهرب ،كنت مرنا وسريعا كقط بري ودعواتي جدتك “ملخير ” (أم الخير) كانت ترافقني ،في كل زيارة خاطفة لها كانت تردد نفس الدعاء وأنا أهم بمغادرتها :” رٌوحْ أًمِّي أرْصَاصْ مِ دقًرَبْ غُورَاكْ أَذْيُغَالْ ذَمَانْ ،غُماغْكْ سو فًرْنوسْ لَوْلِيا !” ـ إذهب يا بني ،الرصاص الذي يقترب منك سيتحول إلى ماء،غطيتك ببرنوس الأولياء !”،واقترب الموت والرصاص مني عشرات المرات لكنهما كانا يخطئانني دائما ،كانت دعوة جدتك ستارا بيني وبين الأجل …
ويتوقف للحظات عن الحكي ليستجمع أنفاسه ليرتب ذكرياته قبل أن يواصل:
ـ المعركة الأخيرة التي قدتها كانت كمينا أقيم للعدو على طريق جبلية لتحرير خمسة من رفقائنا الذين اعتقلهم “الكابتان” قبل وصولهم إلى سجن المدينة ،كان من المهم جدا أن ننجح في مهمتنا فاثنان من المسجونين كانا من قادة المنطقة ولن يتردد الفرنسيون في استخدام وسائل تعذيبهم الرهيبة للحصول على معلومات منهم …أخذ كل واحد منا مكانه ،هذا خلف صخرة مطلة على الطريق ،وآخرين خلف أشجار الزيتون واختار البعض الآخر الاختباء خلف شجيرات الضرو الكثيفة ،الهدوء كان يهم المكان ،لا شيء يتحرك ،العصافير وحدها كانت تزقزق لتعطي انطباعا كاذبا بأمان المكان ،وبعد نصف ساعة من الانتظار سمعنا هدير المحركات معلنة اقتراب الدورية التي نستهدفها ،عيون رفقائي كانت تراقبني ويد كل واحد منهم على زناد سلاحه ،وبمجرد أن لاحت لي الشاحنة العسكرية الأخيرة صرخت”الله أكبر ” فبدأ سيل الرصاص ينهمر من جهتا الطريق على العدو ،الذي اضطرب وتوتر فشرع الجنود في إطلاق النار عشوائيا في البداية قبل أن يتمكنوا من تنظيم أنفسهم …كل شيء سار كما خططنا له تماما لكن أحد الجنود المكلفين بحراسة الأسرى أفرغ رشاشه فيهم قبل أن نتمكن من تحريرهم !…أعطيت إشارة الانسحاب فتوغل الإخوة في غابات الزيتون ،لكن طائرات النبالم كانت قد وصلت وبدأت ترمي قنابلها ،براكين من النار كانت تنفجر في كل مكان ،ومن حين لآخر كنت أسمع صرخات أحد رفاقي الذين اكتووا بتلك النار وأنا عاجز عن إنقاذه ،أنا نفسي كنت أبحث عن مخبأ لي ريثما يتوقف ذلك القصف ،ولم أشعر إلا بصوت مدوي وبجسدي يتهاوى على الأرض ،ثم ألم حارق اخترق ساقي ،حاولت الوقوف لكن قدماي لم تسعفاني ،تحسستهما فلم أشعر إلا بسائل لزج دافئ يخرج منهما ،فاجأني دوار فقدت إثره وعيي ،ولم أستيقظ إلا وأنا في مستوصف جيش التحرير في كهف من كهوف جبال جرجرة …وقبل أن أتعافى من بتر ساقي كانت الجبهة قد أعلنت عن وقف إطلاق النار.
