الرئيسية / زوايا الكتاب / الرواية مسكن أنطولوجي / خالد زكرياء / التجريب الروائي وضوابطه نحو رؤيا مغايرة لمفهوم الطابو / أ. زكرياء خالد
خالد زكرياء
خالد زكرياء

التجريب الروائي وضوابطه نحو رؤيا مغايرة لمفهوم الطابو / أ. زكرياء خالد

التجريب الروائي وضوابطه

نحو رؤيا مغايرة لمفهوم الطابو

بقلم : زكرياء خالد

سبق وأنْ أشرنا في المداخلة السابقة، الموسومة بـالرواية بيت الوجود ( 02 ) إلى وجود فرق بين        ” الطابو”، و” ثوابت الإنسانية “؛ من خلال القول الآتي : ” إنّ قضية التجريب الروائي توجز في فهم الحرية الإبداعية فهما واعيا، بمعنى أن تكون روائيا حرا، ليس معناه أن تحطم ثوابت الإنسانية، وقيمها المثلى، فهذا لا يعبر إلا عن جهل، أو تجاهل غايته الشهرة؛ باعتبار أنّ هناك بون واسع بين الطابو     ، وبين ثوابت الإنسانية، ضف إلى هذا فإنّ الروائي المجرب الحقيقي ليس من يستمد حريته من قوانين تشريعية خادعة في يسارها الحرية، وفي يمينها الاستعباد، بل إنه يستمدها من أعماق نفس، فيها طفل بريء، مزعج بتساؤلاته البديهية، التي هي فاتحة لاكتشافات أولية، لامتناهية للعالم ” .

إنَّ القول – أعلاه – ينبه إلى فكرة جوهرية، فحواها، أنَّ التجريب، إذا كان روح النص الروائي، فإنَّ الوعي قلبه النابض، بمعنى أنَّ الروائي وإنْ كان ثائرا على كل قوانين خارجية، مهددة للحرية التي تشكل وَقُوْد الإبداع، فإنَّه ليس حرًّا حريّة مطلقة، وإنّما يكتب على وحي تلك النواميس الروحية، الأزلية، الطاهرة، الأزلية، التي تجعل نصه رسالة سامية، محورها الإنسان، وغايتها بناء الإنسان المحاور، المختلف، مع الأصوات الإنسانية الأخرى، المتعددة، التي يتآلف معها؛ من أجل إنتاج الرؤى الإنسانية اللامتناهية، في حضرة اللغة الفنية الشاذة، التي في جلالتها تتحطم علاقات الواقع الموبوء، وتنبني علاقات إنسانية جديدة، نتاجها واقع إنساني مضاد، نسميه ” عالم الفراشات والياسمين “، لما يختزن من قيم جمالية، معبرة عن إبداعية التجربة الإنسانية الخلاقة، في وعيها للوجود، وعيا ذاتيا، يرفض التحديد النهائي، ويتوق دوما إلى التجديد المستمر عبر سلسلة تاريخ الإبداع.

فالروائي المجرِّب لا يتعمد التشويش في قاموس اللغة؛ من أجل اللغة كغاية في حد ذاتها، فينتج بذلك طلاسم، وأحاج، لاتحيل إلا على نسقها الداخلي، المنغلق؛ السكوني، المتعالي على تحولات التاريخ      ، وخصوصيات البيئة، ولا يُصيِّر النص الروائي مجرد خطاب دعائي، أيديولوجي، تقريري، استهلاكي    ، لايختلف عن تلك الخطابات العلمية، ذات اللغة الشفافة، الأحادية المسار، في اتجاهها نحو المتلقي    ، ولا يصير كثور هائج يحطم كل شيء في طريقه، دون تمييز واع بين ثوابت الإنسانية، والطابوهات     ؛ رغبة في تحقيق الشهرة، أوخدمة مصالح شخصية أخرى.

