الرئيسية / أخبار الرواية / فصل من رواية : الحي السفلي / عبدالوهاب بن منصور
عبدالوهاب بن منصور

فصل من رواية : الحي السفلي / عبدالوهاب بن منصور

—————— *** ——————

منذ وعيت وأنا أحلم.

لم أجد غير الأحلام لأحافظ على إنسانيتي قدر ما أمكنني من واقع صار يشعرني بالخواء والعماء. ومع الوقت، تعلمت أن الأحلام تجنبني عتبة الجنون وتمنحني أمل الاستمرار في الحياة. أحلام، صنعتها لنفسي، قد تتحقق أو لا تتحقق. لم أهتم لذلك، مقتنعا أنّ الموت سيباغتني ذات لحظة منهيا الرحلة. الموت هو الحقيقة الوحيدة التي آمنت بها ورافقتني كواقع عليّ أن أنتظره أو ألجأ إليه، منذ أن وقفت أمام جسد أمّي وهو يلفظ نفسه الأخير.

كان المشهد حزينا ومؤثرا، رغم أنّه كان منتظرا منذ أن وُضِعت تلك العلامة بالجير الأبيض عند مدخل البيت. العلامة[x]، التي تكاثرت بين بيوت الصفيح وصارت تزيّن مداخلها، ولم أدرك سرّها إلاّ حين مُنعت من مغادرة البيت وأنا أتأبطّ لوحتي، قاصدا جامع الحيّ. عدتُ إلى أمّي التي فقدت لون وجهها الأسمر ولم يعد يظهر منه إلاّ أسنانها البيضاء، فلم تع شيئا مما حدث، كما لم تع ما قلت ولم تنتبه لبكائي. مسحت جدّتي دموعي وأجلستني جنبها، لكنها لم تستطع منع دموعها التي نزلت على خديها. حاولت إخفاء وجهها فضمتني إليها وتحسست جبيني. كانت تتحسس جبيني عشرات المرات في اليوم لتتأكدّ من عدم إصابتي بالعدوى، وتبعدني عن أمّي قدر ما استطاعت. ثمّ تحضر لي شرابا من خليط اللّفت ونوّار التين البربري أتناوله عدّة مرات في اليوم بعد أن تُتمتم وتقرأ عليه بعضا من آي القرآن، مؤكدّة لي أنّه يحميني من العدوى ويخفّض من حرارة جسدي.

لم يحزني فقدان أمّي، في الأسبوع الثالث بعد رسم العلامة، بقدر ما أحزنني شعوري بالعجز واليأس أمام الموت، وهؤلاء الّذين يقفون خلف الباب يمنعون الدخول والخروج من البيت. يخافون علينا منّا. والعدوى تنتشر (لكنها لا تخرج عن حيّ الصفيح). عدوى لا تفرق بين المواطن والخائن، مثلما لا تفرق بين المؤمن والكافر. إنّها تعليمات المكتب الثاني (*)، والحزب الّذي يفكّر فينا دائما ويدرك مصلحتنا. وبوقه المحمول في سيارة صغيرة بيضاء من نوع رونو 4 لازال يجوب شوارع المدينة منذ أربعة أسابيع، ينبّه الناس إلى هذا الابتلاء الإلهي، ويحذرهم من الاقتراب من حيّ الصفيح، ويعطي تعليماته للإبلاغ عن كلّ حالة مشبوهة معتبرا ذلك من صميم الوطنيّة وقوّة الإيمان. كلّ شيء جاهز لمواجهة عدوى الكوليرا عدا الدّواء.. إنّها إرادة الله.

ومن يقف ضدّ إرادة الله؟.

أعوان الحزب، بأمر من المكتب الثاني، غزوا منابر مساجد المدينة وتحوّلوا إلى أئمة مختصين في الوعظ والإرشاد. كان عليهم إقناع النّاس بالحجّة والبرهان أنّ الكوليرا ليست عقابا إلهيا، وأنّ دفن الميّت بسبب الكوليرا دون غسله في تابوت مغلق تجنبا لنشر العدوى لا يتعارض مع قيّم الدين الإسلامّي، الّذي يفرض على المؤمن أن يحفظ الإنسان الحيّ قبل الميّت، وما الجسد إلاّ وعاء يحمل الرّوح، الّتي تصعد إلى ربّها سابحة في ملكوته. ولم يغفلوا عن تقديم الأدلّة والشواهد من التاريخ الإسلامّي.

