الرئيسية / الرئيسية / الرواية بيت الوجود ( 02 ) / خالد زكريا
خالد زكرياء
خالد زكرياء

الرواية بيت الوجود ( 02 ) / خالد زكريا

الرواية بيت الوجود ( 02 )

 

” الرواية بيت الوجود، أومسكن أنطولوجي ”  فيه ينعم الفرد بدفء الإنسانية، ويفر من برد الواقع القارس الذي يمارس عليه نوعا من الاستلاب الإنساني، ويقيده بأغلال البهيمية، باسم قوانين تشريعية، نمطية، جاهزة، ساعية إلى تكريس الصوت الأحادي المستبد، وإسكات الصوت المغاير، المتعدد إسكاتا أبديا يضمن لسياسة القطيع، أو تجويع الكلب الاستمرارية استمرارا خادما للمصالح الشخصية.

والروائي بطبعه الثائر إنسان لا انتماء له، لايقف من الواقع الموبوء، الملغوم قيودا، ومتاريس، … بشرائعه البالية موقف انعزال، أواكتئاب، أوخضوع، أوتفرج، … بل إنه في سعي دؤوب؛ من أجل تحطيم أصنام هذه الشرائع البالية، المغتصبة لإنسانيته، من خلال التحول من مجرد دمية تلعب بها أيدي الطغاة، ثم تكسرها، إلى ذات واعية، متجذرة في الجماعة تجذرا متجدد دوما، ينحو منحى الفردية، والشذوذ في طرح السؤال المغاير، المعارض،  المضاد، المحتج، …  و لكنه المتعايش  د و ما .

الحياة حياتان، حياة البهيمية، وحياة الإنسانية، فاختر حياتك بنفسك ، فإذا اخترت الحياة الأولى فإنك سينطبق عليك المثل الآتي : ” جوع كلبك يتبعك “، فتكون بذلك فريسة سهلة المنال للغيلان؛ لأنك ببساطة لا ترى إلا ما يحط على أرنبة أنفك، لأنك فهمت المعركة على أنها مقاومة ضد الجوع لإشباع البطن، ولهث وراء شهوات النفس الفانية، ولم تدرك أن المعركة الحقيقة تحرير للعقل الإنساني من أغلال الأنساق الثقافية التي عادة ما تتلفَّع بأقنعة تضفي الشرعية الخادعة على أفعالها الشائنة التي لطالما تفننت في استعباد الإنسان، وطمس معالم إنسانيته التي تشكل طاقة إبداعه المتفرد، الذي هو عنوان نشاطه الأنطولوجي المتجدد تجددا خلاقا، يعشق اللانهاية، ويمقت التحديد المعجل بالنهاية، والأفول الأكيد.

ولما صار الفرد مجرد قراكوز ( karakoz  ) سلبي، تحركه حبائل هذه الأنساق الثقافية تحريكا يعجل بموته، وفنائه، كان لزاما على الروائي بصفته إنسانا قبل أن يكون أديبا أن يحافظ على وجوده الإنساني، وبقائه من الانقراض من خلال تقويض فكرة ” موت الإنسان “، واستبدالها بمفهوم ” موت الإله ” الطاغية، المستبد، ذي الرأي الأحادي، الثابت، الفاتك بكل رأي شاذ، ومختلف، ومغاير، يهدد سلطته المتعالية، الخالدة.

ولن يستطيع الروائي تحقيق مبتغاه المذكور آنفا إلّا بإجادة لعبة ” الهدم “، و” إعادة البناء ” بواسطة اللغة الفنية الشاذة، ذات القوة التحطيمية، التي تتلذذ بتحطيم الأنساق الثقافية، المستبدة، وتدمير تلك العلاقات التي أقامتها هذه الأخيرة، في رسمها لخريطة العالم رسما تسلطيا، كله مستعمرات للذات الإنسانية، كما أنها تسعى دوما إلى إسقاط أقنعتها الخادعة، وتتفنن في كشف طريقة اشتغال حيلها، وتعرية ألاعيبها، وتشريحها، وتفكيكها بمفك الأدوات اللغوية الخاصة التي تنحو منحى الانزياح، والمخاتلة، والعصيان، والتجريب المستمر، تناسبا مع الرؤى العاصية التي لا تستقل بذاتها، ولا تتشح بلفاع اللغة كثوب خارجي فقط، بل هي اللغة في حد ذاتها؛ باعتبار أنَّ الروائي خاصة، والأديب عامة يفكر باللغة الأدبية المخصوصة التي لا تكتب على مقاسات القراء؛ لإرضائهم، وإنما تتعمد تشويه اللغة العادية الشفافة، تشويها يكون نتاجه تحطيم علاقات الواقع المنطقية؛ وهذا كله من أجل تحويل القاريء من مستهلك سلبي، مفعول به، إلى منتج فاعل في رواية الحياة؛ وتحقيقا لهذا المسعى، فإنها تتعمد الحديث بلغة الأسئلة المتزاحمة، اللامتناهية، المختزنة دلالات لامتناهيات، الساعية إلى تعليم المتلقي إتقان طرح الأسئلة المتجددة، اللامتوقفة؛ التي بواسطتها يؤسس لمملكة الفراشات الخاصة، أين يؤول تأويلا حرا، ويسترجع إنسانيته المسلوبة.

