الرئيسية / أنوثة قلم, إطلالة على الرواية النسوية / د.فوزية بوغنجور / الرّواية النسوية العربية، سياقات النّص وجمالياته ج2 / د. بوغنجور فوزية
د. بوغنجور فوزية
د. بوغنجور فوزية

الرّواية النسوية العربية، سياقات النّص وجمالياته ج2 / د. بوغنجور فوزية

الرّواية النسوية العربية، سياقات النّص وجمالياته

2– : أهم الدّراسات النقدية العربية:

3– نور الدين أفاية: 

                                                                             د. بوغنجور فوزية          

 

مواصلة في عرض أهم الدّراسات النقدية العربية التي تناولت الرّواية النسوية، والتي تشكّل عمدة مكتبة البحث لدى الباحثين والأكادميين المشتغلين على الرواية النسوية، سنعرض في هذا العدد لاسم شكّل مرجعا مهمّا في قراءة الرّواية والأدب النسوي عموما، وهو الناقد  المغربي محمد نور الدين أفاية. الذي قدّم كتابا بعنوان: “الهويّة والاختلاف، في المرأة، الكتابة والهامش”( إفريقيا الشرق –الدار البيضاء،1988م)، وهي دراسة متقدّمة زمنيا عن غيرها من الدّارسات العربية التي عرضت للكتابة النسوية. ولكنها انطلقت من نفس المرتكزات التي صاغها النقد النسوي الغربي، والتي تكرس مقولة “ذكورية” الأدب واللغة والثقافة، دون محاولة استقراء ومساءلة التاريخ والواقع الاجتماعي، والماضي الحضاري للعرب والمرأة العربية، فبداية يستقرئ فعل الكتابة عند المرأة، فيراه تعبيرا عن صراع ومواجهة مع الرجل، فـ”المرأة حين تكتب فإنّها تستدعي المكبوت المتراكم عبر الزمن لتُعلِنَه -أو تَلعَنَه- في حوارها أو صراعها مع الرجل، لاسيما وأنّ رغبة هذا الأخير في الخلود تعبِّر عن نفسها من خلال إقصاء المرأة وتهميشها”(الدراسة، ص09)، الغريب أن ما تثيره هذه المقولة من ادعاءات تستوجب الوقوف عندها ومساءلتها لإثباتها فكريا وتاريخيا وحضاريا تمر مرورا عاديا “وغريبا” على النقاد، وتصبح هذه المقولة تحديدا عمدة في قراءة كتابات المرأة، وحقيقة في ذاتها لا تسترعي المساءلة.

وحين يتقدم نور الدين أفاية لتقوية ما قرّره باستقراء وضعية المرأة الثقافية، ومدى مساهمتها في الفعل الثقافي والكتابة الإبداعية  يقدّم أحد أغرب القراءات، حيث يسترسل في كلام غير علميٍّ ولا دقيق: “…هي إذن لا تقدر على الكتابة أو الإبداع، هي تضع وتلد فقط، أمّا فعل الإبداع والكتابة فهو المجال الخصوصي للرجل، لأنّ التاريخ يعلّمه أنّ المرأة برهنت على عدم إمكانية الإبداع والتجديد والاكتشاف لأنّ القضيب الذي يمتلكه الرجل، والذي طالما وضعه محلّ التقديس جعل منه النموذج المطلق لكلّ قوة وقدرة…إنّ المرأة تُلغى هكذا، من مجال الكتابة، لأنّ التاريخ الذكوري يزرع فيها القناعة بضعفها وعدم قدرتها على الابتكار، وهذه البديهية تؤكدّها كلّ النصوص، و تثبتها الوثائق والرموز، من هنا تبدأ المرأة بالابتعاد عن مجال الإبداع والكتابة لأنّها تشعر بخوف لا مثيل له من هذا العالم السحري المرتَّب من طرف الرجل، إنّه نظام موضوع ومؤطّر حسب استراتيجية ذكورية معلومة، ومساهمة المرأة في هذا النظام، من خلال فعل الكتابة، لا يمكن أن يتم إلاّ بعد تقديم تضحيات لا حصر لها بحيث تعرف مسبقا أنّ هذه التضحيات هي قدرها، كالموت أو المرض أو العادة الشهرية، لكن النظام الرمزي الذكوري السائد حين يسمح للمرأة بإعلان كتابتها لا ينطلق في ذلك من تقدير معيّن…بقدر ما يسعى إلى توريطها وإبرازها ككتابة ضعيفة…وبالتالي يغدو النظام الذكوري فخا لا حدود له في إمكانية تسهيل الانتقاص من إبداع المرأة”(الدراسة، ص32-33)؟