أتم حديثه وهو يمسح دمعة فارة من عينيه الغائرتين:
ـ تحملت بجَلًد وفاة جدتك واستشهاد رفاقي وتدمير قريتي …حتى عندما وصلتني إشاعة استشهاد والدتك أثناء قصف القرية لم أنهر ،لكني انهرت عندما تحول من ربيناهم إلى غيلان مفترسة ،انهرت عندما طعننا من صعدنا الجبال من أجل أن يعيشوا تحت راية الحرية ،هؤلاء الغيلان هددوا ،اغتصبوا ،اغتالوا وقتلوا كل من اعترض طريقهم …لم يسلم أحد ،حتى من طأطأ رأسه دفع ثمن صمته …كان لا بد لي أن أهرب بك وبأمك إلى المدينة الكبيرة بعد أن زارنا هؤلاء أكثر من مرة ،فربما تذكر يا صغيري أن بيتنا تحيط به حقول الزيتون التي ورثتها عن جدك ،والبيوت المنعزلة كان من أهداف أصحاب اللّحى هؤلاء ،طلبوا مني تحت التهديد تحويل البيت إلى مأوى لهم فرفضت ،هددوني بقتلك وقتل أمك أمام عيني فاخترت الهرب بكما إلى هذا البيت الحقير الواقع في حي لا يعرفنا فيه أحد ،على الأقل هنا ستظل حيا ،ستدرس ،وقد تتمكن يوما ما من رواية حكايتي ،بالأحرى حكايتنا!
أحس محمود ببرد مفاجئ فانكمش أكثر تحت غطاء سريره الرّث وهو يستجدي مرة أخرى حضور ” مورفيوس” لكن بدله أطلت عليه آمنة بملامحها الملائكية وابتسامتها الهادئة.
رانيا محيو الخليلي
إطلالة آمنة هي حقًا ما احتاجه وهو مختبىء خيفة من ظُلمة أفكاره. الحبّ كفيل بإنارة الأفكار الداكنة. آمنة هي الوجه المشرق الذي يساند رهبته من استنطاق الماضي لملامسة الجرح الأصلي النازف والذي تسبب ببقية الجراح. نهض، غسل وجهه وانكب على صفحات بوحه وهو يعيد ترتيب شتات نفسه من خلال استعادتها. الحرب أجبرته على النزوح مع والدة تعرف كيف تقمع الألم وتحوله لقوة، ووالد لم يكسره جرحه بقدر ما كسره عجزه من المضي قدمًا في المشاركة بتحقيق الحرية وأجبره على الإكتفاء بتعقبها. غادروا قريتهم نحو مكان مكتظ بوجوه عابسة تقبل على الحياة بغضب شرس. الظلم بارع في وضع لمساته على السحنات لتصبح معبرة أكثر بحنق لا يعرف ممن ينتقم ولا من يحاسب. أراد أبو محمود وضع حد للإستعمار، فإذا بمأساة تستعمر حياته وتشرذمها. من هنا بإمكان محمود التأكيد أنّ حياته تغيرت وما ينتظره سيكون مختلفًا. بدا يتردد على سكنهم المتواضع جارهم خليل، كان يعمل حمالا في إحدى شركات النقل الفرنسية. اقترح عليهم توظيف الإبن البكر محمود في أحد المقاهي يلملم الفناجين والأكواب الفارغة عن الطاولات. مهمة بمقدور ابن الرابعة عشرة القيام بها بإتقان، وستؤمن للعائلة المؤلفة من أب وأم وأشقاء خمسة قوت يومهم من الخبز على الأقل. رحب الجميع بالعمل، باستثناء الأب المصاب بنفسه قبل ساقه، أراد لابنه مقعدا دراسيا يحقق له طموحاته الأدبية، هذا الإبن الشغوف بالقراءة والذي يرى في الأدباء مثالا للتمرد بالفكر والقلم، من الظلم أن يكمل حياته بلملمة الفناجين الفارغة التي لوثها لعاب المدخنين والمتسكعين على كراسي المقاهي. يتذكر محمود جيدا اليوم الذي أمسك فيه خليل بيده لأخذه إلى المقهى المنشود، أوقفه في مكان قريب ومنزوٍ، أمسكه من كتفيه وحدّق بعينيه وقال له:”اسمع يا محمود، لا تعتقد أن العمل الذي تقوم به حقير، إن قمت بما أطلبه منك سيتضاعف أجرك كما أنك ستؤسس لمستقبل سياسي يحقق لك النفوذ والمال”. هز محمود برأسه موافقًا ظانًا منه أنّ هذه المحطة الكلامية هي مجرد تشجيع. لكن خليل تابع كلامه بجدية أظهرت أن لما يقوله مضمون أعمق:”كل ما عليك فعله يا محمود لتحسين وضعك ومستقبلك هو أن تأخذ وقتك في لملمة ما فرغ على الطاولات لتسجل لي محادثات شاربيها. عليك أن تفتح أذنيك جيدًا وأن تجعل من عقلك أداة تسجيل لتنقل لي كل ما قيل ومن قاله. وصدقني ستحقق نجاحا يعيلك ويعيل أسرتك المسكينة. لكن قبل الاتفاق عدني أن يبقى الأمر سرًا بيننا. لأنني أخاف أن يعتقد والدك أنني أثقل عليك بالأعمال فيقطع عليك طريق المجد”.