إنَّ الرواية عشق صوفي لامحدود للفوضى، ولكنها ليست ذات نزعة دريدية، في إتقانها لعبة التحطيم الذي يتلوه تحطيم لامتناه، لايقود إلى إعادة بناء، إنها بالعكس تدمر، ثم تعيد بناء الواقع الملوث بناء إنسانيا، غير مكتمل اكتمالا نهائيا، بل هو مجرد مشروع بناء غير محدد المعالم يشارك في تشييد صرحه مبدعون لامحددود، ولامتناهون عبر سلسلة تاريخ الإبداع، وباختلاف أماكنهم، سواء أكانوا روائيين، أومتلقين؛ باعتبار أن الكتابة، والقراءة ذا علاقة اتحادية، حلولية.

إن الرواية أفق لا تخوم له، مفتوح على تساؤلات أنطولوجية تسمو على الإقليمية، لتعانق الإنسانية، وتتحرر من ربقة الزمن الكرونولوجي لتتوحد بالزمن المطلق في حركية، وَقودها التجريب الحر؛ باعتبار أنَّ شاعرية الرواية كامنة في فرادتها في رؤاها الإنسانية العميقة الشاردة، المتمردة، المتحدة بلغة فنية مخصوصة عاصية، ومدمرة.

وإذا كنا نسلم تسليما لا مراء فيه بأن التجريب روح الرواية، وسر بقاءها، وتجددها، وخلودها؛ لأنه يجعلها تسافر في المجهول، لا المعلوم، وتضيء المناطق المعتمة من عالمنا، التي لها دور رئيس في وجودنا، وبقائنا؛ إن إيجابا، أو سلبا، وتعيد مساءلة الثنائيات الضدية الجامعة بين مركزي، وهامشي متعارضين، وتقول مالم تقله الخطابات الرسمية، … فإنا نؤمن بأن التجريب ليس مجرد لعبة فنية، غايتها دغدغة العواطف فقط، وتعجيز العقول بطلاسم لغوية، خالية من أي دلالة، بل هو وعي.

وعندما نقول بأنَّ التجريب الروائي وعي، فإنا نقصد بأن يفهم الروائي سمات النص الروائي خاصة، والأدبي عامة، والتي تميزها عن باقي الخطابات العادية الأخرى، وتخلق شاعريتها التي تظهر في تفننه في استخداما اللغة استخداما حرا، واعيا، يجيد تأويل الواقع، لا نسخه، تأويلا ليس هو مجرد كلام عابر، بل هو تأسيس لمملكة الإنسانية باللغة المتسائلة دوما.

إنّ قضية التجريب الروائي توجز في فهم الحرية الإبداعية فهما واعيا، بمعنى أن تكون روائيا حرا، ليس معناه أن تحطم ثوابت الإنسانية، وقيمها المثلى، فهذا لا يعبر إلا عن جهل، أو تجاهل غايته الشهرة؛ باعتبار أنّ هناك بون واسع بين الطابو، وبين ثوابت الإنسانية، ضف إلى هذا فإنّ الروائي المجرب الحقيقي ليس من يستمد حريته من قوانين تشريعية خادعة في يسارها الحرية، وفي يمينها الاستعباد، بل إنه يستمدها من أعماق نفس، فيها طفل بريء، مزعج بتساؤلاته البديهية، التي هي فاتحة لاكتشافات أولية، لامتناهية للعالم .

سؤال للمتلقين :

  1. جاء في المقال مايلي : ” هناك بون واسع بين الطابو، وثوابت الإنسانية “. كيف ذلك ؟

 

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

20915452_300588093752622_343970535235673825_n

قراءة في رواية “شياطين بانكوك” للكاتب طواهرية عبد الرزاق

قراءة في رواية “شياطين بانكوك” للكاتب طواهرية عبد الرزاق من إعداد: * الأستاذ: بلال لونيس ...