الرئيسية / الرئيسية / فصل من رواية : يسار بن الأعسر / الأزهر عطية
547900_1393775040889197_1788923922_n

فصل من رواية : يسار بن الأعسر / الأزهر عطية

547900_1393775040889197_1788923922_n

وتخلص أخيرا من زحمة الناس في جنوب المدينة، وفي شوارعها المتشابكة والمزدحمة، حيث أسواق النحّاسين، والصبّاغين، والحدّادين، والعشّابين. وحيث أصوات المطارق الحادة التي تعلو، وتتناغم من عدة جهات. تتبادل الإيقاعات، أو تتناوبها بطريقة مثيرة للانتباه. حيث استعاد من خلالها أجواء الحياة التي افتقدها منذ أربع وعشرين سنة. وتمتع بها، وبضجيجها. ثم راح يبتعد عنها، شيئا فشيئا، نحو الشمال، إلى أن وجد نفسه أمام باب المنزل الذي احتواه ذات يوم، وآواه. والذي كانت له فيه صولات وجولات. إنه المنزل الذي عاش فيه أياما، وأعواما، كانت حافلة كلها بالعديد من الذكريات الجميلة التي لن تتكرر أبدا، ولن تعود إليه، ولن يعود إليها، إلا من خلال التذكر، أو من خلال الأحلام.
كانت عيناه مصوبتين نحو باب المنزل ذي اللون البنفسجي، الذي بدا له مشبعا بالحزن والاشتياق. ثم راحتا تنزلقان بهدوء نحو بقية أجزاء المنزل من أسفله إلى أعلاه؛ نوافذه، وشرفاته، وجدرانه. كل ذلك وهو واقف، لا يتحرك فيه إلا عيناه اللتان تكادان تلتهمان المنزل، أو تخترقانه، وقلبه الذي ازدادت نبضاته، وازداد خفقانه، وأحس، من خلاله، بحرارة تسري في كامل جسده.
ثم امتدت يده بلطف، أو بخوف، لتلامس مقبض الباب الخارجي وتفتحه، مثلما تعود أن يفعل. وتزاحمت في رأسه ذكريات لا حصر لها، كلها تريد أن تجد لنفسها مكانا هناك، وتثبت أمامه لتستفزه، أو لتستنجد به. وتراجع أمامها، وأمام الباب الذي ظل موصدا في وجهه، وكأنه يتحداه، أو يعاتبه، أو يترجاه.
لقد تذكر لحظتها، أنه لا يحمل معه مفتاح الباب. إنه عند جارته. لقد تركه عندها حين سافر منذ أربع وعشرين سنة. وحينها أوصاها أن ترعى المنزل، وأن تزوره، وتتفقده بين حين وحين. ولعلها كانت تفعل؛ فقد وعدته، حينها، بذلك. وهو الآن يبدو نظيفا، ولا تظهر عليه علامات الإهمال، رغم خلوه من الحياة.
نظر عن يمينه قليلا، إلى المنزل المجاور. ثم حرك خطواته ببطء نحوه، فهناك تقيم جارته التي ترك عندها مفتاح منزله حين غادر الديار ذات يوم.
راح يدق الباب بهدوء، وقد تملكه شيء من الوجل، والحذر. و كانت دهشته كبيرة عندما انفتح الباب، ووجد نفسه أمامها وجها لوجه. 
إنها هي بذاتها. “جزيرة “. المرأة التي تركها هكذا، حين غادر، منذ أربع وعشرين سنة.
ـ مازالت كما تركتها، لم تتغير، ولم يتبدل فيها شيء. إنها ثابتة كتلك الجزر التي نمر بها في البحار ونحن راحلون. تعاند البحار، وتعاند الأمواج، وتعاند الزمان، وكل ما يأتي به الزمان. لا تتغير ولا تتبدل. تحلم بالقادمين إليها ولا تيأس أبدا.
وكانت دهشتها أكبر حين فاجأها أيضا. إنه العزري، كما كان يحلو لها أن تسميه.
ـ إنه هو، وليس غيره. لقد مرت سنون عديدة، وها هو يعود أخيرا. من يصدق هذا؟