ضحك محمود من تذكر تلك اللحظة، أعجبته المهمة الموكلة إليه دون البحث في خلفياتها. هو أصلًا لم يستوعب أنّ لهذا الطلب خلفيات، فماذا تفيد ثرثرات أناس تركوا بيوتهم ومسؤولياتهم للتردد على مقهى؟ هذه المهمة بوسعها تحويل عمله الروتيني البسيط للنقل والتسجيل، مما سيضفى على تجربته نوعًا من المتعة التي من شأنها طرد كل ملل مرتقب. بدأ بالنقل شفهيًا، ثم تطور به الأمر، فراح يكتب. يكتب حركات الشفاه وهي تنفث الكلمات الجارحة والمجروحة. يكتب الإنفعال والغضب من ألسنة رجال أرهقتهم الحرب وصدهم ظلمها عن الإستقلال والتحرر من عبودية الإستعمار. كتب الجزائر بأوج معركتها، بأوج اقترابها من بلوغ تحقيق أهدافها. كان يراقب ويكتب. كثب وطنه وهو يتحدى من منصة مقهى متواضع قوة تمتلك العتاد والرجال لكنها لا تمتلك الحق. راح يكتب ما يعتري الآخرين من كره وغضب ووجع. كتب حركات الأيدي، دعسات الأرجل، كتب الشتائم والمشادات، كتب التوافق والتصفيق، كتب التخوين والإزدراء. كتب عن كل ذلك وسط أعداد هائلة من الأكواب والفناجين التي فرغت من مضمونها وتركت ترسبات متفاوتة في القعر. كتب ولم يتوقف عن الكتابة في كل يوم وفي لحظة فراغ أتيحت له كتب. كتب وكتب وكتب.. لكنه لم يكن يدري أنه قام بكل ذلك خدمة للعدو.