إنَّ الروائي المجرِّب الحقيقي هو من يحترم الإنسان، ويصيره روح نصه، ويكتب من أجل بناء الإنسان    ؛ ودفعه إلى مشاركته في إعادة بناء الوجود، فهو لايستهين به، فيمارس عليه سلطة النصح، والإرشاد    ، والتلقين، والخداع، والنفاق المخبوء خلف أقنعة بلاغية، وإنما يعتبره قطبا رئيسا يسهم في نفث روح الحياة في نصوصه، وبناء عوالم إنسانية جديدة، لامتناهية، داخل نصوصه، بلا تناهي رؤاه المشكلة لأفقه القرائي الخاص، الذي يقف من أفق الروائي، وباقي آفاق المبدعين موقف الحوار المختلف، المندمج مع تلك الآفاق اندماجا يسهم في إخصاب النص الإبداعي، وإثرائه بالرؤى المتعددة، اللامحدودة، التي لا تعتبر غاية في حد ذاتها، بل إنَّها آليات، ووسائل لبناء مملكة المحبة، والسلام.

وهكذا يغدو التجريب الروائي فعلا مسؤولا، واعيا، لا يستورد قوالب تعبيرية غربية، وينسج على منوالها   ؛ إلى درجة الاستنساخ المشوِّه للآخر، وإنَّما يدخل في مثاقفة مع حداثة الآخر، ولكن بوعي، وتسلح منهجي، وموسوعية ثقافية، ضاربة بجذورها في أعماق التراث؛ وهذا من أجل أنْ يرى ذاته الحقيقة في مرآة الآخر، لا رؤيا محدبة، أومقعرة، بل إنَّها رؤيا مسافرة في غياهب المجهول، معرية للمسكوت        ، محطمة لأصنام المقدنس، هاتكة لكل قشرة سميكة، ورائها تختبيء الأسرار التي تفك أحابيل اللغز، في حركة بندولية، دينامية، ممتطية صهوة السؤال المفكر، في سفرها نحو الماضي؛ من أجل معانقة وهج الماضي، لا رماده، وتطلعها نحو مكنونات المستقبل تطلعا استشرافيا، رؤيويا؛ من أجل إضاءة المناطق المعتمة في الحاضر، إضاءة مغايرة، لا تكرر أقوالا مسبقة، صادرة عن شرائع تسلطية، لا عن أعماق الذات الإنسانية الواعية، وإنما تقول مالم يقل،و تكشف ستر الستور.

ويكون التجريب الروائي فعلا تنويريا، إنسانيا، مفكرا – أيضا – حينما لا يتعمد التحطيم؛ من أجل التحطيم؛ لتصفية حسابات، ولا يدوس على القيم الإنسانية المثلى؛ لتحقيق الشهرة، أو خدمة مصالح شخصية، رخيصة، تتعارض ورسالة الأدب السامية، بل إنَّه يحطم الطابوهات، وشتان بين القيم الإنسانية المثلى، وبين الطابوهات.