أتساءل: أي منطق نقدي واستقصائي يعتمده “الناقد”؟ إنها هلوسة… تتجاوز السؤال والشك المعرفي الباحث، وإلاّ فلم لم يُشِر/أو يذكر/ أو يُحيل الناقد لـ”بعضٍ” من “كلّ” “النصوص” و”الوثائق” و”الرموز” التي أشار إليها؟ والأسوأ أن من نقلوا عنه، وهم كثر، لم يقفوا عند هذا التعميم المخل بالبحث؟؟؟

يركّز نور الدين أفاية في حديثه عن “الهيمنة الذكورية” على الثقافة العربية على اللّغة، التي يعتبرها “صناعة ذكورية” تكرّس النّظام الأبوي واستمرارية هيمنة الذكر، وهو واحد من مرتكزات النظرية للنقد النسوي  الغربي، فما هو منهج نور الدين أفاية في إسقاط هذه النظريات على اللغة العربية؟ ينقل نور الدين أفاية من معاجم اللغة المعاني المتعلقة بلفظ “امرأة” ويبني عليها: “إنّ كلمة المرأة، في اللغة، مشتقة من فعل “مرأ” أي طعم، وهنا تواجهنا صلة المرأة بالطعام، ويقال: مرأ فلان مرءاً صار امرأة هيئة وحديثا، ويجمع المرأة على غير اشتقاقها فيقال: نساء ونسوة، وتُعرَّف المرأة بأنها مؤنّث الرجل، والنساء تعني “المناكح”، وهنا تواجهنا صلة المرأة بالجنس، وإذا تناولنا أصل “النساء” وجدناه مشتقا من فعل: نسا، ينسو، ومعناه ترك العمل، وكأنّنا بالمرأة تعني البطالة، وترتبط المرأة بعدّة أفعال رئيسية أوّلها فعل “حرم” ويعني “منع”، والحرم هو النساء لرجل واحد، ويقال حرمة الرجل أي حرمه وأهله، والحريم يعني (النساء) أي ما حرم فلم يمس، وكلمة “حرامي” مشتقة من هذا الفعل، وهو يعني فاعل الحرام، وثاني هذه الأفعال هو فعل “جمع” الذي يشتق منه الجامع ومؤنّثه الجامعة، وكذلك الجماع أي المواطأة، وثالثها فعل زوج أي عقد وقرن وتأهل وأخذ وخالط ومنها الزوج أي البعل والزوجة أي الناكح أو الناكحة”(الدراسة، ص35-36).

ولعلّ أبسط ما نعلّق به على ما وجّه به قراءته هاته هو سكوته ومروره على كلمتي: “الجامعة” و”الجامع”، هي لا توحي بدونية المرأة فكيف يبني عليها؟ إنّما يُعوّل على ما يُثبت ادّعاءه، وُيسعفه باستنتاجٍ غريبٍ _والذي لا يبدو أكاديميًّا أو علميًّا_ كالذي توصَّل إليه ممّا سبق: إنّ “اللغة التي يمكن أن يستعملها وسيلة لصياغة خطاب تحرّري تُحَدِّد مسبقا موقع المرأة ووظائفها داخل المجتمع، أي أنّه قبل وضع القوانين التي تُسعف الرجل في تدجين وتسييج حضور وإيقاع المرأة ككائن، فإنّ اللغة تقدّم له، بشكل أولي، ما يرنو إليه، المرأة إذن حضور كائن ينحصر دوره في الإشباع الجنسي والعطالة وترتيب شؤون المؤسسة لاستمرارية النوع والنظام العام الذي يحكمه الرجل“(الدراسة، ص36).

وبالتالي فالمرأة في إبداعها –حسب نور الدين أفاية- عليها أن تقدّم كتابة مُفارقة لكتابة الرجل، بل ويصبح هذا الشرط “المفارقة” شرط تحديد وهويّة: “إنّ أسلوب المرأة أو كتابتها لا تكفّ عن تفجير أقانيم الأسلوب الذكوري، شريطة أن تتفادى محاكاته ومماثلته، فأسلوبها يقاوم ويفجّر كلّ الأشكال والعلامات والأفكار والمفاهيم المؤسَّسة تأسيسا صلبا من طرف الصرامة العقلية، أو غيرها التي نحتها الرجل عبر تصوره التاريخي”(الدراسة، ص51).

ولكن السؤال الذي لم يجب عنه هو: هل يمكن حقا أن يتجاوز الإبداع النسوي اللغة “الذكورية”؟ وما موقع الكتابات النسوبة التي لا تؤمن ولا تمتثل لهذا الشرط؟ هل ييخرجها ذلك من دائرة الكتابة “النسوية”؟ إنّه سؤال عن التحديد، الهوية المصطلح، وهو موضوع ورقاتنا القادمة بحول الله.

 

 

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

20915452_300588093752622_343970535235673825_n

قراءة في رواية “شياطين بانكوك” للكاتب طواهرية عبد الرزاق

قراءة في رواية “شياطين بانكوك” للكاتب طواهرية عبد الرزاق من إعداد: * الأستاذ: بلال لونيس ...