Kayra Yazar
كم تمنى أن يسمع أيضا حديث من كانوا رغم ترددهم المنتظم على المقهى كل صباح يغادرون على عجل إلى أعمالهم كالخدم
إلا رجلا واحدا لم يصادف ان سمعه يتحدث إلا ليطلب فنجان قهوة، و يجلس وحيدا في صمت يقرا الجريدة دائما. او يحدث نفسه وهو يجلس ساهيا لا تقلقه فوضى المقهى ولا صخب الشارع. حتى عندما تتعالى أصوات القهقهة أو الشجار لا يلتفت البتة
لكنه يذكر كيف غادر فجأة ذات صباح مهرولا يحاول ملاحقته ليسلمه ولاعته وحقيبة نقوده اللتان نسيهما على الطاولة التي لم يغيرها يوما حتى الزبائن تعودوا على تركها له شاغرة تلقائيا كلما دخل المقهى، دون أن يطلب ذلك منهم
كان على وشك أن يدركه حين توقفت سيارة شرطة يقودها شاب اشقر يرتدي بدلة كلاسيكية يجلس خلفه رجل لم ير ملامحه جيدا كان هو من فتح باب السيارة من الداخل ليرتمي بجانبه وانطلقت السيارة بسرعة خاطفة. لكن ذلك الرجل الغريب كان قد
التفت إليه بنظرة جامدة عندما جرى خلفه و هو يناديه بالفرنسية ملوحا بحافظة النقود ،الا أن تعابير وجهه بدت كتومة لم تبح شيء
عاد الى المقهى متهاون الاطراف فهو لم يجر هكذا منذ زمن و كانه كان
مسجونا مكبلا بخموله طوال يأس.نظر الى حافظة النقود بين يديه واعاطاها إلى خليل و هو يجلس على الكرسي يحاول استعادة انفاسه دون ان يجرؤ على فتحها فقد تربى بصرامة على مبادئ النزاهة والشرف
فتحها السي خليل وجدها فارغة الا من بضع فرنكات تساوي تماما ثمن القهوة التي لم يشرب منها ذلك الرجل الغريب الا بمقدار رشفة
التقط محمود قصاصة صغيرة سقطت من حافظة النقود
دون ان ينتبه خليل وهو يقلبها على الطاولة ساخرا:”لم تلاحقه دون فائدة على الاقل استرجعت ثمن القهوة,عد الى عملك
ولا تكترث به مرة اخرى, انه زبون بائس مريض نفسيا, احيانايقوم بتصرفات غريبة” . شعر انه يسمع كلاما تمويهيا يرفض استيعابه خاصة بعد الذي شاهده لتوه ,ذلك الرجل على عكس ما اراد ان يظهره خليل تماما لم يعد غريبا.اتضح له أن ثمة علاقة ما تجمعهما مع الشرطة
اهتز ضميره لحظة ايقن ان تلك القصاصة هي اهم ما تركه ذلك الرجل .
و انها قد تعني لسي خليل بشيئ . امضى وقت عمله متسائلا مترددا كيف يتصرف، هل يستمر في اخفاءها ،و هل يخبر خليل بما شاهده ذلك الصباح
عاد الى بيته ذلك اليوم مصدوما فقد أنذره حدسه بخطر ما وهو يقرأها على عجل في الطريق .
حروف عشوائية واربع ارقام متتالية لابد انها تعني شيئا ما ؟

كم كان خليل جادا