وأحست برعشة شديدة تهزها، وبحرارة تسري في كامل جسدها، وكادت تطلق صرخة قوية تعبر بها عن مفاجأتها، ولكنها كتمتها. بل كبتتها مرغمة. واغرورقت عيناها بالدموع، وأحس هو أيضا بدفء، يملأ عينيه. وحاول كل منهما أن يخفي تلك المشاعر الطارئة، رغم لذتها التي لا تستحق أن تقهر. وعلت وجهها ابتسامة خجلى ومميزة، زرعت في وجنتيها لونا جميلا وشهيا. وأسرعت تستقبله وتحييه بانفعال ملحوظ، وتسأله عن أحواله. ويسألها عن أحوالها، وأحوال الأهل، والأحبة. 
وتقول العيون ما لا تقوله الشفاه.
ثم تسلم منها مفتاح المنزل، وعاد وهو يفكر في أشياء كثيرة. ولعلها كانت تفكر في ما كان يفكر فيه، أو في أشياء أخرى لم تراوده، ولم يفكر فيها.
وحين أدار مفتاح الباب كان يفكر فيها، وفي استقبالها له، وترحيبها به، وفي إشراقة وجهها، وابتسامتها الخجلى.
ولكنها جميلة جدا. فكيف كنت أراها من قبل؟ بل لماذا لم أكن أراها هكذا من قبل؟ لقد كنت، بالفعل، أعمى عن هذا الجمال الرائع. أم أن هناك أشياء أخرى تحدث لي الآن؟
ما أروعها جزيرة. وما أفضع ظلم الأيام التي أبقتها مهجورة هكذا. و ليتني انقطعت فيها وإليها من زمان. بل ليتني رحلت إليها، ولم أرحل إلى أي مكان. 
كان يلقي على نفسه أسئلة كثيرة ومتنوعة. ولكنها تظل بدون أجوبة، وبذلك تظل حائرة، ويظل هو حائرا معها، وقد تخطت قدماه الباب الخارجي، ولأول مرة منذ أربع وعشرين سنة، فيما راحت عيناه تداعبان كل ما تقع عليه هناك.
وفي باحة المنزل توقف قليلا تحت شجرة كبيرة، تكاد تغطي، بأغصانها وأوراقها، الفناء كله. وراح يتأملها بتأثر شديد.
إنها شجرة العائلة. هكذا كان يسميها دائما. وستبقى كذلك دائما. في ظلها، وتحت أغصانها، وأفنانها، كان يجلس. وقبله كانت تجلس العائلة كلها، وكل من مر من هناك. كان ذلك في السابق. وسيكون كذلك الآن، وفي المستقبل أيضا. لأنها شجرة العائلة التي تضمن التواصل والاستمرار.
تأملها جيدا، ولمس أوراقها، وداعب بعض أغصانها. ثم لاحظ أنها تزهر، وأن أزهارها جميلة جدا مثلما تعودها. ولكنها كانت تزهر في غير وقت الإزهار . 
إنها تحلم كما يقولون. فللأشجار أحلامها أيضا، وكما الإنسان. فما أجمل الأحلام.
كل شيء يحلم إذا حين تشتد الأزمة، وحين توصد الأبواب، ويصعب تحقيق المطالب والرغبات. حينها يكون التعويض في اللجوء إلى الأحلام، والبحث عن الأمنيات في أماكن أخرى، وفي أعماق الذات. وحتى خارج الذات.
ها قد عدت إليك أخيرا، يا شجرة العائلة. يا شجرتي العزيزة، بعدما غبت عنك سنين طويلة، واشتقت إليك كثيرا، ورأيتك في اليقظة، وفي الأحلام. وتعذبت من أجلك، ومن أجل أشياء أخرى، لا يمكن أن يكون لها موطنا إلا هذا القلب المعنّى.
ـ كل شيء على ما يرام. أليس كذلك؟
كذلك قالت جارته التي كانت قد لحقت به، وقطعت عليه تأملاته الأولى هناك، تحت شجرة العائلة. ثم أردفت.
ـ في مساء الأمس، فقط، كنت قد أنهيت به آخر عملية تنظيف.وستجده كما كان. 
واستدار نحوها بهدوء واحترام، وراح ينظر إليها بعينين ذابلتين، وقلب كسير، ولكنه كان يخفق بسرعة وعنفوان.
ـ شكرا سيدتي الفاضلة. إنك امرأة شهمة فعلا، وإنك تستحقين

عن المدير العام

x

‎قد يُعجبك أيضاً

21761787_10212603199048297_570853680561478812_n

ما علق بالخاطر بعد قراءة رواية الأستاذة / هند الأوراس.

بقلم/ السعيد مرابطي . استقراء مكنون النفس البشرية يبتدئ عند تلك الحروف المتوهجة ولا ينتهي ...