إمام الجامع الكبير اختفى منذ أسبوعين، بعد خطبة مثيرة عن العدوى كعقاب إلهي لمجتمع ابتعد كثيرا عن الدين وشريعته السمحاء، وخالف وعود شهدائه. وكثرت بشأنه الحكايات. حكايات تتداول في السرّ رهبة من أذن وأعين أعوان الرّوخو الفسيان(*) بالمكتب الثاني، الّذي حضر بنفسه إلى حيّ الصفيح وأعطى أوامره بالحجر على كلّ من يشتبه بإصابته بالمرض دون انتظار تقرير الطبيب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

—————— *** ——————

أواجه الموت. أعرف أن المواجهة ليست سهلة. لكني لا أملك غير سلاحه. المباغتة والفجأة حتى أصل العتبة. وعليّ أن أتخطاها. فكرت في الانتحار كتجربة للّحظة الفاصلة بين الحياة وما بعدها. لم أرَ الانتحار هروبا من واقعي. إنما هو المحطة الّتي وصلت إليها.

لم يطل زمن تفكيري في الانتحار بقدر تفكيري في طريقة مجدية توصلني إلى غاية تصورت أنه لم يصلها أحد قبلي. لكن، عليّ أن أتحدّى تلك اللّحظة الّتي تأتي بغتة وفجأة، فحددت زمانها ومكانها. ثمّ، هازئا من الموت، غيرت عدّة مرات زمن ومكان تلك اللّحظة معتقدا أن ذلك سيفقدها قيمتها وقوتها، كما المرأة تضرب لها موعدا للقاء ثم لا تأتيها، فتظل مترددة بين الانتظار والذهاب وهي تختلق قصصا لتجد لك عذرا لعدم مجيئك.

في يوم غير عاد. يوم، تُرفع فيه الأعلام وتُوضع باقات الورود على قبور الشهداء. يوم لتخليد الموت. موت الانسان لأجل حريته. يوم، اعتقدت لأعوام عديدة أنّه اليوم الّذي تحرر فيه الإنسان، ولم أكن أبغي غير تحرير نفسي، الّتي لم تشعر أبدا بحريتها ولا بحرية من حولها. اغتسلت وتعطرت كمن يتهيأ للقاء حبيبته. لم أكتب وصيّة ولم أودع أحدا، حتّى جميلة لم أشر لها مجرد إشارة بقراري حتّى لا تتوهم أنّها سبب انتحاري، فتعيش بضمير يؤنبها وتتحوّل حياتها إلى جحيم. لا أنكر أنّي فكرت في ترك ورقة تبرئها من الفعل ومن سببه، رغم أنّ لا أحد سيتهمها بعد ما حدث بيني وبينها. أردت أن أجعل من موتي لغزا يغزو لبضعة أيام أحاديث الناس.

مع الضحى، زرت المقبرة لأتعرّف على المكان الّذي سيُؤْوي جسدي. وجدت الحفّار، كعادته، يهيئ ثلاثة قبور لاستقبال الموتى الجدد. سألته عن أحوال الموتى، فلم يندهش من سؤالي واكتفى بابتسامة رقيقة، وهو يؤكد لي أنّ حالهم أفضل من حالنا. وحين وقفت أمام قبر أمّي تخيلتها تعاتبني عن تأخري في اللّحاق بها، فوعدتها بلقاء قريب. وخشيت أن يعاتبني كلّ من عرفت وسبقني إلى هنا، خاصة في عام الكوليرا، فأسرعت الخطى مغادرا المقبرة وبداخلي رغبة للعودة للنّوم، في هذا المكان الهادئ والمألوف عندي.

