الرئيسية / سرديات / فصول روائية / فصل من رواية :هذيان لنواقيس القيامة / محمد جعفر
هذيان لنواقيس القيامة

فصل من رواية :هذيان لنواقيس القيامة / محمد جعفر

هذيان لنواقيس القيامة

كانوا يرونني من قبل نزقاً وممسوساً، وكانوا دائما يتحاشونني ويتجنبون الجلوس إلي أو مناقشة أفكاري، على أنه حصل وحدث أن كان هناك استثناء لي في هذه الحياة. لقد كانت هناك امرأة أحبتني. جميلة تصغرني بسنوات عديدة. حبيبة حالمة تهوى التقبيل بفم مزموم قبلة العصفور، ثم لا أدري كيف تلاشت الأحضان التي طوّقتنا، وكيف خفتت نارها وتبدّلت إلى جليد صاقع.. حملت حقائبها ذات موسم ورحلت دون إنذار ودون أن تضطر إلى قول كلمة.. تفجّعت فيها وهي تغرب صوب البحر بينما أنا رابض مشدود إلى بركتي الآسنة والعفنة.. اِلتمعت عيناي بكل حقد الدنيا بعد ذلك، اعترفُ..

كنت لا أزال في حاجة إليها وإلى وجودها بجانبي،

فهل كنت لأغفر لها!

ثم هل يُسأل العاشق عن شططه! “

دارها بيديّه يحلّها بِسْنانَه”..

كل شيء كان مبرراً في نظري حينها، وكم وقفت بعد ذلك على قبرها وأمام شاهدة تحمل اسمها أبكيها وأنعيها وأندبها وأندب حظي فيها!..

كانت قد اختارت أن تغامر صوب البحر، وكان ذلك من حقها ما دامت كانت ترى أن الأحلام من هناك تناديها.. لقد فهمتُ متأخراً وبعد فوات الأوان أنها كانت قد تعبت مني ، وفضلت الرحيل على أن تبقى معي وتشهد سقوط أيقونتي لديها فتكرهني، وإن كنت إلى اليوم أحاول أن أتأقلم مع الوضع وأسعى لأتحمّل حالي وحيداً من جديد. وأنا إذ أذكرها على هذا الفجر البارد، أشعر بالعطش لكل الأشياء الجميلة التي حصلت ولم تحصل بيننا!

لقد كانت مثل كثيرين مخلوقة لها طموحات على عكسي أنا الذي لم أعرف الطموح يوماً أو بالكاد صار لي واحد بعد هجرانها لي، وهو أن أكتبها.. على أن أي كاتب كان سيظل يعتقد أن الكتابة هي أفضل شيء حصل له في هذه الحياة، وأنه يكتب ليعيش، وهذا ما لم يحصل معي أنا، فقد كنت دخيلاً على عالم الأدب، ولا أذكر أني حملت القلم إلاّ لطارئ حصل معي ولظرف أملته الضرورة، وأجدني الآن أعيد التشكيك في الكتابة كخيار رغم ميولاتي الأدبية التي اكتشفتها ولم أكن أدري بها لديّ. ثم أنه لا يجب على المرء أن يلتفت خلفه حتى لا يتلف، وإن كان مقيداً له أن يسير إلى التلف في كل الأحوال.

لقد ولجت عالم الكتابة فاراً إليه من نفسي ومما اقترفته يداي، وكنت أطمح أن أجد فيه متنفسي وتفريغاً أتجاوز به ومن خلاله ما كان يكبلني أو يدفع بي إلى الجنون، وإن كنت شارفت اليوم أعتابه. لكن هل سيهمني حقا الطوفان وقد وصلك مخطوطي وصار بين يديك!

كان يجب أن تكون هناك وسيلة ما لتنظيم هذه الاختلالات. طريقة أخرى ممكنة للحياة . فِعل صحيح أقوم به، وأطوّق من خلاله الفوضى المستفحلة حولي. وكنت ألتمس طريقي ولا شيء لي غير المحاولة.. والآن أدرك تماماً أني أخطأت الدرب.. فِعل الكتابة جاء لرأب صدع لا لإقامة بناء . جاء متأخراً وبعدما استفحلت الحالة..

كنت أريد ما يحررني طائرا، نورسا بحريا، لجّة أو غمامة؛ والكتابة تبدت لي كذلك إلى حين انتهيت مما كتبت تحوّلت إلى وهم، فهل كنت سأغرس برأسي كالنعام في تربتها (الكتابة) من جديد، وهل كنت لأرضى بأن أضيع في الوهم ثانية! لقد خلصت أن الجهد الفكري أو الإبداعي لا يمكنه أن يمنحنا سلاماً داخلياً، وإن كان يمنحنا الفرصة التأمل وإعادة صياغة الحياة من حولنا. إنه سلوى تلهينا ما دمنا نخوض الغمار غرقى بين الورقة والقلم، حتى إذا انتهينا تلقفتنا الحيرة من جديد وعادت الأسئلة القديمة وقد توالدت وتكالبت لتصير أكثر شراسة وهوساً وفجيعة، وندرك أخيراً كم كنا واهمين، وأننا كنا نسير إلى زقاق مسدود، وأننا أقحمنا أنفسنا في ورطة لا فكاك منها..