عندما قال:” … ستؤسس لمستقبل سياسي يحقق لك النفوذ والمال”. تلك العبارة كانت فعلا
.أعمق من أن يستعملها لمجرد اقناعه بقبول هذا العمل
أمضى ليلته متقلبا قادته فراسته الادبية الى اشارة ما وراء هذه الرسالة التي كتبت بحروف عربية ذلك الرجل الذي لا يذكر أنه شاهده يقرأ الا الجرائد الفرنسية ،هل يمكن أن يكون هو من كتبها ؟ربما تاريخ او ساعة موعد و مكان اللقاء، هناك اكثر من احتمال لكن خليل كان يفهمها
قرر ان يحتفظ بهذا السر لنفسه فقط لأنه ما عاد يثق في خليل.وحدها نفسه لا تخفي عنه أمرا حتى همومه التي ظن انه نسيها تستحظرها معه كل ما استلقى على سريره للأرق.مع طلوع الفجر لم يزده تخمينه إلا حيرة و خوفا،ماذا لو إكتشف خليل امر الرسالة لاحقا كيف سيجنب نفسه الاعتراف
اتعب عقله بالتفكير دون جدوى حتى استسلم لغفوة داعبته مع نسمات يوم جديد ينقشع في الافق. لحظة دلع لم تكتمل حين هز
باب المنزل المهترئ طرق عنيف
رجال الشرطة
!إنهم يطلبون محمود
هكذا كانت تردد اخته الصغرى بفزع و هي توقظ والدها
العاجز برجل واحدة لا تقوى على حمل جسده الضعيف منتفضا فوق سريره يشير اليها بعيون تلمع مصدومة لتناوله عكازه, انحصرت دموع ،ثقيلة في عيون الفتاة الصغيرة وهي تغطي بيدها الاخرى ثغرها البريئ ،لكن رجلا مثله لا يعرف الخوف إلا خوفه على مستقبل ابنه و لم ينطق بكلمة ،هم كذلك أبناء ذلك الجيل يتكتمون حتى على آلامهم لا يسمحون لأنفسهم بالتعبير حتى عند الفزع و مضى يفتح الباب
Dolce Ragazza Khaoula
ﺍﺳﺘﺸﻌﺮ ﻣﺤﻤﻮد ﺭﻋﺸﺔ ﺳﺮﺕ ﻓﻲ ﻋﺮﻭﻗﻪ ،ﻭ ﺑﻴﻦ ﺃﺿﻠﻌﻪ ،ﺍﻧﺘﺼﺐ ، ،ﻣﻘﺎﻭﻣﺎ ﺍﻟﺘﻮﺗﺮ ﻭ ﻭﺍﺑﻞ ﺍﻟﺘﺴﺎﺅﻻﺕ ﺑﻴﻨﻪ ﻭ ﺑﻴﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﻓﻠﻢ ﻳﺪﺭ ، ﺃﻳﻬﻤﺎ ﻳﺼﺎﺭﻉ ، ﻭ ﻓﻲ ﺍﻷﺧﻴﺮ ، ﻗﺮﺭ ﺩﺣﺮ ﺍﻟﺘﻮﺗﺮ ﻓﻴﻤﻨﻌﻪ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﺠﻠﻲ ﻓﻲ ﻋﻴﻨﻴﻪ ، ﻭ ﻧﺒﺮﺓ ﺻﻮﺗﻪ ، ﻣﻮﺍﺟﻬﺎ ﺭﺟﺎﻝ ﺍﻟﺸﺮﻃﺔ ﻭﺍﺿﻌﺎ ﺣﺪﺍ ﻟﻠﺘﺴﺎﺅﻻﺕ، ﻣﻘﺎﺑﻼ ﺍﻟﻘﺪﺭ ﺩﻭﻧﻤﺎ ﺃﻱ ﺍﻋﺘﺮﺍﺽ ،ﺑﻘﻠﺐ ﺯﺭﺍﻗﺔ ﻛﻘﻠﺐ ﻭﺍﻟﺪﻩ، ﺗﺠﺎﻭﺯ ﻣﺤﻤﻮﺩ ﺑﺎﺏ ﻏﺮﻓﺘﻪ ، ﻓﺎﻟﺘﻔﺖ ﺇﻟﻴﻪ “ﺍﻟﻌﻴﻔﺔ” ،ﻣﺤﺪﻗﺎ ﺑﻪ ﻣﻮﺑﺨﺎ ﺇﻳﺎﻩ ﺑﻨﻈﺮﺍﺕ ﺍﻷﺏ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺨﺸﻰ ﻓﻘﺪﺍﻥ ﺃﺣﺪ ﺃﺷﺒﺎﻟﻪ ، ﺑﺮﻗﺖ ﻋﻴﻨﺎ ﺍﻟﻌﻴﻔﺔ” ، ﺗﺆﻧﺒﺎﻥ ﻣﺤﻤﻮﺩﺍ، ﻋﻠﻰ ﺗﺴﺮﻋﻪ ﻓﻲ” ، ﺍﻟﻈﻬﻮﺭ ، ﺳﺎﺩ ﺻﻤﺖ ﻗﺎﺱ ﺷﺪ ﺃﻋﺼﺎﺏ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ ﻭ ﺍﻷﺳﺌﻠﺔ ﻭ ﺍﻷﺟﻮﺑﺔ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﺇﻻ ﺑﺎﻟﻌﻴﻮﻥ ، ﻫﺰ ﻣﺤﻤﻮﺩ ﺭﺃﺳﻪ ، ﻛﺎﻳﺤﺎء ﻳﺤﺎﻭﻝ ﺑﻪ ﻃﻤﺄﻧﺔ ﻭﺍﻟﺪﻩ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻦ ﻳﻄﻤﺌﻦ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﺎﺩﺍﻣﺖ ﺍﺣﺘﻤﺎﻻﺕ ﺍﺑﺘﻌﺎﺩﻩ، ﻋﻨﻪ ﻻﺗﺰﺍﻝ ﻗﺎﺋﻤﺔ، ﻛﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﻮﻗﻒ ﻛﺤﻠﻢ ، ﺑﻞ ﻛﻜﺎﺑﻮﺱ ﺃﺑﻰ ﺃﻥ ﻳﻨﺘﻬﻲ، ﺃﻭ ﻛﺤﺎﻟﺔ ﻣﺎ ﻗﺒﻞ ﺍﻹﻏﻤﺎء
