الرئيسية / سرديات / فصول روائية / فصل من رواية: قبل البدء حتى ,,,/ محمد بورحلة
محمد بورحلة

فصل من رواية: قبل البدء حتى ,,,/ محمد بورحلة

محمد بورحلةفصل من رواية “قبل البدء حتى…” لـ محمد بورحلة – دار “ميم” للنشر. (ص. 13-15)

 

لما يعاتب عمر سعيدا، لا يرد. صاحبه لم يجانب الحقيقة، كان يعلم أنه يبحث عن شيء من وراء العقل، لكن المستحيل صعّر خده ولم يف بوعوده. حبّه لسيدة الغياب كان ضربا من الجنون.   

 

– ماذا كانت تعني سيدة الغياب بقولها إنها صديقتي (قبل البدء حتى..)، لماذا لم تقل منذ البدء!.. هل كانت موجودة أمامي ولم أرها! ما فائدة العيون إذن إن لم تشاهد الملائكة! لكن الملائكة لا تظهر، لا نراها.. نؤمن بها، نبجلها فقط. مثلما فعلت أنا.. آمنت بها! آمنت بالحبّ، آمنت بقدرته على انتشال جثتي البائسة من غور العدم.. هي بالفعل ملاك، كائن طاهر طهارة تسابيح العندليب في رحب السماء. كلها نور وبهاء، سأفني عمري في البحث عنها ولما أجدها سأترك كل شيء من أجلها دون ندم، دون التفاتة إلى الوراء. هي قِبلتي (قبل البدء حتى).. كل يوم كنت في انتظار إشراقة وجهها لأحيا. لكني كنت منشغلا.. أو غافلا.. ولم تحن الفرصة. لكن لماذا الآن؟ لماذا لم تأت من قبل؟ الآن.. في آخر العمر، آخر منعرج الحياة، بعد فوات الأوان، في قمة القنوط بعد ما رفع الجسد المتعب رايات الاستسلام وخبأت كل جذوة حرها في رماد العادة.. لماذا؟ العيب في.. في أنا.. أعترف بعيوبي.. لكن عيوني.. أين كانت.. وأين كان قلبي؟ هل كان ميتا ولم ألاحظ ذلك؟ هل كان مشغولا؟ بئس القلب هو إذن! لكن لساني – ذاك الترجمان الخائب – كان يحس بها، يلهج بذكرها، يشدو بحبها، ينتظرها كما تُنتظر الرّسلُ! فكيف إذن يكون قلبي ميتا؟ لو كان كذلك لماذا انفتح على مصراعيه لأول النبض، لأول الطرق! قولي يا حبيبتي.. هل الشقاء مكتوب على الحبِّ ليسعد؟ هل الحبّ مثل النار.. لهبٌ ثم خبوٌ ثم رماد! هل جننت بسبب الحبّ؟ ما أجمل الجنون إذن! ربما ملاكي جنية من وحي خيالي.. خيال أنجبه رحم الوجع – لطفا منه وتكرما – ليخفّف من آلام الوحشة، ليبعثني بعد موتي. آه يا عزيزتي الغائبة.. تعلقت بك كما يتعلق الغارق بقارب النجاة.. حتى إني تمنيت أن لا أراك ولا أكلمك حتى لا أدنسك بركاكتي المعهودة وقلة طموحي.. تمنيت أن لا تكوني لتخلدي؛ لنكون رغم كل شيء، رغم الآخرين… الآخرون؟.. لم يفهموا شيئا! لا أريد أن أسمّرك مثل حشرة ميتة على أوراق رغباتي الدنيئة، أن أسجنك فأحدّ من قدرتك على تحويل يقطينة عادية إلى عربة مجنحة. لم يكن حبي أنانيا، تعلقا عابرا، هو.. خانني التعبير. تبا للكلمات التي تتخلى عنا في ساعة الحسم وللقرائح التي تخون العهد فتبخل لمّا يتسوّل أمام قدميها الشاعرُ المسكين. حبي للغائبة لا يعني فقط إبقائي على قيد الحياة بل هو آخر فرصة لنجاة العالم. إما أن أتشبث به بكل قواي وإما الغرق لا محالة، غرق الجميع! الأمر في غاية الخطورة. لو فشلتُ ستحل الكارثة بكل تأكيد. جرّب العالم كل شيء لكنه فشل؛ لا ينقذني ولن ينقذه إلا الحبّ. سيدة الغياب آخر الفرص ولا ينبغي أن نضيعها! ماذا كانت تعنيه بقولها إنها صديقتي (قبل البدء حتى..) ؟ ربما قبل بدء الحرب الأولى في زمن سحيق، في عالم يفرض علي التوجه إليه.. إليها. مهما كلفني الأمر. لا أستطيع المقاومة حتى. هي نجمي وحقلي المغناطيسي. أنا من زمن تائه، هي المرفأ الأخير. 

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

21905477_1859685947680120_1739147092_n

فصل من رواية : كابيلا / خولة حواسنية .

  فردت خصالا ذهبية طويلة على كتفيها، ولم يكن أمامها سوى الاستنجاد بمستحضرات ملونة تخفي ...