هل كانت فتاتي مطالبة بأن تفهم عليّ وتستوعب ما كنت أعانيه!.. الأكيد، لا. لم تكن مطالبة بشيء، ثم ماذا كان سيعني لها أي شيء أقوم به. لقد كانت لها اهتماماتها الخاصة وفقط، كذلك كانت أمي تقول محتجة كلما وجدتني ألوذ بأوراقي أو عاكفا على مكتبي أكتب: ” دعك من هذه الأوراق التي تتلف بصرك!”، رأفة بي وشفقة على حالي، أو هكذا كانت ترى الأمور من جهتها. الأعور في بلد العميان ملك، لكن ما معنى أن تكون أعور في بلاد يعتقد جميع من فيها أنهم مبصرون ويملكون ناصية الحقيقة!..

لا أحسن لك حينها غير اعتزال الناس جميعاً ، والعيش وحيداً في منفاك، فلا تتعاطى مع ما هو حولك أبداً، أو هذا ما انتهيت إليه أخيراً! كم يهولني أن أراني رجلاً ماكراً وخبيثاً وقد قررت أن أضع هذه الرواية فجأة بين يديك، على أني لم أكن شريراً في يوم من الأيام رغم ما اقترفته في حياتي من آثام. لقد كنت ولا أزال غير قادر على رفس يعسوب أو دعسه بقدمي، ولا قدرة لي إلى اليوم في أن أؤذي ذبابة. وآثامي في مجملها لم تبلغ مرةً حدّ أذية أحد، وأكاد أجزم أن أغلبها كانمسرحها خيالي الملتهب ووجداني، حيث يمكنها هناك أن تشطح وتعربد وتطلق لنفسها العنان. لكن ما حيلتي هذه المرّة وأنا مضطر للانسحاب من هذه الحياة الكريهة!

سيدي، إن كنت أحبكَ فلأنه يجمعنا حب الأدب نفسه والرواية على وجه الخصوص ، وإن أردت· المزيد فزد على ذلك شغفي بما تبدعه. أراك دائما تقدم لهمّك وما يشغلك بصرف النظر عمّا يوّد أن يقرأه الآخرون أو ما يثيرهم في الأدب خاصة. ولعل ما يشدّني إليك أكثر أني ألتمس جوهرك من خلال أعمالك الطافحة بالصدق والتي تنتصر للالتزام وللإنسانية، وإن كنت على يقين من أن اعترافاً بمثل هذا الحجم لن يقوّض حجة من يدعي مرضي ونزقي؛ على أنهم ـ واِعلمْ هذا جيداًـ لا يثيرون حتى حنقي ولن يتمكنوا من إتلاف أعصابي ما دامت تالفة أصلاً.. ثم هل علي أن أصرّح وأقول إن الحب في ذاته نزق، وأنه لا يجب تفسيره بل عيشه! بعد تسويد هذا العمل ظللت· قرابة سنة كاملة متردداً في نشره غير جازم بجدواه ما دمت لا أملك أي طموح أدبي على عكس شخصك تماما.. أفلا تراني إذن، وأنا أهديه لك حباً وكرماً، أنقذك من ورطتك..

ألن يهمّك الأمر حقاً ولن يغريك وقد صرت مفلساً غير قادر على أن تتجاوز نفسك وتُقدم لقارئك شيئاً جديداً ملهماً.. أم تراك ستجد أن عملي لا يستحق وستتجاوزه استخفافاً به! إنك حينها ستضيع على نفسك الفرصة في أن تقدم نفسك من جديد وبصورة ملهمة فيها تجديد وتجاوز لكل ما سبق لك تقديمه. وأنا هنا لا أغبط عملي بقدر ما أنظر إليه نظرة موضوعية وجادة. وكن متيقنا أن شغفي بالأدب ولو قراءة وبحكم مهنتي وبعيداً عن العواطف ودون انحياز، أعرف أين أضع جهدي وكيف أصنفه، وأتمنى أن أجدك من رأيي، وقد صرت تمر بفترة جفاف حرجة ومؤسية وقاتلة!

وفي الأخير، وعلى مطر يمارس طقسه الأزلي.. مطر يجلو مدينتي من أدرانها وخيباتها أقول.. ها هي ذاكرتي أو بعضها.. أو شيء من ذاكرة وطن يلبس ثوب امرأة لعوب..

ستؤوِّل أنت الحكاية وسيفعل سواك.. ستلبسونها مختلف الأشكال والألوان، على أني سأرضى هذه المرّة بدور المتفرج مستمتعاً باللذة التي استعصت عليّ طوال حياتي، ولن أتدخل لأحسم أي شيء، فالحقيقة لا أزال أراها في كل ذلك!.

ــــــــــــــــــــــ

شارك في الإسفتاء

عفو لايوجد لدينا استفتاء بالوقت الراهن.

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

21905477_1859685947680120_1739147092_n

فصل من رواية : كابيلا / خولة حواسنية .

  فردت خصالا ذهبية طويلة على كتفيها، ولم يكن أمامها سوى الاستنجاد بمستحضرات ملونة تخفي ...