اختليت تحت شجرة الخروب في الجهة الشمالية لحيّ الصفيح. لم أرغب في الموت بداخل الضريح، لأنّي رأيت في ذلك تطويقا لحريتي وتعذيبا لروحي، الّتي قد لا تجد منفذا لتصعد إلى ملكوتها فتظل حبيسة أربعة جدران.

لا أنكر أن اختيار طريقة الموت كان بالنسبة لي أصعب من الموت ذاته. لقد فكرت في فشل المهمة أكثر مما فكرت في الموت. مثلما فكرت في الحالة الذي سيؤول إليها جسدي. والجسد بعد الشنق يثير شفقة كل من يراه. وأنا، لا أحبّ أن أثير شفقة أحد، مثلما لم أثرها وأنّا حيّ أرغب في الحياة. أحب أن أموت ورأسي مرفوع لأعلى. لكّن ماذا أفعل لو خدعني جسدي وترك الرأس تنحني إلى الأسفل؟. أو تغيّر لون وجهي وفقد ابتسامته؟.. أسئلة لم أفكّر فيها من قبل. راودتني وأنا أتهيأ للموت، فأبعدتها من تفكيري مقنعا نفسي بأنّها من وسواس الموت الّذي عليه أن يخيف. يرهب. فحصت جيدا أغصان الشجرة. أغصان يابسة قد لا تستطيع شدّ جسدي، فقررت أن لا يكون موتي شنقا، ليس خوفا منه وإنّما لا أحب أن أفشل في مهمتي وتأخير موعده.

لففت سيجارة حشوتها بالكيف. تفنّنت في لفّها كعادتي. الصّنعة التي أجيدها. أخذت أنفاسا طويلة ومتتالية. ملأت قفص صدري وحبست أنفاسي تاركا الدخان يتسلل عبر عروق دمي، متلذذا بالخدر الّذي بدأ يسري في كامل جسدي. ثمّ حررت الدخان بعد أن استنفذ مفعوله، فأخذت أنفاسا أخرى..

كلّ شيء من حولي توقف. توقف عن الحركة. فقط يدي اليسرى بدأت ترتعش. أدركت أنّ مهمتها عظيمة. بحلقتُ فيها طويلا وابتسمت. وباليد الأخرى تحسست أصابعها وكفّها، ثمّ داعبتها، مثلما كنت أداعب كفّ صديقتي جميلة، الّتي، ربّما، سترتعش يداها حين يصلها خبر موتي، فكفّت عن الارتعاش. خشيت أن يراود الشك أعضائي فتخذلني في هذه اللحظة. فقررت المواجهة. عدلت من موضع جسدي على جذع شجرة الخروب وألقيت عليها نظرة أخيرة. نظرة وداع وهي التي احتضنتني سنين طويلة. ابتسمت. وضعت يدي اليسرى على ركبتي. أخرجت من جيب معطفي الجلدي موسى حلاقة جديد. ثم مرّرت الموسى ضاغطا. لم أشعر بألم كبير. كان الجرح عميقا. خرج الدم ولطخ الموسى. أطلقت يدي فسال الدّم غزيرا وأحسست به ساخنا. أخذ لونه يتغير. يسوّد. رفعت رأسي إلى السماء وتركت بصري يذهب بعيدا. أحسست بدبيب الموت يقترب. يتصاعد من أخمص قدمي. صار الدبيب قشعريرة. قشعريرة باردة تجتاح جسدي. قاومتُ عيني، حتّى تظلا مفتوحتين. أشعر بلذّة لا تقاوم. لذّة لا تشبهها لذّة. لذّة الموت

* المكتب الثاني: اسم موروث عن مكاتب التحقيقات والاستعلامات الاستعمارية ويشير لمكتب المخابرات.

* الروخو: كلمة تعني الأشقر والفسيان تعني الضابط.

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

20882363_1446668375413763_5052822029057095653_n

قراءة برواية “شياطين الجوف ” للكاتبة سميرة منصوري / بقلم.غزال مراد

شذرات من رواية “شياطين الجوف ” للمبدعة سميرة منصوري . رواية النفس الواحدة ،قرأتها ظهرا ...