ﻳﺮﺍﻗﺐ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﺤﻤﻮﺩ ﺷﻔﺎﻩ ﺭﺟﻞ ﺍﻟﺸﺮﻃﺔ ﺗﺮﻛﺐ، ﺃﺣﺮﻑ ﺍﺳﻤﻪ ، ﺫﺭﻭﺓ ﺍﻟﺘﻮﺗﺮ ﻛﺘﻤﺖ ﻷﺻﻮﺍﺕ ، ﺃﺧﻴﺮﺍ ، ﺍﺳﺘﻌﺎﺩ ﺭﺑﺎﻃﺔ ﺟﺄشه هز رأسه
“نعم حضرتك ”
تقدم الشرطي من محمود ، يمعن به النظر ، تارة ،ثم يرفع رأسه و يلف عنقه يتمعن جدران المنزل الرثة ، اقترب منه و همس
“هات تلك القصاصة”
،تغيرت ثورة التوجس و الريبة داخل محمود و حلت محلها ثورة الدهشة ، و تساؤلات كثيرة نزلت على رأسه كأمطار موسمية مفاجأة ، استرجعت ذاكرته وجه الرجل الذي يتردد على المقهى ، تذكر كلام خليل ، و الآن فقط سأل نفسه ، ما فائدة تسجيل محادثات الناس ؟
، الآن فقط انتبه أن خليل وضعه في فوهة مدفع لا يدري ضمن مدافع أي طرف هي ، إن كانت مدافع الخير أم مدافع الشر ، وقع نصف اللثام عن وجه خليل ، كان واقعا منذ زمن ،دون أن تنتبه بصيرة محمود اليه،الآن لم يعد يهمه وجود رجال الشرطة ببيته بقدر ، ما يهمه أن يعرف ما سر تلك القصاصة الصغيرة ، حتى أن أفكاره طرحت احتمال أن هذا الرجل قد لا يكون شرطيا ، الآن وقد علم بأمر تلك الورقة الصغيرة ، بات عليه استجماع هدوءه و ثباته
أي قصاصة سيدي ؟
الورقة التي وقعت من محفظة الرجل، ….!
صحيح ، لكنها كانت أحرفا عشوائية لم أستطع فهمها ،فقمت بتمزيقها
هذا والدك ؟
نعم!
سيدي ، سيرافقنا محمود قليلا ، لا تخف فهو لن يطيل الغياب …
وافق محمود ، على مرافقة رجال الشرطة مخاطبا أباه، “سأعود ،لا تقلقوا علي” ، خرج مشتتا بين جملة خليل التي لم يلق لها بالا ، وبين طمع بشري ورغبة مغامرة جامحة تدفعانه الى تصديقها ، ثم صوت بعيد يهمس “لا تثق بأحد ، يا محمود”
Miles Bouhafes
ربما تكون الحروف العشوائية في القصاصة الممزقة ، تمثل مفاتيح هامة و أسرار أطراف متصارعة في الخفاء…لا تثق بأحد ، يا محمود، جملة الأب القصيرة ، كسرت أحلامه فيما وراء البحر حيث الرمال ، تتمدد فوقها الأجساد المحمومة بحرارة الشمس ، نقص الأكسجين و ضيق الحياة، يونس ذهب مغاضبا ، فالتقمه الحوت و هو مليم عاد تائبا ، ربما سأعود ، عندما يعود الزمن الذي قتل فيه قابيل هابيل، و أنجبت ( إقليما و يوتا)فامتلأت الأرض بالخير و الشر.. – أقعد محمود..