فالقيم الإنسانية سر وجودنا، وطاقة استمرارنا الخلاق، المبدع، والنص الأدبي الحقيق هو من يهتك عتمة العادة الحاجبة لأنوار أعماق النفس الطفولية، البريئة، التي يُعتمد عليها في إزالة غشاوة العادة المغطية لعيون القلب؛ من أجل بعث لوحات العالم من النسيان، واكتشاف العالم كشفا جديدا، أوليا، متسائلا دوما   ، لا يقدم تفسيرات عقلية، محددة، رتيبة لهذا الواقع، إلى درجة عقلنة القيم الإنسانية، بل إنه يدخل معه في تعايش روحي، ذاتي، يجعله يتلذذ بتذوق لذة القيم الإنسانية في ذلك العالم الروحاني، الغيبي           ، المجهول، المضاد لذلك العالم الأرضي الملغوم طابوهات تمارس عليه كل أنواع الاستلاب الإنساني، كيف لا، وهي أصنام ثقافية، ومتاريس تقف عائقا في طريقه نحو المستقبل، نحو تلك الجمهورية الفاضلة التي يعيش فيه مع قارئه خارج زمن الواقع المرسومة معالمه بكل أنواع الظلم، والقمع، والاستبداد، والفساد باسم قوالب تشريعية نمطية، جاهزة تسعى جاهدة إلى تكريس الصوت الأحادي، وإسكات الصوت المغاير،المتعدد، وهذه القوالب ماهي إلا طابوهات موضوعة من قبل أنظمة تسلطية متنوعة؛ سياسية، دينية، اجتماعية؛ تحاول دوما أن تضفي الشرعية المزيفة عليها، و تسويغها، وتبريرها بمنطق منافق، وإحاطتها بهالة من الأوامر والنواهي المخدّرة ؛ تدجينا للآخر الذي لا تراه إلا وسيلة من أجل تحقيق مآربها الشخصية.

إنها لا تنظر إلى الآخر على أنّه مغاير، ومختلف لها، ولابد لها أن تتعايش معه؛ بل إنها تراه مجرد رأس من رؤوس قطعان تسيرها أوامر، ونواه محددة، ومن لا يتقيد بها، ويمش على منوالها يندثر، إنها تسعى دوما إلى إسكات الآخر، وبسط نفوذها على فضاء النص، وتحويله إلى مستعمرة فيها تتفنن في استعباد هذا الآخر، وتهميشه عن طريق محاولة تشويه قيمه الإنسانية التي هي أكسجين بقاءه، وسر استمرايته. 

خلاصة:
أن تكسر الرواية الطابو، عليها – أولا – أن تفهم معنى الطابو فهما حقيقيا، فهي أثناء عملية الكسر، لا تشبه ذلك الثور الهائج الصادم على دكان، فيحطم كل مافيه، دون روية، أو تمييز واع، وإنما هي تكسر كل ما يستلب إنسانيتنا، ويعيق تقدمنا، أما أن تدخل في صراع مع الموروث المتوهج، والأخلاق العامة التي تعتبر أساس إنسانيتنا، صراعا يقوم على التشويه، لتحقيق ، فهذا أمر ممجوج، مرفوض، مقوده خدمة المصالح الشخصية، لاخدمة الإنسانية.

فالتجريب الروائي فعل إنساني حر، ولكنه يستمد حريته من أعماق النفس الطفولية، البريئة، الواعية، المسؤولة، الفائضة قيما إنسانية نبيلة، ثائرة على كل قوانين خارجية، تسلطية، مستبدة، هادفة إلى تحويل الإنسان إلى مجرد لعبة سلبية في يد المجرمين، وسارقي التاريخ، بعد أن كان ذاتا فاعلة، في بنائها لأحداث رواية الحياة، بلغتها الشعرية، ذات الرؤى الدلالية اللامتناهية، التي تشكل أداة الإنسان في سيادة العالم الذي ماهو إلا نظام لغوي، يكون فيه الإنسان علامة، من علاماته التي لا تكتسب قيمتها خارجه.

فالتجريب الروائي يتطلب تعاون ناص، ومتلق تعاونا لن يكون مثمرا، إلا إذا توفرت فيه الشروط الآتية:

  • الموسوعية – المثاقفة – الحوار – الاختلاف والتعايش – الوعي – المسؤولية – الغاية المشتركة – الحرية الذاتية – السؤال المتجدد – الجرأة – الحركة البندولية – مواكبة تحولات الزمكان – الاستراتيجية  – النزعة الإنسانية – …

 

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

20915452_300588093752622_343970535235673825_n

قراءة في رواية “شياطين بانكوك” للكاتب طواهرية عبد الرزاق

قراءة في رواية “شياطين بانكوك” للكاتب طواهرية عبد الرزاق من إعداد: * الأستاذ: بلال لونيس ...