يقولها رجل يجلس على كرسي خشبي ، وراء مكتب ليس فوقه أوراق ، كما تعود أن يراها،على الحائط خريطة تصميم المدينة بأحيائها ، وقف الرجل مشيرا الى الحي الذي يسكنه محمود – أنت تسكن هنا ، فأين ما كنت نعرف مكانك – نعم سيدي – الورقة التي أخذتها لا تحتوي على شئ ، أردنا فقط أن نمتحنك بها..
عاد الى بيته و عقله الصغير كادت الأسئلة أن تفجره، والدي يلتقي برجال لا نعرفهم كلما جنى الليل، أمي ، مليكة ، و جدتي ، أم الخير، لا يتكلمان كثيرا ، بل لا يسألان الوالد عن تصرفاته ، فمن أولئك و هؤلاء ؟
وفي طريقه كان يحضر الأجوبة لأسئلة محتملة ، ..و لم يسأله أحد الا الإخوة الصغار ، و مليكة الأم ، و هي تدفع بالحطب في النار لإعداد الخبز و القهوة قالت : أطلقوك؟ أم الخير الجدة ، في لحظات صوفية ، تنظر الى السماء تداعب سبحتها ، غارقة في التفكير ، كلما نظر إليها ، يقرأ في وجهها دلالات عميقة للوشم الذي على خديها ، دموع من العين ، صليب فوق الجبهة ، على شكل علامة زائد، و الزربية التي تنام عليها ، رسم فيها الصليب المعكوف ، لما سألها قالت : هكذا عرفنا عند الأخوات و الأباء البيض ، و أمك قد تعلمت عند ، تيراز و الأب يوسف الذي كان يسكن القرية و يعلم أبناء ها..
لحظات استرجاع عنيفة ، تراوح مكانها، في ذاكرة محمود ، تنقل الماضي البائس الى هذا الحاضر المتناقض لتصنع في ذاته معايشة وجدانية تدفعه للانتقام من الحياة بالموت و الانتحار ، كما همت آمنة حبيبته ، أن تفعل ذات يوم ، او كما إنتحرن حفيدات ، الإله – جوبيتر- الذي بنيت على انقاذ معبده قصبة الجزائر ، البيلياد السبع و تحولن الى نجوم في سماء الدنيا أو ر بما كما سممت كيلوبترا نفسها و فيدر بطلة، راسين ،
بل الموت بقطع أحشاء البطن ، الهاراكيري، اليابانية و جنود الساموراي،تعددت الأسباب و الموت واحدة..
الموت لا تصنع الحياة يا ، محمود ، و الحرية لا تمارس في فضاء لا محدود كالوحوش و الدواب و كثير من الناس ، تتصارع الأنانية فتنتج الخوف و الموت و الحب ، من الذرة نصنع الدمار ، و البداية تنتج النهاية ، فانتظرها..
ها هي مدينتك ، يلفها الضباب ، و البشر كالأشباح تسير كتل متقابلة ، متعاكسة و محاذية لبعضها ، السيارات متراكنة ، تنقص الطريق من أطرافها ، لا تشبه الأخرى التي لا تشبه غيرها، وأنظر الى الجبل،كانت تسكنه الأسود ، فسكنته الذئاب ، كل شئ يتغير يا صديقي محمود … – سيد احمد لا تناقشني كثيرا في هذا الموضوع ، الحاضر كالماضي ، فيه الشر الغالب و الخير المغلوب – أتمنى الا تطرح أفكارك على طلبتك ..

ويواصل سيد احمد قوله الماضي يا صديقي تذكار ذهبي الصفات والملامح .لا يعود مطلقا . يقاطعه محمود قائلا. لم أكن أدري يا صديقي بأنك تسكن الماضي وتسجن نفسك في أدغاله الموحشة.يستعيد سيد أحمد أنفاسه وهو يشعل سيجارة جديدة.ثم يلتفت خلفه كأنه يتأكد من خلو المكان من الناس.و هويخاطبه كلنا يا أخي تسكن الماضي ونهيم به شوقا ونتوقوا إليه. تأمل تلك التحولات التي حدثت في العالم على مستوى الانسان سلوكا وثقافة وأخلاقا. الموت كل يوم يجز أعناق البشر. الحروب والكوارث. أنت ياصديقي أين اختفت ابتسامتك الحميلة ؟ وما الذي غير أحوالك حتى غدوت سريع الغضب عصبيا إلى ابعد الحدود.؟

Mona Kadri أحس محمود أن أحمد يستفز هدوءه بهذه الأسئلة الغريبة. من سمح له بذلك ؟ لايمكن أن أحكي له ما وقع .هناك أشياء لا يجب أن تقال .بداخل كل واحد منا مناطق محرمة لا يدخلها إلا المقربون جدا أو الموالون بلغة الحاكم.أنا لست مواليا ولن أكون .أعرف الحيل الجهنمية لخليل وأتباعه، وحكاية القصاصة المدسوسة والتي كانت مجرد طعم لتجنيدي..الجوسسة والخيانة صنوان لا يمكن أن يسلم من يخون ، لقد وقع اختيار خليل علي لأنه يريد استغلال فقري وقلة حيلتي . هل نسي أنني ابن أبي الذي أشد ما يمقته الخيانة والخونة، والذي آثر أن يعيش في فقره وعزلته بعد انتهاء الحرب على أن يخون مباديء الثورة .رغم إغرائه بالمناصب والأراضي لكنه رفض .حتى منحة المجاهد رفض أخذها.يسأل أحمد عن ابتسامتي .كيف لي أن أبتسم ، وقد استباح هؤلاء الغرباء فرحتنا ، وفرقوا شملنا، ونسفوا اطمئناننا .لم أعد أقوى على الجلوس إلى جاري خوفا من أن يكون عينا تشي بي ،أو رصاصة تخترق رأسي.
نعم تغيرت يا صديقي.تغيرت كثيرا ..الماضي لا يمثل لي ماذكرت .الماضي هو محاولات يائسة لتدجيني . الماضي هو عودة أبي إلينا برجل واحدة.الماضي سعي خليل لسوقي كما تساق البغال لأكون خادما مطيعا لأسياده..الماضي هو محاولة انتحار حبيبتي آمنة حينما علمت أن خالها خليل حاول استغلال فقرنا والزج بي في متاهات العفن.. هذه المناطق خاصتي لا يمكن أن يستلبها أي كان مني حتى وإن كان صديقي.عد إلى الماضي بمفردك واترك لي الحاضر ولا بأس بالمستقبل أيضا ، ولا تثرثر كثيرا فأنا أكره الثرثرة والثرثارين.
حاول أحمد اختراق جدار الصمت الضارب بينه وبين محمود دون جدوى ، لم يكن يدري حينها أن أسئلته قد أخذت محمود بعيدا، فغادر المكان دون أن يلتفت وراءه.
كانت عقارب الساعة تشير إلى منتصف الليل .ليس من عادة محمود التأخر ليلا
لم يغمض لأمه مليكة جفن ، وزادتها فزعا فكرة استيقاظ العيفة دون أن يعثر على ابنه حينما يناديه عند الفجر ولايجيبه أحد ، فمن عادة العيفة الحرص على الذهاب إلى المسجد القريب من الحي هو ومحمود.دأبا على هذا الأمر منذ ثلاثين سنة.

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

21761787_10212603199048297_570853680561478812_n

ما علق بالخاطر بعد قراءة رواية الأستاذة / هند الأوراس.

بقلم/ السعيد مرابطي . استقراء مكنون النفس البشرية يبتدئ عند تلك الحروف المتوهجة ولا ينتهي ...